GMT 14:16 2017 الجمعة 4 أغسطس GMT 14:19 2017 الجمعة 4 أغسطس  :آخر تحديث

حيثُ تركت روحي : حين تنقلب الضحية جلاداً

إيلاف

 بقلم كه يلان مُحَمَد

 
يقولُ الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت أنَّ مادة الرياضيات هي التي يتجسدُ فيها المَنطِقٌ  مُطلقاً،ماعلاقة هذه العبارة برواية تستعرضُ جانباً من مرحلة الإستعمار الفرنسي للجزائر من وجهة نظر أحد الضُباط العسكريين؟ ربما أركان المفارقة الأساسية في رواية (حيث تركتُ روحي) للكاتب الفرنسي (جيروم فيراري) ينجاب عنها الغموض حينما يكتشفُ القاريء ما تنماه البطلُ أن يكون عليه وما تحول إليه من صورة مُناقضة لما أراده لنفسه،إذ كما يقولُ الراوي فهو (أدخل إلى العالم كل ما كان يريدُ طرده). يُبنى هذا العمل على مايعيشه النقيب (أندريه دوغورس) من حالة الإنفصام بين المثال والواقع،وذلك جراء ما يرتكبه من الممارسات البشعة والتنكيل بالمُعتقلين وتلويح  بما يُثير فزع الثوار غالباً مايراهنُ النقيبُ على التهديد بزج أخت أو أم المُعتقل لينطقُ بما يتكتم عليه من الأسرار،الأمر الذي يوضح طبائع الإستعمار في مراحل تاريخية مختلفة بعض الشاهد الواردة في سياق الرواية عن أساليب التعذيب تُحيلك مُباشرة لصور تسربت إلى وسائل الإعلام حول سادية جنود الأمريكيين في تعاملهم مع المعتقلين داخل سجن أبي غريب،لاتترصدُ هذه الرواية مرحلة الإستعمار الفرنسي للجزائر والجرائم التي يرتكبها المحتلُ فقط.بل يستديرُ المؤلفُ إلى مايَمرُ به الإنسان من حالات نفسية متأزمة حين يلعب دورين ويعجز من الوصول إلى صيغة تقنعه بأن ما يقوم به أمر طبيعى ولايقعُ التصادم بين شخصيتين مُختلفتين في جلد واحد. هذا إضافة إلى مايقدمه من نماذج إيجابية عن الفرنسيين الذين تفانوا في مساندة مطالب الجزائريين بالتحرر من رقبة المحتل ومن حاول نشر التعليم في القرى الجزائرية وتآلف مع طبيعة الحياة هناك،يُقابلُ ذلك ما سُمي بالحركيين وهم مواطنون من الجزائر إرتضوا بأن يكونوا أعواناً لفرنسا،إذ بعد إنتصار الثورة وهزيمة المشروع الفرنسي ينتظرُ هؤلاء الحركيين مصير قاتم،ويقصدُ المؤلف من وراء الإشارة إلى مصير هذه الزمرة التأكيد على مايعتور الحملات الإستعمارية من ظواهر مُثخنة باللاإنسانية .عطفاً على كل ذلك يقاربُ العمل موضوعة الحرب الأهلية في الجزائر،وما حملته من أيام سوداء لوطن ماكان أبناؤه يتنفسون الصعداء حتى فتح عليهم باب الإقتتال بين الإخوة.

بانوراما
يدشن المؤلف روايته ببداية بانورامية حينما تعودُ الشخصية التي تتكفلُ بمهمة السرد إلى الجزائر بعد إستقلال هذا البلد إذ يحسبها موظف المطار سائحاً يتمنى لها إقامة طيبة،يستحضرُ الراوي خلال هذا السفر شخصية النقيب فالأخير له تركيبة غريبة لايُمكن ان تحدد موقفك إزاءه يبدو لك في صورة ضحية تارة كما تختفي هذه الصورة تارة أخرى ليحل مكانها شخصُ يتمادى في التعذيب وسولت له نفسه إستخدام أساليب شيطانية لإستنطاق المُعتقلين والإعتراف على غيرهم،كما يبوح الراوي بمشاعره المتناقضة إتجاه النقيب، في الوقت الذي يقر بحبه لهذا الشخص لايخفي كرهه الشديد لجوانب من طبعه ومن صلافته في التعامل،لذا كلما يعبرُ (أندرياني) عن إعجابه بالسيد النقيب يتذكرُ مُمارساته الموغلة في السادية وصلت الوحشية به إلى منع المُعتقلين من التنفس وإغماض أعينهم،ويذكر في سياق هذه المُقدمة البانورامية إسم طاهر بل يستعيدُ الراوي اللحظة التي يبلغ فيها النقيب عن إنتحار طاهر ورد فعله على هذا النبأ فكان الحاج ناصر الذي ذاع صيته بإسمه الحركي (طاهر) عقيداً في جيش التحرير الوطني،مع تَعاقب الأحداث تتبين حيثيات الظروف التي يقبضُ فيها النقيبُ على فريسته النفيسة،إذ تكتشفُ مايعنيه هذا الشخص بالنسبة لسلطة الإحتلال حين يضعك الراوي أمام المخطط الهيكلي الضخم الذي يحتلُ قسماً كبيراً من جدار غرفة النقيب حيثُ يظهر (الحاج ناصر ) في صورة حزينة، ومع إعتقال أحد المَطلوبين يَتِمُ وسم صورته بلون الأحمر ،يؤكدُ الملازم أندرياني أن النقيب لايمكن أن يحتفلَ بإنتصاراته وأن أحلامه بالإنتصار ما تنتهي إلا إلى الفشل.ومن ثًمَّ كيف يفيضُ قلب النقيب بالإيمان ويفزع إلى الكتاب المُقدس ليجد ما يخفف  عليه من التوتر ،هكذا تظهر أبعاد هذه الشخصية للضوء،ويتسغربُ المتلقي مما تمرُ به من حالات مُتنافرة فمن ناحية هو يتسك بالكتاب المقدس وينهرُ أحد أعوانه على تصرفه الشنيع مع الحركيين ومن ناحية أخرى يخوف القبائلي بتحضير أخته وإمه إلى المُعتقل إذا لم يكشف له بموقع (طاهر).
 
مصير ملتبس
يجوزُ توصيف هذا العمل بأنه رواية الشخصية،لأنَّ كل المكونات التي تستقيمُ بواسطتها وحدة العمل مرتبطة بشكل أو بأخر بالبطل غير الفعال الذي لاتسعه القدرة للخروج من حالة العجز ويظلُ مُنقاداً لما تفرض عليه الظروف وهذا يتضحُ أكثر عندما يتخلى النقيب عن (طاهر) على رغم مايبديه من مقاومة خجولة ومن ثُمَّ تترك نهاية الثائر المُفجعة ندوباً في نفسية (أندريه دوغروس) ويختل توازنه إلى درجة يتصرف مع السجين اليساري (روبير كليمان) بالأسلوب الذي إتبعه (فيبفاي) مع المرأة الشابة حين غرز المسدس في أحشاء الأخيرة،هنا يتساءلُ القارىء عما أعجب به النقيبُ في شخصية طاهر، نعته إياه بالإرهابي،لايوجدُ جواب جاهز لهذا الطرح إنما يتمكن المتلقي التوصل إلى أن هذا الإعجاب يأتي من الفرق الكبير بين شخصتين، فالثائرُ متماسك ومقتنع بالقضية لايراوده القلق كما يُبلغ النقيب بأنه حتى لو قتل الإستعمار كل المجاهدين أو إعتقلوهم فذلك لايضمن الإنتصار للمحتل،قد يكسبُ شوطاً أو شوطين لكن لاينتهي الأمر كما يخططون،بمحاذاة ما يسترجعهُ الراوي عن وقائع صراع محتدم بين المقاومين الجزائريين والمحتل الفرنسي يذكرُ حياة النقيب العائلية وخوضه في النضال ضد النازية ومن ثم إستجوابه في (بوشنوالد) بألمانيا،ينقلُ الساردُ مايرويه النقيب عن تجربة السجن لرفقائه موضحاً لهم أنَّ العذاب والألم ليسا مفتاحين وحيدين لسبر أغوار الروح الإنسانية إنما بجانب ذلك هناك الحزن والحنين والعار والحب.وبهذا يحاول تطبيق ماإكتسبه من الخبرة كسجين على الجزائريين،كأن غاية المؤلف من الإشارة إلى ذلك هي الإبانة عن تكرار المأساة الإنسانية على مر التاريخ،ضفْ إلى ذلك ما تستشفه من كلام النقيب  عن تقلبات المرء بين الأدوار المختلفة،هكذا يسترسلُ السردُ ويفصحُ الراوي عما يختلجُ في أعماق الشخصية الأساسية من التساؤلات ومُعاناته في الفشل لإيجاد التوفيق بين دورين ،في الاول يظهر بصورة رب العائلة عاشق ل(جان ماري) التي تكبره بعشر السنوات وفي الثاني يتخذ كل صفات الجلاد الذي يصفي خصومه ويدفنهم ليلاً ومن ثم ينشر الإشاعة عن إطلاق سراحهم،وعند الحديث عن إهتمام النقيب بمادة الرياضيات في سنواته المبكرة نستيطع ربط بين ما إستهلنا به المقال من مقولة ديكارت عن منطقية الرياضيات ولامنطقية حوادث الحرب بحيث يصْعُب عليك أن تقر بما قاله هيغل بأن كل مايحدثُ في الواقع منطقي.تغيب الحبكة في بناء هذا العمل بل مايستعرضه المؤلف في روايته أقرب إلى مادة اليوميات ومشاهد من سنوات الحرب العالمية الثانية والثورة الجزائرية وإندحار فرنسا في فيتنام.وفي خضم هذه الحروب لايرى النقيب أثراً لروحه ويؤكد على فقدان الروح مع نفسه.
حيث تركت روحي /دار مسكيلياني تونس الحائزة على الجائزة تلفزيون فرنسا لأفضل رواية 2010 
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات