GMT 21:25 2017 الإثنين 24 يوليو GMT 16:37 2017 الإثنين 24 يوليو  :آخر تحديث

"تخطيطات الطريق" في حواضر " ما وراء النهر"

د خالد السلطاني
 
اعود، مرة آخرى، الى "موضوعة" عمارة اقليم ما وراء النهر، المهتم بها، الآن، عميقاً. اراها عمارة مدهشة ومثيرة، مثلما ارى عناصرها التصميمية، قابلة للتفسير والاستخدام التأويلي في منتج العمارة الاسلامية المعاصرة. اذ استطاعت تلك العمارة بكفاءة لافتة، ان تتميز في مقاربتها الاسلوبية ضمن منتج "العمارة الاسلامية"، وان تسعى الى تنويع خطاب تلك العمارة، التى اضافت الكثير الى منتج العمارة العالمية. وازعم، بان هذا، يمكن ان يكون لوحده باعثا ومبررا للاهتمام في تلك العمارة و"قراءتها" من وجة نظر نقدية معاصرة، يمكن لها ان تكشف ذلك "التميز" وتدلل على ذلك "التنويع"!
وعمارة "ما وراء النهر"، وهي المنطقة الجغرافية، التى دعاها العرب الفاتحون، بهذا الاسم، في النصف الاخير من القرن السابع وبدء القرن الثامن الميلادي. وهي محصورة ما بين نهري "جيحون" و"سيحون" <امو داريا، وسيرا درايا>، والتى تكوّن، الآن، غالبية اراضي جمهورية اوزبكستان. (واود قبل الحديث عن "تخطيطات الطريق"، ان أُذّكر، بعجالة، اهم اسماء الفاتحين العرب الاوائل، والذين بفضلهم تأسست، وترعرعت، وازدهرت تلك العمارة المبهرة. واولهم، "عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث"، الذي اخضع الاقليم جميعه لسيطرة المسلمين في حوالي 700م.. <ولكن قبله، بالطبع  كان "ربيع بن الحارث"،  666 م.> بيد ان عبد الرحمن الاشعث، ولا سباب لا يتسنى ذكرها هنا بسبب الايجاز، اعلن، لاحقاً، عصيانه على الحجاج الذي يعتبر قائده الاعلى، ما اضطر الاخير الى عزله، وهو في الجهة الشرقية من نهر سيحون. ووفقا "للطبري"، فان هذا القائد المتمرد، القى بنفسه سنة 704 م، من اعلى برج هناك فسقط جثة هامدة. ويقال ان ذلك الحدث، هو من اندر ما دّون من حوادث الانتحار في الاسلام.  بعد ذلك اخذ زمام المبادرة القائد المعروف، قتيبة بن مسلم الباهلي، الذي هو الاخر اخضع الاقليم للنفوذ الاسلامي  في حروب امتدت حوالي عقدا من السنين ما بين 704-715 م. وعلى يد نصر بن سيار (738 -740م.)، تم توطيد سيادة المسلمين في اقليم وراء النهر ومجاوراته بصورة نهائية وحاسمة). وقد كانت عمارة هذا الاقليم مثار اهتمام كثر من الدارسين لتاريخ  حضارة وثقافة تلك المنطقة التى عُرفت ايضاً بـ "آسيا الوسطى". وكانت، بالطبع، مدار اهتمامي المبكر وشغفي العميق، انا المهتم، بموضوعة العمارة الاسلامية والبحث في تجلياتها الاسلوبية. ومع أهمية نجاحات العمارة الاسلامية، وتنوع منتجها الثر، فانها لم تأخذ حقها من الدرس والمتابعة، ليس فقط من قبل ابنائها المحليين، وانما ايضا من قبل "غير المحليين"، (وخصوصا "غير المحليين"!)، الذين تغاضوا (بتعمد او بدونه) الاشارة الى ثراء منتج هذه العمارة، وعملوا (بتعمد او بدونه) على بخس استحقاقاتها الفنية والابداعية، في معظم الدراسات الصادرة من قبلهم.
لقد كتبت مرة، عن اهتمامتي بهذه العمارة. وانا الآن "غاص" في تلك المهمة النبيلة، التى اسعى،  من خلالها، وراء قراءة  تلك العمارة ودراستها عبر قيم ومفاهيم معرفية مختلفة، تسمح برؤية الحدث المعماري الناجز، وتبين قيمته الابداعية.  وكما اشرت، مرة، فان مقاربتي لتلك العمارة، لن تقتصر على محددات علم الجمال الكلاسيكي لمفهوم العمارة؛ وانما تتعداها لتطويع وتوظيف "فرشة" مفاهيم معرفية  واسعة ومتعددة، بضمنها المعارف الفنية والتاريخية والثقافية وغيرها من المعارف والآليات التى بتفعيلها وفعلها، تكون قادرة، بموضوعية عالية، أن تكشف المنجز التصميمي المبتدع وتؤشر نجاحاته. 
ومن ضمن الوسائل العديدة والمختلفة في مرجعياتها المعرفية، التى الجأ اليها في إدراك المنتج المعماري المتحقق، توظيف "آلية" ما يعرف بـ "تخطيطات الطريق". وهي وسيلة ناجعة، يعتمدها المعماريون في ترسيخ "اميج" العمارة المرئية، واستيعاب جمالياتها وحفظ تفاصيلها. وهذا النوع من الرسوم <كما كتبت عنها ذات يوم>، يمثل في الحقيقة  "... جنساً ابداعياً قائماً بذاته، وينطوي على تخطيطات معبرة، هي التى عادة ً تكون مرسومة من الواقع مباشرة. و تتسم  خطوطها السريعة والمتقنة على حيوية نابضة، تعكس مزاج لحظة اقتناص المشهد المرئي، وتنقل نكهته الى المتلقي مباشرة وببساطة متناهية. ومن المعروف ان هذا النوع من التشكيل يتطلب مهارة كبيرة في التخطيط، كما يقتضي معرفة عميقة بخصوصية البيئة المبنية المرئية. ويتعين على الرسام ان ينهي "رسمته" بسرعة، ومن دون اللجوء الى اعادة تصويبها او تعديلها. ويستلزم هذا النوع من التخطيط مزيدا من التكثيف للعناصر المرسومة واختزال المشهد في خطوط مقننة جدا، وواضحة جداً. واخيرا يفترض بالرسام الناجح في مثل هذا الفن، تعاطفه واهتمامه الشخصي مع المشهد المرسوم وتفهمه لخصوصيته". 
لا ازعم، بان رسوم "تخطيطات الطريق" التى عملتها لـ "سمرقند" و"بخارى"، المدينتيّن المهمتينّ في اقليم ما وراء النهر، عند زيارتي الاولى لهما، في مطلع السبعينات (1972 تحديداً)، بتوجيه من "مشرفي" على اطروحتي للدكتوراه، تستجيب جميعها بصورة كاملة ومتقنة لتلك "الشروط" التى ذكرتها تواً. لكنها تبقى مترعة بذلك الشغف المهني، ومشغولة بولع خاص، تجاه ما رسمته من مشاهد مميزة، استدعت بعمارتها، وقتذاك، (في الاقل بالنسبة اليّ) اطياف "بغداد العباسية"، التى "انتمي" اليها، وان استحضر بنماذجها المدهشة، صوراً لتلك العمارة المتخيلة! (يقال ان <عمارة ما وراء النهر>، وخصوصا في اوج مرحلة نجاحاتها ونضوجها، كانت تدعي "بالمرحلة الثالثة للعمارة العباسية"، المرحلتان  الآخريتان هما مرحلة بغداد الاولى، وسامراء الثانية!).
تشي كل رسمة من "تخطيطات الطريق"، المشغولة بقلم "الفلو ماستر" Flo-Master، (او ما يعرف بالروسية   Флома́стер) وعلى ورق بقياس A3، (واحيانا بمقياس خاص يقرب من  A2)، وهي لمبان مهمة واساسية في البيئة المبنية التاريخية لكلتا المدينتين، تشي بحكايا واساطير شعبية، تضيف "هالة" من الوهج الابداعي الى  قيمة المبنى التصميمية، وتجعل منه "اسطورة" شعبية، يتم تداول "سرد" نصها، بمتعة كبيرة واحيانا بعاطفة جياشة، تلامس افئدة "زوارها" ومشاهديها، وتثير وجدانهم. 
فمجمع "شاه- اي- زنده"، على سبيل المثال، الذي يقع في اطراف مدينة سمرقند الشمالية، والذي رسمته ضمن مجموعة "تخطيطات الطريق"، تعود مبانية تاريخيا الى القرن الحادي عشر - القرن الخامس عشر. انه مجموعة من اضرحة، لكن عمارة المجمع لا توحي بالحزن او الفقدان، بقدر ما "تمجد" وتحتفل من خلال الالوان البراقة للبلاط المزجج والمزخرف الذي يكسو مبانيها، وكذلك من خلال صيغ اشكال عمارتها ومساراتها، فانها توحي الى شئ اخر؛ شئ، يمكن له ان يحتفي بالحياة، اكثر بكثير من ان يدلل على آسى أو حزن، وهما يفترض، موضوعة تلك المباني. وتروي "الحكاية" الشعبية المرادفة لمباني هذا المجمع، الى "اسطورة" صاغها "المخيال" الشعبي، وظلت متداولة عبر قرون، بحيث إكتسبت "وقائع" أحداثها صدقية عالية، ما منحها "حرمة" خاصة؛ مضفية، في الاخير، "اسمها" على عنوان المجمع التاريخي الذي لا تخلو مبانية  من إحساس بقداسة، تراكم إثرها عبر الزمن الطويل، وما انفكت تشي بها لحين الوقت الحاضر! و"الحكاية" باختصار، ان "أكثم بن العباس بن عبد المطلب" وهو ابن عم الرسول، استشهد في هذا المكان، عندما قطع راسه احد المحاربين المحلين، وهو يذود، بشجاعة نادرة، في مهمته الايمانية بنشر الاسلام في اراضي ما وراء النهر. لكن "اكثماً"، ويا للدهشة!، لم يقع ارضا، (بحسب الرواية!)، وانما رفع رأسه بيديه وسار به الى "جب" قريب، واختفي فيه! ووفقاً للرواية ذاتها، فانه لايزال هناك "حياً يرزق!"، ومن هنا جاءت تسمية المجمع: "شاه- اي- زنده"، اي <الملك الحيّ>! كما لا يزال جمع خفير من المحليين (...وغير المحليين، ايضاً)، "يزورون" بانتظام مكان الاختفاء، الذي شُيـّد عليه ضريح وبُنىّ مسجد بالقرب منه. ويعتقد  كثر من الاهلين، بان "زيارة ضريح "أكثم" ثلاث مرات في ثلاث سنوات متتالية، تعادل زيارة مكة وقت الحج!
ثمة رسمة منشورة مع رسوم هذا المقال، تبين تفصيلا في مسجد "بيبي خانم" (1399- 1404) الفسيح، والذي قدرت ابعاد جدرانه الخارجية 109× 167 م، في حين كانت ابعاد الصحن الوسطي المكشوف فيه تقدربـ  64× 78 م. وهذا التفصيل يمثل مفردة "العقد الكبير" في قبو ايوان الواجهة. وقد بلغ ارتفاعه حوالي 35 مترا، وهو ارتفاع شاهق مثلما هو نادر لمثل هذه الاقواس في تلك الازمنة، حتى ان احد معاصري المسجد، وهو الشاعر "شريف الدين يزدي"، قال بحق هذا العقد الكبير مايلي:
"... وإن عقده العالي على الأرجح كان وحيدا؛
 لولا أن درب التبانة لم يكن له مماثل.!"
من ضمن الرسمات المنشورة هنا، رسمة تظهر بانوراما مدينة بخارى، كما يمكن مشاهدة "منارة كليان" العالية، كاحد الاحداث الفرتكالية المهمة في خط سماء المدينة التاريخية. يصل ارتفاع هذه المأذنة التى يعود تاريخها الى 1127 م، الى حوالي 46 مترا، وتعتبر من المآذن الشاهقة في عموم اقليم ما وراء النهر.واسمها يشير الى اسم مسجد، الذي شيد بجانبها وبنفس الاسم "كاليان" وتعني "الكبير او الفسيح او الضخم".
واذ انشر بعضا من تلك الرسوم هنا (امتلك العديد منها بمقاسات مختلفة ومنفذة بخطوط ملونة متعددة)، وكلها تعبر عن مشاهد عمارة متفردة، اراها ايضاً، استثنائية  في جمال حلولها التكوينية والتزيينة، فانها تعكس ايضا مدى اعجابي وافتناني بتلك العمارة المدهشة، التى قضيت وقتا ممتعا وانا داخل  فضاءاتها وخارجها، اقوم برسمها، مختزلا اشكال "فورماتها" المميزة بتلك الرسوم السريعة، ومبيناً أهمية تكويناتها، وقيمة منجزها المعماري الحصيف! 
معمار واكاديمي
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات
0