GMT 14:00 2017 الأربعاء 6 سبتمبر GMT 14:40 2017 الأربعاء 6 سبتمبر  :آخر تحديث

ابراهيم أحمد: الجاحظ واللصوص

إيلاف
تلقيت مكالمة غريبة، خابرني أحد معارفي في هذه المدينة السويدية:
ـ  هل ستحضر معنا مجلس الفاتحة؟
خالطت صوته ضحكة مكبوتة، وقبل أن أتفوه بكلمة مضى يقول:
ـ  ألم تسمع أن أحدهم هنا قطع إصبعه الانتخابي، وأقام له مجلس فاتحة في مقهى العراقيين!
 كتمت أنا أيضا ضحكتي، وجدت الأمر مشوقا رغم أنه كئيب، ويثير مواجع كثيرة!
 تواعدنا على الذهاب معا، وجدت وجوه الجالسين غامضة الملامح مطأطئة قليلا، تذكرت أن هؤلاء كانوا يقطعون المسافات الطويلة لينتخبوا من يقولون أنهم اختاروهم بفتوى من مراجعهم وأئمتهم! ثم يعودون ملوحين بأصابعهم البنفسجية بطريقة لا تخلوا من استفزاز لنا نحن الذين ركنا في المقهى مستسلمين لحقيقة أن كل شيء تقرر سلفا، ولا جدوى من رواح أو مجيء! لا أدري الآن ماذا سيفعلون بأصابعهم؟ عرفت أن الشاب من أهل البصرة، وحين سمع بهروب محافظ مدينته سارقا من خزينتها مئات ملايين الدولارات، استشاط غضبا، وصار يدور في شقته هائجا، ثم أتى بسكين المطبخ المنشارية وقطع إصبعه البنفسجي، هرع به أحد أصحابه إلى المستشفى، ثم قام هو وأصحابه بتكفين الأصبع ودفنه!
سألت متقصدا:
ـ  هل صلوا عليه؟ 
رد أكثر من شخص: 
ـ  لا !
أكمل صاحبي:
ـ  ولم يسأل إن كانت المقبرة إسلامية أو مسيحية!
 قلت في نفسي مرتاحا: 
ـ يبدو إنه قطع أصبعه حقا.
 كانت المقهى حيث أقيم مجلس الفاتحة تطل على لسان مائي طويل متنشق عن بحر الشمال، من هنا اعتدت أن أبحر كلما ضج بي الهم قاصدا الجاحظ، في بحر البصرة! أستجير به مستأنسا بفكره ورأيه، تذكرت إنني كنت قد بحثت في كتبه التي لدي، ومعظمها تهرأ من كثرة عودتي إليها علني أجد فيها شيئا عن اللصوص يشفي غليلي! وجدت إنه كتب كثيرا عن شذاذ الناس وأفاقيهم،وعن الشطار والعيارين وذكر أنه كتب عن اللصوص لكن ما كتبه فقد، ولم يصلنا، ولم يتبق منه سوى  رسالة قصيرة، وجدوا نسخة منها في مكتبة تعود لأحد تجار بغداد القدامى. كان الجاحظ قد عنونها "في تصنيف حيل  لصوص النهار، وفي تفصيل حيل سراق الليل" ، ذكر فيها أن من يسرقون في النهار هم اللصوص، ومن يسرقون في الليل هم السراق. وتحدث أن للصوص حيلهم الغريبة المضحكة، فإذا أراد أحدهم أن يسرق حمارا أو فرسا من صاحبه أو سائسه، يجلس أمامه ويأخذ بالتثاؤب،والتناوم  وسريعا تسرى عدوى النعاس إلى صاحب الدابة فيغط بالنوم!   وحين ترتخي يده، يستل اللص الحبل منه بهدوء ويركب الدابة وينطلق بها! ويضيف الجاحظ: " ونحن نرى كل من في يده كيس أو درهم أو حبل أو عصا فانه متى خالط عينيه النوم استرخت يده أو قبضته الخ" .. أما سراق الليل فهؤلاء من علية القوم وممن يتبوأون مناصب عليا في الدولة، أو هم في حاشية السلطان وقصره فتكون سرقاتهم كبيرة وبحجم قصورهم وأبهتهم! وجدتني أتسلل من مجلس الفاتحة، الذي صارت تنطلق فيه بعض الضحكات المكبوتة! قاصدا الجاحظ فهو هناك دائما خالدا في البصرة، إما في دكانه كوراق، أو في السوق يتبضع زاده القليل،  أو مضطجعا في ظل نخيل على الشاطئ! وجدته هذه المرة حزينا، كان قد سمع بما فعله محافظ مدينته، وسمع بخبر الشاب الذي بكته ضميره فقطع إصبعه:
بادرني القول :
ـ  بقدر ما آلمني ما فعله المحافظ خائن الأمانة، أفرحني ما فعله هذا الشاب عله بذلك يكون قد دفن كل ما تسمونه الأصبع البنفسجي،الذي  ينتخب عادة اللصوص والسراق والحرامية! 
أعرف ما جئت من أجله، أردت تسألني أو تلومني أنني قد كتبت حتى عن جرذان البيوت القديمة وخفاش الليل، ولم أكتب عن اللصوص سوى رسالتي القصيرة تلك،لقد كتبت غيرها أيضا لكنها ضاعت حين وطأ جيش هولاكو بغداد وألقى كتبها في النهر، كنت أزمع أن أكتب عن اللصوص كتابا أكبر من كتابي عن البخلاء، فالبخلاء يضرون أنفسهم وعوائلهم، واللصوص والسراق يضرون أمتهم وبلادهم كلها. وللبخلاء طرائف جميلة، وبعضهم ظرفاء بينما اللصوص ثقيلو دم وحكاياتهم تغم القلب وتفقد الإنسان عقله، فيصير يمشي ويكلم نفسه كالمجنون، وربما يأكل نفسه ويقطع يده أو أصابعه! 
قلت:
ـ  يا مولاي أبا عثمان، لقد فاقت حيل اللصوص عندنا ما أوردته في كتابك عن حيلهم في زمانكم، هل سمعت أن اللص محافظ مدينتكم كان يتظاهر بالعفة والفضيلة فلا يصافح امرأة لكنه سرا يصافح أكياس الذهب المسروق وما معه من خطايا في الليالي الحمراء والسوداء. هل سمعت برجل دين كبير له أتباع كثر ، يبني مسجدا كبيرا فوق أنبوب بترول،فتدخل ساحته الشاحنات وتخرج تحت جنح الظلام وقد ملأت صهاريجها بالنفط وقد كتب عليها "غذاء للصائمين في رمضان" وهل سمعت بأكداس من الذهب تخرج من خزينة الدولة على أنها لمشاريع ماء وكهرباء ومستشفيات ومدارس  وطرق وجسور ، فلا نور وجد ولا ماء صالح للشرب ولا جسورا ولا طرقات ولا طبابة ولا تعليم، كل الذهب يغوص في جيوب قادة أحزاب وجماعات يلهجون بآيات الورع والتقوى! هل سمعت أنهم يحرقون دواوين وسيارات الدولة ليخفوا سرقاتهم، هل سمعت عن نائب في البرلمان ينفق على دبره الموجوع ما يمكن أن يطعم ألف عائلة جائعة؟  طفح مستنقع اللصوص  عندنا يا مولاي حتى غمرت أوحاله ومياهه الآسنة الساحات والبيوت وهامات البشر! 
ندت عن الجاحظ شهقة عجب وألم قال:
ـ تأملت ما طرأ على اللصوص والسراق عندكم  فوجدت أن السرقات الكبرى عندكم صارت تتم في وضح النهار، فلم  يعد هناك ما يخشونه ليتلفعوا بالظلام، وهم ما عادوا ينومون ضحاياهم بالتثاؤب، بل بالصلاة والصوم والحج والبكاء واللطم، فهم يتركون الناس ساجدين غارقين بدموعهم  ويهبون من خلفهم إلى بيت المال ويسرقونه حتى أنهم يكنسونه ويصلون فيه طلبا للمغفرة! نعم كنت أرقب ذلك من قبري فيطير الموت من عيني، وأبقى أرقا أتقلب في قبري لا أجد لراحة الموت سبيلا! 
قلت:
ـ  نعم هو الحق ما تقول وهم يفعلون ما يفعله اللصوص في زمانكم عبر التلفزيون فيثرثرون كثيرا ، حتى يجعلوننا نتثاءب ثم ننام ناسين رذائلهم وموبقاتهم ونعيد انتخابهم، لقد بلغ شقاؤنا مبلغ الموت والفناء فما الحل يا أبا عثمان؟ أخذته نوبة سعال ،ربما هي من غبار القبر فرحت أربت على ظهره، وصدره حتى أخذت أنفاسه تهدأ ، خشيت أن يكتب لي شيئا كرسالته لأبي العيناء! والتي حفظتها من كتاب " جمع الجواهر في الملح والنوادر " للحصري وقد  جاء فيها أن أبو العيناء قال للجاحظ: طلب مني صديق لي أن أسألك أن تكتب له خطاب توصية إلى والي البصرة، فقال الجاحظ : نعم أكتبه، ثم أبعثه إليك، وكتب الجاحظ له الخطاب وختمه ثم أرسله إلى أبي العيناء، فلما تسلمه أبو العيناء أحب أن يرى ما كتبه الجاحظ، فقال لرجل عنده: افتحه واقرأه غليّ, فإذا به: " كتابي إليك طلبه مني من أخافه لمن لا أعرفه، فأفعل في أمره ما تراه، والسلام" فغضب أبو العيناء ونهض إلى الجاحظ، فقال، أعرفك باعتنائي بهذا الصديق فتكتب له مثل هذا؟ فقال الجاحظ لا تنكر ذلك، فإنها أمارة بيني وبين والي البصرة إذا عنيت برجل، قال أبو العيناء: بل أنت ولد زنا، قال أتشتمني؟ قال لا . إنها إمارة لي عند الثناء على إنسان! 
لم أستغرب أن الجاحظ أدرك بماذا أفكر، عندما قال: 
ـ أنت لست مخيفا، وأنا بعد الموت لم أعد خوافا،  لذا سأمحضكم النصيحة المفيدة ، نعم عليكم أن تقتدوا بعجرمة ابن عكرمة!  
قلت لم يسبق لي أن سمعت به ولم يرد اسمه في ما قرأت لك! 
قال هو سائس خيل عرف بطيبته وحسن  نيته وسلامة سريرته، حدث له أن استجاب لتثاؤب اللص وتناومه فنام وسرقت الفرس التي في عهدته فتعرض لأذى كبير، وبصعوبة شديدة وجد من يأتمنه ويسلمه فرسا أخرى. فقرر هذه المرة أن ينتقم من اللص شر انتقام، فعندما جلس لص أمامه وأخذ يتثاءب، تظاهر بأنه قد نام وصار يرسل شخيرا كاذبا، فلم امتدت يد اللص لتستل الحبل من يده أمسك به وأردفه على فرسه وانطلق به صوب بحر البصرة. واللصوص عادة جبناء رعاديد فصار يصيح به مرعوبا "إلى أين أنت ذاهب بي؟ خذني إلى القاضي يحكم بيننا!" لكن عجرمة أخذ يصيح: قضاتنا لصوص مثلكم ، وقطع يدك لا يكفي! فلما وصل به بحر البصرة نفضه عن الفرس في لجة عميقة، فصادف أن سفينة السندباد كانت عائدة يتبعها سرب من التماسيح فانقضت على اللص ومزقته إربا! فعاد عجرمة يصيح في أسواق البصرة وبين حواريها: أيها الناس تناوموا للصوص ولا تناموا، امسكوا بهم وألقوهم في البحر فالتماسيح ارحم من قضاتكم، هكذا نظفت البصرة ، لمائة عام لم تحدث بها سرقة أو جولة للص! لا حل إلا أن يظهر بينكم عجرمة ابن عكرمة ، وأرجو أن تبلغ تعازي واحترامي للشاب الذي قطع أصبعه! 
 قلت عندنا حتى الآن رغم هول السرقات لم تقطع يد سارق، وكلهم يقولون أننا نحكم وفق شرع الله!قال الجاحظ لو أحبكم الله أتى لكم بعجرمة ابن عكرمة! 
عدت منه هادئ البال، وجدت مجلس الفاتحة على الأصبع البنفسجي لا زال معقود، فبلغت الشاب تعازي الجاحظ وتحياته، ولم أدهش حين رد بوجه كأن الابتسامة هجرته من ألف عام:
ـ من هو الجاحظ هذا ؟ لن أنتخبه حتى لو جاءني إلى هنا بنفسه، كلهم خونة فاسدون!
قلت أمري لله ، غادرت مجلسهم وقد وصار علي هذه المرة  أن أبحث عن عجرمة ابن عكرمة!
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات