GMT 16:30 2017 الأربعاء 27 سبتمبر GMT 16:40 2017 الأربعاء 27 سبتمبر  :آخر تحديث

إيمان البستاني: حلم في ليلة شتاء

إيلاف
 
حدث الأمر في المانيا بعد وصولنا لها بسنة واحدة وتحديداَ في شهر فبراير حيث تهطل على المدينة كل عام نزلة برد (انفلونزا) من شدة وجعها صٌنفت على انها الشقيقة الصغرى للموت
وكنتُ ايامها قد التحقتُ بمعهد اللغة لكون الالمان لا يحبذون ان يعيش بين ظهرانيهم من لا يتحدث لغتهم
المعهد له مديرة من أصل ايطالي ترطن بالمانية تقودك الى تخيل منظرها وهي تتشاجر في وسط روما مع صاحب محل قصابة لطمع الاولى وجشع الثاني
يؤم المعهد نساء اجنبيات جبرتهن الحكومة تعلم لغة البلد ،لا تسعفني ذاكرتي بتذكر اسمائهن ماعدا بطلة الحكاية واسمها ( آنا ) روسية مطلقة لها بنت و ولد ،الولد كان دون الثالثة سناً لذا كان مشهد عربة الطفل ترافقها في كل مكان ،ساهية طول الوقت ولا تتكلم الا ما ندر  ،اما الثانية فقد كانت من جورجيا ضخمة الجثة وما يزيد الامر بلاء هو ارتدائها معطف احمر له ياقة فراء بيضاء فتبدو وكأنها سانتاكلوز كلما دلفت الباب
الثالثة من اصل برازيلي شابة حديثة عهد بالزواج ضئيلة الحجم لها منظر الصبيان لا تعتني بمظهرها ولكنها حميمية المعشر وكأنها احدى بنات العمومة 
اما التي من كازاخستان فكان يوصلها زوجها كل صباح بسيارة منظرها وحالها يوحيان ان السيارة كانت ترقد بمرآب السيارات القديمة زمناً يزيد عن نصف قرن بالقليل  ،كان يبدو الزوج كأنه رئيس عصابة ،نزق ،يستغل زوجته التي كانت تعمل كوافيرة في الخفاء وعيونها تنضح عن آسى لتحملها مغامراته النسائية الفاضحة
وهناك شقيقتان من ايران شابتين تبدو على سيمائهم المفتقرة لأي مسحة جمال بأنهما ينحدران من عائلة كبيرة تبدو واضحة ثقل مسؤوليتها البيتية على عاتقهما وكانا لم يحظيا بتعليم كافي
اما الرومانية من بخارست فكانت اقصر من الشيطان بقليل،فارعة الطول وتقص شعرها كالرجال ،كل همها هو تعبئة السيارة بما يجود به العيش مع الالمان وايصاله الى اهلها في رومانيا
ولا يخلو الجمع الطيب من روسية حسناء مغناج تعمل نادلة في مطعم وتشرب حتى الثمالة وتأتي صباحاَ وهي لا تزال في حالة سكر ... وكانت تتفاجئ كل صباح بأنها قامت بحشو حقيبتها بقناني المشروب بدلاَ من قناني الماء
نزلة البرد اقتضت الرقود في السرير اسبوعاَ كاملاً ... فأعلمتُ ادارة المعهد بمرضي وجائني اتصال هاتفي من مديرته أخر يوم وكنتُ سألتحق بهم اليوم التالي ،جاء صوتها عبر الهاتف ينم عن امر تخفيه بالرغم من سؤالها العادي عن الصحة وما الى ذلك ،كانت تبدو شاردة الذهن وللمزح قلتُ لها هل قررتم اعدامي في الساحة العمومية لغيابي الطويل ولكنها بدت جدية وقالت لا ليس لهذا الحد يالخيالك الخصب مكالمة لغرض الاطمئنان وسأراك غداً ،لم اجرؤ ان اسألها لماذا طيلة مرضي وانا احلم بالروسية آنا تجوب الشوارع مرتدية السواد وتدفع عربة طفلها فارغة والشوارع خالية الا منها والجو مشبع بكريستال حزن
ذهبت للمعهد في اليوم التالي و وصلت متأخرة بدقائق كان الجميع قد جلس في مقاعده وما ان اتخذتُ لي مقعد حتى لاحظتٌ كثرة الشموع المنيرة للقاعة وزُعت عشوائياً وكأن المكان كنيسة قرية تشكو من ترميم
لكزتُ بمرفقي جارتي وسألتها : ما الأمر ؟ ،فقالت بصوت خفيض وهنا كل العيون مصوبة نحوي : لقد ماتت آنا
تركتُ القاعة وجلستُ بالخارج على الدرجات الباردة ،منذهلة من الخبر واريد فك شفرة الحلم و عقلي لا يطاوعني تبلد عن التفكير
نزلت مديرة المعهد وكان أسمها (فراو لاورا  باتشيلي) وجلست بقربي على الدرج وقالت لي : نعم كلمتك امس لأبلغك الخبر لكنني اختنقت لم استطع ...و بدأت تحكي لي ان سبب وفاتها هو نوبة صرع فاجأتها وهي نائمة بسريرها وهنا الكل كان يجهل مرضها ...وتوفت بالحال دون ان يتمكن احد من اسعافها 
طفلها ذهب الى غرفة اخته التي تكبره بعامين ليطلب منها ايقاظ والدتهما كونها لا ترد عليه ....تطور الامر ليصل الجيران ثم الشرطة وانتهى بأن اخذوا الطفلين ترعاهم منظمة ( كيرتاس ) الخيرية بالتنسيق مع باتشيلي 
الى هنا ولم اذرف دمعة واحدة ....فقط عقلي يجلب لي ذكريات عنها ومقاطع من ذاك الحلم
مرت ايام وانا على حالي ....الا ان كنا في ساحة المعهد لأخذ فترة استراحة قصيرة بين المحاضرات والكل يحتاج لتلك الفسحة ،قسم يقضين الوقت بالثرثرة واخريات بالاكل والشرب والقسم الثالث في التدخين ،كنتُ من فئة القسم الاخير جالسة على الدرج وأذا سيارة المنظمة الخيرية تقف وتترجل منها سيدة بدينة قامت بفتح الباب الخلفي ،فنزلت ابنة آنا واخيها بيده بالون ،منظر الطفل اليتيم وبالونه كانا كفيلان ببدء طقس بكاء سخي ،كان قد كبر قليلاَ عن أخر مشاهدة  ،فالايتام يكبرون ايضاً
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات