GMT 14:20 2018 الأحد 25 مارس GMT 14:38 2018 الأحد 25 مارس  :آخر تحديث

"في القطار" ضمن انطولوجيا القصة الالمانية (3/3)

منير العبيدي
 
القسم الثالث
في القسم الثاني من هذا الموضوع عرضنا لقصتين صدرتا ضمن انطولوجيا القصة الالمانية للعام 2017 ضمن كتاب "في الحديقة السحرية للكلمات " الصادر عن دار فشر للنشر في فرانكفورت. في هذا القسم نعرض لملخص قصة "الرجل و الكمان" . اما قصة "في القطار" فنعرضها كاملة مع تحليل سريع لخصائص كل منهما.
الرجل و الكمان
ليزا شتروبل
" ببطيء دُفعت الى الامام من حشود الناس التي تدفقت الى الممشى الواسع . وجوه الحشود و حركتها تموجت تحت نظرتي الكسولة فتحولت الى كتلةٍ غير قابلة للتعريف ، كأني انظر من خلال زجاج متسخ. ما عادوا عندي غير مثيري ضجيج عديمي الاسماء".
 
استنشقت هواء منعشا و اطلقت زفيري تنهيدة تسعى الى الحرية. كل السائرين أطلقوا نفاذ صبرهم في الهواء. العجالة باتت كما التنفس جزءا من حياتنا اليومية . حتى الريح لم تكن تشعر بالاستقرار اذ دفعتني في ظهري نحو المقدمة.
 
لم يكن اليوم يفرق عن باقي الايام. حتى سمعتها ، تلك الاغنية.
 
في اللحظات الاولي ابتلعت الضجةُ و صوتُ الريح تلك النغماتِ الرقيقة ، كانت بالكاد مسموعةً لمن سعى أن يسمع ، صادرةُ من آلة كمان ، تعلقت نغماتُه في الهواء بشجن فأحسست باهتزازاتها بكل و ترٍ في جسدي .
 
قمت بما لم اقم به منذ فترة. وقفت ، اغلقت عينيّ و أصخت السمع . تذمر المارون من وقوفي في طريقهم و تجنبوني راسمين قوسين على جانبيَّ. تسللت ببطي الى مساحة صغير مغطاة بالعشب فصلت بين الطريق المعبد و الممشى . اتكأت على برودة المعدن لأحد اعمدة الانارة و جعلت جسدي ينزلق نحو الارض. امتصت ملابسي رطوبة العشب كما القطرات القليلة من المطر. احسست ببرودة الماء و الهواء ، شممت رائحة المطر الواعد. رأيت مسحال الغيوم فوقي و سمعت الاغنية التي اوعزت لتفكيري بالرقص. و بمصاحبة الموسيقى التي باتت اعلى فأعلى وجهت نظري مجددا الى الناس.
 
الآن رأيتهم كما هم.
 
رجل حانق يتحدث بالهاتف النقال و يحرث طريقه بين الحشد لاعنا بدون اكتراث . امرأة اغلقت فمها بقطعة خبر تجر طفلا خلفها. لم يرونني . كانوا عميانا و صماً عن كل ما يجري ، لم يكونوا يرون سوى مسعاهم بشبق محموم.
 
فجأة اقتحمتني صورة ماكينة دءوب ، تلفظ دخانها في الهواء بصفير و حشرجة ، دءوبا تعمل حتى تشيخ ، تصدأ و تنهار. الاغنية اطلقت عندي صورةَ أن المدينة باتت ترجيعَ صدىً لحشرجة الماكنة . همهمة المحركات و الاصوات تُبتلع أحيانا من قبل رنة هاتف يتبعها ايقاع متموج لا نهائي .
 
حين مر الناس بي ادرك لحظتها لأول مرة جوهر وجودهم : انهم حبيسو اقفاص اغلقوها بانفسهم على انفسهم ، هم انفسهم كانوا حراسها القساة . انهم يسعون في كل اتجاه بدون توقف . في ذهنهم لم يكن ثمة مكان لـ (الآن و هنا) انما للغد و بعده و ما بعده ، للموعد القادم ، المهمة القادمة. كانوا عديمي ملامح لا يميزون انفسهم عن الاخرين .
 
انا كنت ايضا سناً في ترسٍ من تروس تدور و تعاود الدوران في ساعة هائلة. و لكن في هذا اليوم بالذات اطلقت في داخلي اغنية الكمان ما جعل دوران التروس في داخلي يتوقف . في تلك اللحظة ادركت قيمة الحياة في الحياة نفسها. كشف لي هذا جمال الاشياء الصغيرة التي لا يلحظها المرء الا اذا شاء . جمالٌ غفلت عنه طويلا.
 
و فيما كانت الافكار تطن في رأسي انفرجت فسحة في تدفق الناس المتواصل و رأيت الرجل ذا الكمان جالسا في ظل بناية عالية . و بعينِ من أحس بوجودي نظر هو ايضا الي.
 
ابتسم لي
 
ابتسمت له
 
النغمات الاخيرة لموسيقى الكمان اختلطت مع صوت المطر الهاطل و عويل الريح وحشرجة المكائن فتحولت الى سمفونية حزينة، الى شكوى من كل من اصمَّ سمعَه عن رسالته.
 
و حين حلت العتمة ببطء نهضتُ من مكاني عند عمود الضوء . الرجل الذي ما فتيء يعزف على كمانه نهض و نظر إلي بحزن . أنا فقد انتظمت مجددا في تيار الناس اللاهثين في مجرى الحياة ، تاركة صوت الموسيقى يخفت فيّ شيئا فشيئا ، ما بقيَ منه رافقتني الى حيث سكني كصوت نذير .
 
في اليوم التالي استأنفت مهماتي التي انصرفت عنها و عدت كما كنت ، سناً في ترس ماكنةٍ . كل يوم اسير في نفس الطريق مارة بعمود الضوء. لم يعد الرجل ذو الكمان هناك. ربما لن اراه ابدا و لن اسمع موسيقاه.
اصبحت مجددا عمياء بكماء.
.....
انتهت القصة.
 
القصة الرابعة و الاخير
في القطار
منير العبيدي
أخرج كالعادة الى عملي صباحاً، هذه المرة بخطىً خفيفة كما لو كنت محمولاً على غيمة ، فقد حل الربيع و نسيمُ الصباحِ المشمس ينعشُ الجميع . على ذرى الاشجار المحيطة بالمحطة تصدح طيور أنعشها الربيع . أشعر بنشاط و حماس . تلح عليّ رغبةٌ طاغية بالعمل ، تستعجلني أن أصل.
يظهر القطار من بعيد... يتوقف عند المحطة . أصعد ، أجلس في أول مقعد قرب الباب الذي انغلق خلفي.
في المقعد المقابل ينكمشُ ، حال رؤيتي ، رجلٌ تفوح منه رائحةُ كحولِ الامس و تبغٍ رديء ، يضم ركبتيه إلى بعضهما و ينزوي ناظراً اليّ بمزيج من التساؤل و الخشية ، شعره طويل ، أشعث علاه الشيب ، لحيته مرسلة ، ملابسه رثة ، وجهُه ذابلٌ و تحت عينيه المنكسرتين برز انتفاخان . ككل مشردي المدينة تغلغل في عظامه برد الشتاء الماضي.
أن أغيّر مكان جلوسي ما عاد ممكنا ، سيكون جارحا له ، بقيت حيث أنا . هل كان هذا ما أبقاني ، أم لأني شعرت بميل غامض له ؟ وجدت نفسي اختلس النظر إليه ، ثمة شيءٌ فيه مختلف ، فيه انقهار قديم متراكم ، ربما سأكون مثله لو ان امورا عندي سارت على خطى ما صار عليه . لقد وجدت فيه شيئا من نفسي . هو الآخر بات يرسل الي نظرة خاطفة كل بضع ثوان بمسكنة ، كما لو إنه يعتذر بصمت عن اساءة ما ، كما لو أنه عرف اني بتّ افكر فيه
في الطريق من محطة ( Marienfelde ) حتى ( Atellastr ) حلقتُ له لحيته. شذبت شاربه. أعدت تصفيف شعره نافضاً عنه الغبار . نظرت اليه ، تأملت كيف صار . في الطريق حتى محطة ( Priesterweg ) اعدتُ سترته الجلديةَ الحائلة الى سابق لونها ، جلوتُها ، استبدلتُ بنطاله بواحد جديد ، لمّعتُ حذاءه . حتى محطة ( Südkreuz ) أزلتُ الغضون عن وجهه ، رفعتُ الانتفاخين تحت عينيه ، أعدتُ اليهما بريقهما. و هو يترجل ، نظر اليّ بابتسامة الواثق ، سار بخطى ثابتة واضعا خطوته بثبات على رصيف المحطة.
وحيدا في الطريق حتى محطة ( Blissestraße ) حيث عملي، تعلو التجاعيدُ وجهي ، يظهر انتفاخان تحت عينيّ ، تطول لحيتي و يشعث شعري ، لون سترتي يصبح حائلاً ، بنطالي بالياً ، حذائي متسخا ببقع الطين و الوحول ، ركبتاي تصطكان . يصعد الى القطار رجل انيق ، يجلس في المقعد الذي يقابلني ، تلتصق ركبتاي ببعضهما و انكمش بخوف ، ناظراً إليه بمسكنة. و حين اصل المحطة ، حيث ينبغي أن يكون موقع عملي ، اغادر القطار غريبا ، مهزوزَ الخطى ، أقف في المحطة حائراً و أسأل نفسي : من أنا حقا و ماذا افعل حقا ؟
 
......

تحليل
في قصة "الرجل و الكمان" لليزا شتروبل كما و في قصتي "في القطار" جرى اعتماد حدث يومي و تجاوزه الى دلالة محددة ، الى ما يخفيه خلفه . في الشوارع الاوربية ، في محطات المترو و الحافلات نصادف العشرات من العازفين على آلة موسيقية و مغنين بلغات مختلفة. كما و في نفس هذه الاماكن نصادف العشرات من المشردين . لكن في لحظة قد تنكشف لنا دلالات المصادفة و ما تثيره بطريقة تفاجئنا كما لو كنا عميانا قبلها.
كل حدثٍ في حياتنا يخفي دلالةً قابلة لأن تتحول الى عمل ابداعي. لكن ما هو مختفٍ خلف الحدث يحتاج لكي يُكتشف الى شروط . فلو ان كل حدثٍ جر الناس الى قصة لغرق عالمنا بالقصص ولم نجد من يقرؤها . و هكذا نحتاج كنقطة انطلاق مسبقة الى شرطين: أن نمتلك الادوات لالتقاط الدلالة و ثانيا أن نمتلك الادوات اللازمة للتعبير عنها. هذه الادوات متوفرة لنخبة محددة ، متوفرة للكاتب جسديا و عقليا و يحملها معه اينما حل . لماذا لا يكتب اذن كل يوم و كل ساعة ؟ الجواب: لان هذا غير كافٍ بذاته. انه يحتاج ايضا الى حالة ، و هذه الحالة لا تتوفر لدى الكاتب دائما ، بل هي ربما تغيب عنه طويلا. هنا لدينا اذن تقاطع لثلاثة عناصر في نقطة واحدة ، توفر ادوات استلام الدلالة ، الحالة الشخصية . القدرة على التوصيل ابداعيا . هذا الاجتماع قليل الحدوث و هذا ما يسميه البعض الهاماً .
أثار الحدثُ لدى الكاتبة ما كانت منصرفة عنه ، كما نحن ، أي عن كل ما هو راهن بما يجب ان نفعله غدا و بعد غد . تكثف الرمز في انفراج جمع الناس لبرهة و حدوث فجوة انسلت منها نظرة الكاتبة الى عازف الكمان و نظرته لها كما لو كان ينتظرها ، ابتسامتها له و ابتسامته "المضادة" ، تلك اللحظة تلخص القصة. على أن هذه الفجوة مرهونة بالآخرين و هي ما قد يحدث و ما قد لا يحدث . اما الحدث نفسه ، أي ان نجد في طريقنا من يعزف آلة موسيقية، فهو حدث دائب التكرار.
الامر يتعلق اذن بادراك اللحظة و دلالتها ثم بالقدرة على التعبير عنها ابداعيا.
هذا الامر ينطبق على قصتي "في القطار" مع الفارق في البنية بين القصتين . فانا اصادف العديد من المشردين في طريقي و في وسائط النقل. اللحظة التي يتحول فيها حدث الى عمل ابداعي هي تلك اللحظة التي يكون فيها قادرا على احداث شرارة. و لكن الشرارة هذه تحتاج لمن يستقبلها و يعيد تأويليها.
في العادة اقوم في الطريق بإجراء العديد من عمليات تجميل للناس الذين اقابلهم و اعيد بناء ملامح عابري طريق او مسافرين . فحين تجلس على كرسي يقابلني امرأة عجوز، احاول اعادتها شابة ، و أراقب كيف ستبدو و ماذا ستلبس حينها و كيف ستتصرف. اكتشف اننا قد نمارس شيخوختنا بنفسنا. اكشف خلف الملامح المجهدة لمشرد وجها آخر مخفيا و اتخيله ، كيف سيكون فيما لو توفرت له الراحة و الامان و افعل العكس لرجل ميسور حسن المظهر . ازيح قناعا و احل محله قناعا آخر مناقضا. كيف
يمكن لرجل رث ان يكون مدير شركة بربطة عنق. فالحياة قد تحلينا الى مشردين او سادة انيقين "محترمين" .
لقد البست مشرد القطار قناعي و استعرت قناعه.
ليس كل ما اتخيله يتحول الى قصة و لكن الكثير منه يفعل اذا لم يحجبه عني انشغالي بالحياة اليومية كما حدث لبطلة قصة الرجل و الكمان التي وجدت فجوة بين الناس هو في الحقيقة فجوة في انشغالاتها لتنظر الى الحياة الحقة .

انتهى

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات