GMT 15:31 2017 الأربعاء 2 أغسطس GMT 16:26 2017 الأربعاء 2 أغسطس  :آخر تحديث

أنفال عبد الباسط الكندري: رحل قبل أن يغفر لي

إيلاف
منذ أن تزوجنا وأنا أردد على مسمعه بأنني كل عائلته حتى تنساهم من أجلي، وبعد سنوات حين سمع نبأ وفاة والده اتصل بي وابلغني برغبته في العودة كي يودعه الوداع الأخير، ولكنني ومن دون أي تفكير أقنعته بأنني لا اوافقه لأن واجبه تجاه عمله أهم، ولم يكن قد تبقى على أمر انتهاء المهمة التي بعث من أجلها كثيراً.
أغلق سماعة الهاتف ونسيت.. نسيت أن هذا الرجل الذي قد سمعت خبر وفاته هو والده الذي حمله على ظهره، وهو الذي لم يعرف كفاً حنونة وكريمة ككفه، فهو الذي دخل عليه بالهدايا وهو الذي أطعمه من كده وتعبه، وإنه أول من بارك عقد قراننا ومن فتح بيته ليتمم زواجنا، نسيت كل شيء وتذكرت فقط بأنني قد خرجت  منمنزلهم غاضبة ومصممة على أن نقطع علاقتنا بهم كلياً، وأن عليه أن ينتصر لكرامتي ويفعل ذلك من أجلي.
مضت سنوات عمره الأخيرة يتيماً بلى أب وبلى إخوة من أجلي، وأنا ماذا فعلت ؟ حرمته من حقه بالقيام بواجبه الأخير، فقد غسل والده وودع ثم دفن وهو خارج البلاد، لم أسأله عن حزنه ولا أعلم حتى إن كان قد بكى كثيراً على  رحيله أم لا ؟، كل ما أشعر به الآن هو حرقة الفقد.
قبل اسبوع حضرت معه حقائبه وقبل أن يودعني حرص على تذكيري بوعده لي، بأنه بعد ان يعود سوف يأخذني وبناته في رحلة سياحية، وفي صباح هذا اليوم فتحت عيني على رسالته الأخيرة يذكرني مرة أخرى بأنه يحبني رغم كل شيء، وبأنه قد اشتاق إلى مناقرتي له، وبعد ساعات كان هاتفي ينادي بخبر هز ايماني بأجمل اقداري التي دائماً ما كنت أجاهر بها، لقد اغمض عينيه دون أن يسمعني صوته للمرة الأخيرة، قبل أن أغرق في بحر عينيه وأصل إلى ذلك الشاطئ الذي لم يسع غيري في سنوات الوفاء التي عشتها معه، كيف يغمضها قبل أن أحتضنه ويمسح على شعري ويتمتم بأنه هنا متمسكاً بالحياة من أجلي ؟.
سقطت من فوق سحابتي وسبقته إلى رحم الأرض، فلم تعد تلك السماء تسعني ولم تبقي الأرض على حياة لجذوري فيها، فهم لن يقوموا بدفن جسده بل بدفن اسرارنا واحلامنا وخلافاتنا وعمر طويل قضيناه في القفص الصغير الذي رضي فيه من أجلي متجاوزاً آلام القطيعة.
مضى اليوم الأول.. وأنا جالسة أراقب طيفه في المنزل الكبير الذي لم أسمح له بأن يدخل به أهله، كيف سأدخلهم اليوم.. كالغرباء أم سأنتظر أن أرتمي بأحضانهم التي تضم أجزاء من قلبه الذي تركه معهم بكل ذكرياته وشوقه ؟
في صباح اليوم التالي أخذوني إلى المقبرة لأودعه، لم أستطع الدخول عليه، فبقيت واقفة على عتبة الباب وهو نائم بهدوء كعادته، وشريط سنوات زواجنا يمر أمامي، فسقطت من شدة ضعفي ومن كثرة أخطائي ومن حجم أنانيتي التي كنت أقتله بها، أخذت أجهش بالبكاء حتى أيقظت أهل القبور ولكنه لم يكن هنا، ربما اسرعت روحه في الصعود شوقاً إلى والده، أخذ أخي يحاول أن يرفعني وأنا أسأله : هل سيغفر لي ؟.
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات