GMT 5:35 2017 الجمعة 15 سبتمبر GMT 5:40 2017 الجمعة 15 سبتمبر  :آخر تحديث

طلال الغوار مسافة حلم بين "الخروج من الأسماء" و"حرريني من قبضتك"

أحمد فاضل
 سيرة لتجربة شعرية 
 
طلال الغوار شاعر عراقي ، هادئ ، وقور، يرقب من وراء زجاجة نظارته ما يدور حوله ، متفحصا كأنه يستكشف المكان والناس ، لا تثيره الضوضاء بقدر ما يثيره الموقف ، يكتب بعاطفة جياشة  تشعر من خلال قصائده أنه  يعيش الحب وهو يحمل فوق هامته 60 سنة لم تنل  من  قلبه  وإحساسه ،  هيمن  الشعر فيها  منذ  تسعينيات  القرن  الماضي    حين أصدر   ديوانه   الأول    " الخروج من الأسماء "   يريد   من  خلاله  أن تلك الأسماء لا تعنيه بقدر ما تحمله  من  معنى ،  وحين تتبعت تجربته الشعرية وجدت  لها  جذورا  سبقت  إصداره لديوانه الأول متنقلا  بين  العمود والتفعيلة والنثري وقبل  دخوله الجامعة  وحصوله  على شهادتها في اللغة العربية حاول  أن يؤسس لخطاب توافقي هو الحب بمعناه المطلق  فكتب  عن المرأة ، الوطن ، الناس ، وما تعنيه  تلك  المسميات  وارتباطها  به ، يقول في " حرائق الكلمات " ( 1 ) :
 حبيبتي تقول :
أنا
لا أحبها
لأن الطفل النائم
في حنجرتي
لم يعد
يشعل الحرائق
في الكلمات
حبيبتي تقول :
أنا
لا أحبها
لأن نظراتي إليها
لم تعد
تعطل الزمن
حبيبتي تقول :
أنا
لا أحبها
لأنني دائما أهشم الصباحات
بمطرقة
من شرودي
حبيبتي تقول :
أنا
لا أحبها
لأنني أتأنق بنشيدي
أمام
من لا شموس في رؤوسهم
حبيبتي تقول :
وتصر على ذلك
وليس لي
ما أقوله لكِ يا حبيبتي
سوى
آه يا حبيبتي
في  هذا النص يقترب الشاعر بنا من The process of producing meaning أو ما يعرف بعملية إنتاج المعنى ،  وهو  أسلوب  رمزي  حداثوي يتشكل في مرحلة جنينية متقدمة  تضمرها  الذات سار عليها عددا من الشعراء  الغربيين  منهم   الشاعر  الأمريكي  الذي  رحل  عنا  مؤخرا  جون أشبيري في محاكاته للعقل كواحد من أنماط التدخل الذاتي في كتابة النص الشعري ، جامعا العاطفة مع الحاجة  لتفسير  ما  بداخلها  في عملية نثرية جميلة كما يؤكد عليها عزرا باوند حينما قال :
" الحفاظ  على  الشعر  يجب  أن يكون مكتوبا بنثر جيد " ،  من  هنا  كان اهتمام شاعرنا الغوار بنثره الشعري  الذي  امتد  لمساحات  واسعة  في   عديد إصداراته :
"  الخروج من الأسماء  "  1996 ،     " الأشجار تحلق  عاليا " 1998 ، السماء تتفتح في أصابعي "   ، " حرريني من قبضتك " طبعة ثانية 2011 ،  " احتفاء بصباحات شاغرة " 2017 ،  أول الحب .. أول المعنى "   طبعة ثانية    2017  ،   فما   بين تسعينيات القرن الماضي  وهي  سنوات  الإنطلاقة على  صعيد  النشر  حيث   شكلت  البداية  الحقيقية للشاعر  وما  بعدها  تعيش  القصيدة  ظروف   تلك السنوات فهو ابن اللحظة تلك لا يواريها  بل يجعلها واضحة للعيان لأنها كالدم المسفوح لا يمكن إخفاؤه بسهولة    ،  يقول  في  قصيدة    " المنصور يسأل عن بغداد " ( 2 ) :
أتأبط صباحي المزعوم
حيث لا صباح لنا
أو لا صباح لبغداد
وأنتَ لا ترى الأطفال
يبتكرون صباحاتهم
ويفتحون طريقهم إلى الشمس
بنشيدها الوطني
أو أنت لا ترى
الحدائق إلا في مصاطب شاغرة
والأشجار مظلة لجنود الاحتلال
وفي  " تحد "  ( 3 )  يزداد  حنق  الشاعر فيروي بسوداوية شعرية كيف أحاط به وبمدينته الأعداء :
الأعداء
سليلو الظلام
حينما تأبطوا شرهم
وأكثروا
من السواد حولي
اختلط وجهي بالصباح
مذ ركضت
تحتنا الخنادق
ورأيت العالم
يتحصن في خوذة
تعلمت صد النبال بالإشارة
وهو مع كل نزف حرف من حروفه يتشبث بالأمل كما في قصيدته " غناء " ( 4 ) :
الجرح الغائر
في أعماق تلك الشجرة
على طرفه الآخر
طائر يغني
ولأن الشعر وقفة احتجاج حينما يدعو الموقف لذلك نرى  شاعرنا  الغوار  وعبر سنوات شعره الممتدة طويلا  يحمل  لاءات  احتجاجه ضد ما يتعرض له الوطن  كل  الوطن حتى وإن كان الكبير منه الممتد من  خليجه  حتى  محيطه  الهادر  ،  ففي قصيدة " الشام " ( 5 ) نقرأ ذلك الاحتجاج الذي يرفع صوته عاليا يقول :
لن  تنحني  مهما   الزمان  قسا
إن  طال  صبر واستطال أسى
هذي  جراحك   تستفيق  هوى
فأسرج   هواها   للمنى   فرسا
من كل جرح فيك يشهر خنجر
ليقاوم      الأحقاد       والدنسا
وستنهض الآمال  فيك عزائما
كالخيل  غضبى  تقطع المرسا
ويحنك   الشهداء  في   عليائهم
يقفون   في  إصرارهم   حرسا
والشمس  حولك   تقرأ   القرآن
خاشعة  وفي  صبح  لها  ومسا
أنت الشأآم وكل من عادكِ يوما
عاد       بالخيبات        منتكسا
إن  قراءة  متأنية   لسيرة   وتجربة  الشاعر  طلال الغوار  كفيلة  بإطلاعنا  على  صفحة  مشرقة   من صفحات الشعر العراقي الحديث  عاشها  بكل  أناته ، فرحه ، معاركه ، وهو لا يزال مقبلا على التغني به  لإسماع  صوته  إن  كان  عاطفة  أو وجدانا أو احتجاج .
حاشية /
" حرريني من قبضتك " :
صفحة 18 و 7 و 21 و 101 و 88

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات