GMT 2:58 2017 الثلائاء 19 سبتمبر GMT 16:19 2017 الثلائاء 19 سبتمبر  :آخر تحديث

علاقة وطيدة تمتد إلى بداية ظهورها: ذاكرة السينما تعود إلى التشكيل

يوسف يلدا
أحدث شريط سينمائي يستند على الفن التشكيلي لبناء حبكته أنجزته المخرجة الفرنسية دانييل تومبسون مؤخراً، من خلال فيلم "سيزان وأنا"، وتناولت فيه قصة حياة أب الرسم المعاصر. 
تدور أحداث فيلم "سيزان وأنا" حول حياة إثنين من أبرز المبدعين، اللذين تركا أثراً واضحاً في البانوراما الفنية في زمنهما، هما: الكاتب أميل زولا ورفيقه في المدرسة الرسام بول سيزان، حيث إرتبطا بعلاقة صداقة وثيقة إمتدت على طول حياتهما. وهذا الشريط الفيلمي ليس سوى نموذجاً آخر لذلك التعايش المثمر بين الفن التشكيلي والفن السابع. من المعروف أن السينما، ومنذ بداية نشأتها، كانت قريبة دائماً من التشكيل، ليس فقط من خلال الإعتماد عليه في بناء أحداث أفلامها، بل بهدف إظهار جمالية الموضوعات التي يعكسها. وجديرذكره أن هناك العديد من الأفلام التي روت سيرة حياة العديد من الرسامين والرسامات، على مدى تأريخ السينما.
ويمثل فيلم "سيزان وأنا" أحدث تجسيد للعلاقة التي تجمع بين هذين الحقلين من الفنون، السينما والرسم،، والتي نحاول هنا أن نسلّط الأضواء عليها عبر إستعادة مجموعة من أبرز الأعمال السينمائية العالمية، التي إتخذت من عالم الفنون التشكيلية موضوعات لها.
 
Rembrandt (1936)
قام السينمائي الهنغاري ألكسندر كوردا بإخراج فيلم "رامبرنت" في عام 1936، وهو من بطولة تشارلز لوتون، وغيرترود لورنس. ويتناول الفيلم حياة الرسام الهولندي العبقري، إبتداءاً من لوحاته الشهيرة وحتى الفترة التي شهدت حياته تغيّراتٍ كثيرة. ويتطرق الفيلم إلى النواحي الأكثر حميمة وعاطفية في حياة الفنان خلال المرحلة التي يترمل فيها، ويصبح مسؤولاً عن طفلٍ صغير. وقد إضطلع بمهمة الإخراج السينمائي للفيلم شقيق المخرج فينسنت كوردا، الذي عمل على إبراز الشكل الجمالي للديكور، سواء من الداخل أو من الخارج. وتعدّ سيرة حياة الرسام الهولندي التي إتخذ "رامبرنت" منها منطلقاً لسرد تفاصيل ذات أهمية للمتفرج، من أفضل ما ظهر على الشاشة الكبيرة عن الرسامين في تأريخ السينما.
 
 Utamaro and His Five Women (1946)      
قام المخرج الياباني كينجي ميزوكوجي عام 1946 بإخراج فيلم "أوتامارو ونسائه الخمس"، متناولاً حياة رسام البلاط الياباني أوتامارو، الشهير بأعماله الحفرية عن النساء. ويتخذ الفيلم من إسم مجموعة من الحفريات التي أنجزها الفنان عنواناً له. وكانت أعمال الرسام الحفرية تجسّد زوجة أحد محاربي الساموراي وعشيقاته، والذي إعتُقل وسُجن لمدة خمسين يوماً.
ويعالج فيلم "أوتامارو ونسائه الخمس"، الذي يعدّ سيرة ذاتية للرسام الياباني، بحساسية متناهية، ومن منظور فني عميق، الأوضاع التي كن يعشن فيها المومسات، وإسلوب التعامل فيما بينهن في بيوت الشاي في تلك الفترة، ضمن مناظر الرعاة الطبيعية في اليابان.

 Lust for Life (1956)
شارك في فيلم "الرغبة في الحياة" للمخرج فنسنت مينيللي، كل من الممثلين الكبيرين كيرك دوغلاس في دور "فان كوخ" وأنتوني كوين في شخصية "بول غوغان"، بالإضافة إلى جيمس دزنالد الذي جسّد دور شقيق الرسام ثيو فان كوخ. وقد عمد المخرج في إنجازه الكبير هذا، من خلال تمكنه من أدواته السينمائية، إلى إبراز الألوان والخروج بعملٍ فيلمي في غاية الجمال، سواء من ناحية الصور المرئية، أو سرد قصة حياة الفنان الذي حققت أعماله الفنية أرقاماً عالية في أسعارها، على عكس ما حدث في حياته، إذ لم يستطع أن يبيع سوى لوحة واحدة فقط  من مجموع رسوماته الفنية. 

Montparnasse 19   )1958(              
يُعرف فيلم "عشاق مونتبرناس" للمخرج الفرنسي جاك بيكر، الذي يُعدّ من أبرز أفلام السيرة الذاتية، تحت إسم "مونتبرناس 19" أيضاً.  ويقوم بأداء شخصية الرسام الإيطالي أميديو كوديلياني، الفنان السينمائي جيرارد فيليب الملقب بـ "أمير الممثلين".
وتقع أحداث الفيلم في قلب حي مونترباس، في الوقت الذي كان هذا الحي مكتظاً بالفنانين الذين كانوا يطمحون إلى تحقيق الشهرة. هناك، يلتقي الرسام بشابة برجوازية، تجسّد شخصيتها "إيمي آنوك"، التي تتحول إلى حبه الوحيد وشريكته في خضمّ حياته المضطربة، تلك العلاقة التي إستطاع بيكر أن يعكسها بطريقة رائعة.
أما الفيلم الأصلي فقد إضطلع بمهمة إخراجه ماكس أوفلس، غير أنه توفي خلال عملية تصوير الفيلم، مما دفع بزميله جاك بيكر إلى الإستمرار في إخراجه، ومن ثم إهدائه إلى ماكس.
 
  Andrei Rublev (1966)
يعدّ فيلم "أندريه روبليف" من أفضل أعمال المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي، ومن أبرز الأفلام السينمائية في كل العصور. وقد تمّ تصوير هذا الفيلم في عام 1964، لكن عرضه لم يبدأ إلاّ في 1966، وهذا هو العمل الثاني ضمن مجموعة الأعمال السينمائية التي أنجزها تاركوفسكي، الذي كان يطلق عليه لقب شاعر السينما العالمية.  ويتناول الفيلم قصة الراهب والرسام "أندريه روبليف"، الذي يحمل الفيلم إسمه أيضاً. وقد حاول المخرج الروسي المبدع من خلاله توجيه المزيد من النقد للمجتمع في تلك الفترة من القرن الخامس عشر. وتنقسم أحداث الفيلم إلى حلقات عدة، تعكس قساوة حياة الراهب والفنان آنذاك، منذ تركه الدير حتى وصوله إلى موسكو، من أجل رسم اللوحات الجدارية الخاصة بكاتدرائية دورمشن، وذلك عبر عملية تصوير رائعة وجميلة، جمعت اللون الأبيض والأسود، تاركاً رسومات أندريه روبليف تتزيّن بألوانها الأصلية.   

Basquiat (1996) 
تحولت حياة الرسام الغرافيتي جان ميشال باسكيات المضطربة، في عام 1996، إلى شريطٍ سينمائي على يد المخرج جوليان شنابل. وقام بتجسيد شخصية الفنان النيويوركي باسكيات الممثل جيفري رايت، بينما تقمص المغني الراحل ديفيد بوي دور آندي وارول.
لم يخل طاقم الفيلم التمثيلي من أسماء أخرى كبيرة أمثال غاري أولدمان ودينيس هوبر وكورتني لوف وبينيسيو ديل تورو، الذين منحوا أحداث الفيلم زخماً فنياً إرتقى من خلالها إلى مصاف الأشرطة الفلمية الناجحة. ويبعث الفيلم باسكيات من جديد عبر تسليط الضوء على مرحلة الطفولة، ومرحلة الشباب، خلال عقد السبعينات من القرن الماضي، عندما كان الفنان لا يزال رساماً مغموراً للغرافيتي، لا يعرفه أحد، لكنه أحدث لاحقاً  ثورة في المشهد الفني الطليعي.  
 
Love Is the Devil (1998)
أبدع الممثل ديريك جاكوبي في أداء شخصية الرسام البريطاني فرانسيس بيكون في فيلم "الحب هو الشيطان"، أثناء الفترة التي تميّزت مسيرته الفنية بقدرٍ كبير من التأثير والنجاح. والفيلم الذي أخرجه وكتب السيناريو له السينمائي جون مايبوري في 1998، يمثل سيرة ذاتية غاية في القتامة للرسام الذي إشتهر من خلال أعماله الجريئة والعنيفة في أشكالها وتعابيرها، من حيث وجهة نظر المخرج الذي لم يود نقل حياة الرسام الإيرلندي الأصل حرفياً، وتحديداً شخصيته، بل ركّز على سلسلة من المواقف الحياتية، بغية منح المشاهد فرصة التقرّب أكثر إلى عالم الفنان الفوضوي والمضطرب.
ويؤدي دور اللص الذي يتحول إلى صديق حميم جداً للرسام البريطاني، دانيال كريغ، بطل أفلام جيمس بوند للسنوات الأخيرة، إلى جانب الممثلة وعارضة الأزياء الشهيرة تيلدا سوينتون. وقد نال فيلم "الحب هو الشيطان" العديد من الجوائز التقديرية، وشارك في مهرجاناتٍ سينمائية عالمية.            

My Left Foot   (1989)
شارك دانييل داي لويس في فيلم "قدمي اليسرى"مجسّداً شخصية الرسام والكاتب كريستي براون، المصاب بالشلل الدماغي في إيرلندا في الثلاثينات من القرن الماضي، في وقتٍ لم يكن المجتمع قد إستوعب بشكلٍ جلي حالة المعاقين. وكانت والدة الفنان تشعر أن إبنها يتمتع بموهبة لا يمكن ان يتصورها أحد. ومن هذا المنطلق بدأ براون، مع مرور الوقت، بتعلم الرسم والكتابة، مستعيناً بإصابع قدمه اليسرى فقط. والفيلم الذي قام بإنجازه المخرج الإيرلندي جيم شيريدان، يتحدث عن الفنان الذي ينتهي به الأمر إلى التمرد على وضعه الصحي ويكشف عن عقل مبدع. نال دانييل داي لويس جائزة أوسكار أفضل ممثل عن دوره المتميّز في هذا الفيلم.       
 
Frida (2002)
في العام 2002 إنتقلت حياة فريدا كالهو إلى الشاشة الكبيرة بفضل المخرجة السينمائية جولي تيمور. وأدت سلمى حايك شخصية الرسامة المكسيكية بصورة تلقائية ومدهشة، مجسدة صورة فريدا المتمردة والمفعمة بالحيوية، والتي لا تتوقف عن بحثها وإستكشافها لجوانب حياتها، سواء الجنسية، أوالفنية، أوالسياسية. ومن بين أكثر الأحداث التي إنطوى عليه فيلم "فريدا"، علاقة الفنانة العاصفة برسام الجداريات دييغو ريفيرا التي كانت تتعارض وأفكارها الحرة. وبمستطاع المشاهد أن يتلمس كل ذلك متجسداً في لوحاتها التي شكّلت صورة سينمائية إستعادت رسومات متباينة. وقد فاز الفيلم بجائزتي أوسكار أفضل موسيقى تصويرية وأفضل مكياج.    

Seraphine (2008)
يروي الشريط الفيلمي الأمريكي "سيرافين" قصة واقع حياة غير عادية لإمرأة تدعى سيرافين، تعمل بصفة منظفة بيوت. وتبدأ سيرافين العمل كربة بيت لدى جامع وتاجر تحفيات فنية، الذي يكتشف أنها تتمتع بإمكاناتٍ إبداعية وموهبة فذة في الرسم، إضافة إلى نظرة معاصرة تنطوي على بصيرة ثاقبة.
في سن الـ 41 تؤكد سيرافين أن الملاك أوحى لها برسم لوحات ملونة ومذهلة. ويحاول المخرج مارتان بروفوست بناء أحداث الفيلم مستنداً على علاقة تاجر التحفيات الفنية والرسامة الموهوبة، ومن ثمّ التوصل إلى أسرار الإبداع لدى سيرافين، التي تعرض أعمالها في المتاحف الأكثر شهرة في العالم. لكنها، في النهاية، تموت فقيرة في مستشفى للأمراض العقلية. 
فاز فيلم "سيرافين" بسبع جوائز في الدورة الـ 34 من جوائز سيزار للسينما الفرنسية، من بينها جائزة أفضل ممثلة حصلت عليها يولاند مورو، وجائزة أفضل فيلم.
 
  Mr. Turner (2014)
إشتهر المخرج السينمائي مايك لي بتناوله قضايا المجتمع اللندني المثيرة للجدل، بطريقة حذقة ومن خلال شخصيات مجهولة. 
يدور فيلم "مستر تيرنر" حول الرسام العبقري وليم تيرنر، حيث يسلط الضوء عليه بشدة وعمق، بهدف بلوغ النواحي الأكثر رومانسية وإنسانية في حياته الشخصية والفنية. ويتمكن المخرج من نقل الجانب الجمالي والتصويري، وكذلك اللغة السينمائية إلى المتفرج، يدعوه للتفاعل مع الألوان السحرية في عالم لوحات هذا الرسام.
ويؤدي تيموثي سبال، الحاصل على جائزة أفضل ممثل في الدورة 67 من مهرجان "كان" السينمائي، الشخصية الرئيسية في الفيلم بدقة متناهية، كاشفاً  عن مشاعر تيرنر الجياشة، ووجهة نظرته الفنية الرافضة للمتاجرة بلوحاته ورسوماته.    
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات