GMT 23:58 2018 الأربعاء 31 يناير GMT 16:27 2018 الأربعاء 31 يناير  :آخر تحديث

في هوى عمارة مسجد "خيوة" ببلاد ما وراء النهر

د خالد السلطاني
 
مدينة "خيوة" لمن لا يعرفها، هي عاصمة "خوارزم"ـ احد اقاليم بلاد ما وراء النهر. وباتت، "خانيتها": <خانية خيوة>، آخر اقليم مستقل من بلاد ما وراء النهر التاريخية، التى فتحها العرب المسلمون في بداية القرن الثامن الميلادي، اثناء حملة انطلقت من العراق قادها "قتيبة بن مسلم الباهلي" (669 -715 م.)، ثم امست بعد ذلك، في منتصف القرن التاسع عشر، جزءاً من روسيا القيصرية. واثناء تقدم السوفيت في "تركستان" الجنوبية، بالعشرينات من القرن الماضي، الغيت "خانية خيوة" وادمجت ضمن جمهورية اوزبكستان الاشتراكية. والان، تعد "خيوة" احدى المدن المهمة في جمهورية اوزبكستان التى نالت استقلالها في سنة 1991عن الاتحاد السوفياتي. 
حافظت مدينة خيوة على سجلها المعماري الفريد، الذي يعتبر الوريث الشرعي لتقاليد العمارة الاسلامية في بلاد ما وراء النهر. وقد اثارت دهشتي عندما زرتها في خريف العام الماضي (2017)، لجهة "حالتها" الفريدة، المتمثلة بتعايش سكانها مع مواقع الاثار المعمارية التاريخية التى تشتهر بها، في الفة وحميمية قل نظيرهما. ومثل هذا التعايش صادفته ، سابقاً، في مدينة "بصرى الشام" الواقعة في جنوب سوريا، حيث يسكن الناس المحليون هناك جنبا الى جنب الاثار التاريخية التى تشتهر بها "بصرى"، من دون وجل لتأثيرات انواع "الحكايا" ونفوذ الاساطير "المخيفة"، المعبأ  بها السجل التاريخي الانساني! ثمة حالة لظرف نادر ان تجد نفسك "معاصراً" لحقبة تاريخية، تجسدها مواقع الاثار الباقية المجاورة لسكناك ولطريقك اليومي الى محل عملك،، هي التي مرّ على احداثها عقود من السنين بل قرون من السنين! وهذا الترابط "المعيشي" وواقعة اندماج التاريخ بالمعاصرة، يضفيان على "السلوك" الشخصي لسكنة تلك المواقع ميزة استثنائية، بان تجعل "لحظتهم" المعاشة، غير مقترنة بحسابات الواقع اليومي، وإنما تمتد عميقا في اغوار التاريخ!
من الابنية التاريخية العديدة، التى تنطوي عليها البيئة المبنية في خيوة، مبنى "مسجد خيوة الكبير"، او كما يدعي ايضاً: "مسجد الجمعة". انه اثر معماري يعود تاريخه، وفقاً  للجغرافي "للمقدسي" (945 – 991 م)، الى القرن العاشر الميلادي، لكن المبنى الحالي، الذي شيد مكان المبنى القديم وعلى نمطه التصميمي، يعود الى (1788 – 1799). وتقدر ابعاد مخططه الارضي بـ 46× 55 متراً، وهو محاط بجدار من جميع جهاته الاربع، كما يمتلك ثلاثة مداخل تقع في جدران الجهة الشمالية والشرقية  والغربية. اما الجنوبية فهي جدار القبلة ، التى هي  خلو من وجود مدخل. وثمة مئذنة، تقع خارج كتلة المسجد، بجنب الركن الشمالي الغربي منه، تعيد بهيئتها الكتلوية، اشكال مآذن بلاد ما وراء النهر، ولكن بصيغتها "الخيوية". ويصل ارتفاع جذعها الاسطواني الى 42 مترا، وهي مشغولة بالآجر، ويحيط بجذعها سبعة اشرطة معمولة من الآجر الملون. 
تنبني فكرة التكوين العام للمسجد على صيغة محددة، وإن بدت معروفة وحتى مألوفة في  تاريخ تصاميم المساجد، لكنها تبقى اسثنائية في نوعيتها ونمطها التصيمي. ثمة قاعة مسقفة، مليئة بالاعمدة الخشبية، ترفع سقفا خشبيا ايضاً، يصل ارتفاعه الى حوالي خمسة امتار. وفي وسط سقف هذه القاعة حفرت فتحتين متجاورتين، تسهما في انارة الحيز الداخلي للمسجد. وتمتاز اعمدة قاعة المسجد، التى يصل عددها الى 212 عمودا، ويتراوح ارتفاعها ما بين 4.5 – الى 5 امتار، بان اي عمود في القاعة، لا يماثل اياً من الاعمدة الآخرى، لا من ناحية النقشة الزخرفية ولا في مقدار الارتفاع. كما ان تاريخ تلك الاعمدة متباين ايضا، ويعود الى فترات زمنية مختلفة. هناك اربعة اعمدة (تعد من مفاخر المسجد!)، ترجع ملكيتها الى المسجد القديم زمن القرن العاشر،  الذي تحدث عنه المقدسي. وثمة واحد وعشرين عمود، ذات نقشة بكتابات كوفية، يرجع تاريخها الى فترة ما بين القرن العاشر والثاني عشر. وبقية الاعمدة ذات التفريعات الزخرفية النباتية، فانها مشغولة في خيوة وجوارها. وغالبية الاعمدة تتضمن تاج، وجذع، وقاعدة حجرية تستند عليها. والاخيرة ذات اشكال مميزة، تماثل قواعد الاعمدة الاخرى، في مباني بلاد ما وراء النهر
ليس من ثمة إهتمام كبير يوليه المعمار للتزيينات الزخرفية، سواء داخل حوائط المسجد ام في خارجه. وما عدا الزخرفة الموجودة في الباب الرئيس للمسجد (البوابة الشمالية)، المشغولة بتقنيات الحفرلتفريعات نباتية وكتابية، فان مصمم المسجد يتغاضي بتعمد عن هذه الممارسة، التى امسى استخدامها من خصائص جماليات مباني المساجد، وجزءاً لا يتجز من "ثقافة" العمران المسجدي! وحتى حنية "المحراب" الموجود في منتصف الجدار الجنوبي، والتى يفترض بها ان تكون مكاناً حافلا بكثافة زخرفية، فان المعمار اكتفى ابتوظيف متواضع لـ"منحوتات" اشكال المقرنص المعمول بالجص، مستخدما اياها في اعلى حنية عقد المحراب. 
ما يثير في عمارة هذا المسجد، بالنسبة اليّ (انا المفتون بمقاربته التصميمية)، ليس كل ما ذكرته توا، رغم اهميته  وقيمته المعمارية والتاريخية، ما يهمني ويثيرني هو نزوع المعمار (الذي ظل اسمه ، مع الاسف، مجهولا) في ان يكرر مبناه ويعُيد، بـ "تناص" Intertextuality  خلاق، "النسخة البدئية" لمفهوم المسجد، ومعنى عمارته. نحن ،اذاً، امام محاولة جد ذكية، وجد نادرة في الممارسة التصميمية، لاستنطاق المغزي الاصيل لمبنى المسجد، ذلك المغزى (والمعنى، ايضا!)، الذي سعى البناة الاوائل به، الى خلق "حيز"، قادر على تجميع المؤمنين، وهم يؤدون فريضة الصلاة، في ذات الوقت، الذي يمكن به ايضا حمايتهم ووقايتهم من اشعة الشمس الحارقة. بتعبير آخر، ثمة مهمة واضحة وبسيطة في آن، تصدى لها المعمار "الاول" مجترحاً "ظلة" مسقفة لحيز معلوم المساحة. هكذا كانت غايات المساجد الاولى ووظيفتها. وهكذا طمح "معمارنا" ان يستعير "اميج" الفكرة الاولى "الفكرة البدئية"، المترعة باحاسيس المصلين الاوائل، ونقلها لتتعايش، مع زمن، نهايات القرن الثامن عشر، وقت انشاء "مسجد خيوة". وهو لهذا يتعاطى مع مفردات تصميمية، جد قليلة، لكنها جد نقية للوصول الى هدفه. 
عليه، اذاً، ان يحدد الحيز، وان يملئه، لاحقاً، باعمدة تحمل سقفه، دون ان يكترث بعمل اضافات تصميمية، تميز حيزه، او تحدد نوعية سقفه (فمخطط التكوين – الفضائي للمسجد، خلو حتى من مفردة "الفناء" المكشوف، المفردة التى لطالما جاورت الظلة تصميميا، ولازمت عمارة مباني المساجد. كما لا توجد لدى المعمار اية نية لاثراء معالجة السقف باقبية او قباب، كما هو شائع). فما  يتوق اليه المعمار، وما يتطلع له هو امتلاك "المكان" الجامع لمصليه، والقدرة على تحديد تخومه. وبهذا الصفاء التكويني، الذي اوجده لنفسه، مع الزهد في التعامل مع ادواته التصميمية، استطاع ان يرتقي بعمارة مسجد خيوة عالياً، وان يعوضه ذلك، عن الحاجة في اثراءات تزيينية مضافة!
عندما وجدت نفسي، في زيارتي الاخيرة، وانا اقف بين "مفردات" ذلك الفضاء الفريد لمسجد خيوة، كنت اعرف باني ساكون شاهداً و"شاعراً" بان الحيز الذي انا فيه، ما هو الا "لحظة" اجتراح ابداعي، تعيد في فعلها الناجز، بدايات الخلق الاول، وتحيلني الى "طفولة" الوعي المتخم بظلال من افكار مزدحمة، غير واضحة المعالم.  وكان ذلك يزيد من قيمة اللحظة الزمنية التى وجدت نفسي فيها، متماهياً مع المكان، وحاساً بتلك "القشعريرة" الخلاقة، التى تذكرني باهمية الفضاء المصمم، والوعي بما تمثله تداعيات عمارة "النموذج البدئي" لمبنى المسجد!
.. وازعم ان كثراً من زوار مسجد خيوة في بلاد ما وراء النهر، ومن محبي العمارة الاسلامية، سيشعرون هم، ايضاً، بنشوة الزمن الابداعي، وهم في حضرة عمارة ذلك المسجد الجليل!□□
 
معمار وأكاديمي
 
 
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات