GMT 13:23 2018 السبت 14 أبريل GMT 7:27 2018 الثلائاء 17 أبريل  :آخر تحديث

ريموند كارفر: ميكانيكا شائعة (قصة قصيرة)

إيلاف
 
ترجمة كامل السعدون
 
ريموند كارفر 1938-1988 قاص وشاعر امريكي مُتميز تأثر في بعض قصصه بالرائع وليم فولكنر، يُعد هذا المبدع النظير الأمريكي لتشيخوف الروسي رغم الفارق الزمني الكبير بين الاثنين. نشرت هذه القصة في بعض المواقع العربية تحت اسم (ميكانيكا شعبية) وقد وجدتُ أن اختيار هذا الاسم كمرادف لكلمة إنجليزية لها عدة مرادفات بينها (مألوف وشائع وكذلك شعبي) غير مناسب، لذا أخترت حسب ظني الأوفق والأنسب وهو (ميكانيكيا شائعة) ، للاقتراب اكثر من مقصد الكاتب حسب فهمي للقصة ، وهو التعبيرعن ميكانيكيا التدافع والتجاذب الإنساني، المألوفة والشائعة في كل مكان وزمان.

ميكانيكا شائعة
باكراً في ذلك اليوم، تغيرت حالة الطقس فجأة. شرع الثلج بالذوبان ليستحيل الى طوفان من المياه القذرة. خطوط طويلةٌ من الماء تنثال من النافذة العلوية الصغيرة المُطلة على الفناء الخلفي.
 ستارةٌ من الظلام الكثيف تهبط على الشارع لتفرّ ثانية الى الأعلى حين يستبيحها النور الكثيف القادم من سيارات قذرةٍ مُسرعة ترُشْ الماء بقوةٍ الى الجانبين حين تطأ الحفر المملؤة بالوحل.
في داخل المنزل عتمةٌ أيضا يُضاف لها سكونٌ مُستفزْ. رجلٌ يقف متجهما وسط غرفة النوم عاكفا على تكويم ملابسه واشياءه من خزانةٍ كبيرةٍ فاغرة فاه، وبمحاذاة قدميه حقيبةٌ كبيرة من الجلد الأسود، ترقدُ بكسل على الأرض لتستقبل أكوام الملابس المُتساقطة من الأعلى.
وقفت عند باب الغرفة، شاحبة الوجه، مشدودة الأعصاب، هتفت بصوت مشروخ: أنا سعيدة جدا لأنك سترحل، " كررتها للتأكيد وبنبرة حازمة " سعيدة جدا لرحيلك، أتسمع".
لا جواب.. الرجل مُستمرٌ بحشرّ الملابس عنوة في الحقيبة بلا ترتيب.
" أتسمعني يا ابن العاهرة ".
حلّ صمتٌ ثقيل، عيناها موجهتان صوبهْ، عيناه شاردتان غارقتان في كومة الملابس التي ما عاد لألوانها لونا في عينه.
فتحت فاها، أطبقته، فتحته ثانية ونطقتْ بصوت متعثر: أنتَ حتى لا تجرؤ على النظر في وجهي، اليس كذلك، لا تجرؤ على.. " توقفت عن الكلام إذ لمحت صورةَ طفلٍ معلّقة على الحائط فوق السرير عند موضع الرأس، مدّت يدها والتقطتها، أنتبه الرجل.. التفت صوبها، قابلت نظرته بنظرة حادةٍ ثابتة.
وانعطفت بجسمها الى الخلف عائدة الى الصالة.
- هاتي الصورة " هتف بحزم".
- خذّ أشياءك وأرحل من هنا.
لم يجب.. التقطَ معطفهْ وحقيبتهْ، مسحَ الغرفةَ بنظرةٍ أخيرةٍ حائرة، أطفأ النور وتوجه الى الصالة، أما هي فكانت عند باب المطبخ تحملُ طفلا بين ذراعيها.
-اريد الصبي.
- هه .. أمجنون أنت؟
-كلا.. سآخذه وسأبعث لك من يحمل اشياءه الخاصة.
- مُستحيلْ. أنت تحلمْ.. لن تأخذه ولا شأن لك به " صرخت بقوة ". بكى الطفل مرعوبا، رفعت الإزار الذي يُغطي رأسه ووجهه، نظرت له باستغراب.
 "رباه.." هتفت وقد غامت عيناها!
 تقدم الرجل نحوها هامسا بصوت خفيض مُتوسل: بحق الرّب، أعطيني الطفل.
- أخرج من هنا " هتفت وهي تتراجع الى الخلف بينما يداها تلتفان بتصميم أكبر حول الجسد النحيف.
لاحقها بخطى قصيرة ويداه مفتوحتان ممتدتان كالمخالب النافرة صوب الطفل وقام بشدّه نحوه: اتركيه.." صرخ بها ".
- ابتعد عنه.. أبتعد.. أبتعد.
الطفل مستمرٌ بالبكاء.. جسده النحيل يرتجف.. عيناه تتنقلان بخوف بين وجهي الكيانين المتنافرين المتجاذبين بذات الآن.
 بينما هما يتدافعان تعثّرت المرأة بآنية زهر راقدة على الأرض عند الموقد، تحاملت على نفسها وأفلتت من السقوط.
كررَّ آلية الجذب بقوة أكبر هذه المرّة، بينما يدهُ الأخرى تمسك بالذراع المُطبقة حول الطفل.
-أرجوكْ.. أنت تؤذيه هكذا.. أتركه لي بحق الرّب " قالت بصوت يائس".
نافذة المطبخ المفتوحة تُطلّ على الفناء المعتم في الخارج، نظرت عبرها نظرة يائسة.
 أما هو فق أنشب أصابعه بين أصابعها في محاولة أخيرة صارمة لحسم المعركة.
شعرت بارتخاء أصابعها.. ترنحت ...و.
وهي جاثمة على الأرض عند النافذة بين غيابٍ وحضورٍ قلقّ، تناهى لسمعها صوت اصطفاق الباب.
لا..لا.. لا

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات