GMT 9:17 2018 السبت 28 أبريل GMT 7:20 2018 السبت 28 أبريل  :آخر تحديث
مشجعا على ترجمته

الجناح البولندي بأبوظبي للكتاب يفتح الطريق أمام روائع الأدب البولندي

محمد الحمامصي
 
 
جناح حافل بكتب أبرز الكتاب البولنديين ومشاركة متميزة لبولندا في البرنامج الثقافي لمعرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته الثامنة والعشرين، وذلك باعتبارها ضيف شرف هذه الدورة من المعرض الذي يستمر لغاية 1 مايو 2018، في مركز أبوظبي الوطني للمعارض في أبوظبي، حيث يقدّم الجناح البولندي عناوين هامة من المكتبة العلمية والأدبية باللغة البولندية، والتي تتنوع بين كتب الإبداع الأدبي وبخاصة الرواية والقصة، والكتب المعرفية العديدة في مختلف صنوف المعارف والكتب العلمية والتاريخية والمنشورات التعريفية ببولندا جغرافيا وتاريخاً وثقافةً، وصولاً إلى كتب الأطفال والناشئة، ويخص جمهور المعرض بكتّيب من إصدار المكتبة البولندية العربية يتضمن مختارات مترجمة إلى اللغة العربية، من عشرين عنواناً من روائع الأدبي البولندي جاءت لتشجّع الناشرين والقراء العرب على التعرف على الأدب البولندي الغني والمبدع، ولتقدّم لهم مختارات من روائع الأدب البولندي، محاولين بذلك أن نملأ فراغات استمرت لعدد من العقود، حيث اختفى حضور الكُتّاب البولنديين الكلاسيكيين في الترجمات العربية".
 
ويتضمن الكتيّب التعريفي بروائع الأدب البولندي المترجم إلى العربية مختارات ونبذات تعريفية من عشرين عنواناً أدبياً بولندياً من أمهات الكتب العريقة، هي: "التمرّد" لفواديسواف ريمونت، "فريدريك شوبان: الرسائل المختارة" من تقديم زجيسواف ياخيميتسكي، "غابة البتولا وقصص أخرى لياروسواف إيفاشكيقيتش، "الطريق إلى اللا مكان" ليوزيف ماتسكيفيتش، "اليوميات 1954" ليوبولد تيرماند، "كلّ قراءاتي غير الإجبارية" لفيسوافا شيمبورسكا، "رحلات مع هيرودوت" لريتشارد كابوشتشينسكي، "على الدراجة وسيراً على الأقدام عبر إفريقيا: رسائل من الرحلة الإفريقية في السنوات من 1931 لغاية 1926" لكازيميش نوفاك، "أشعار مختارة" لإيفا ليبسكي، "الإمارة: ثلاثية الشباب" لزبيجنيف ماستيرناك، "العلامات المميزة" لباولينا فيلك، "روح الآخر" لووكاش أوربيتوفسكي، "مصر: حرام، حلال" لبيوتر إبراهيم كالفاس، "المقال الأدبي البولندي أنطولوجيا" ليان تومكوفسكي، "التحوّل: المسرحيات البولندية بعد عام 1989 – المجلدان الأول والثاني" لياتسيك كوبتشينكي، "رحلات إلى قلب الإسلام: أنطولوجيا ريبورتاج فترة ما بين الحربين للتتار البولنديين" لجشيجوش تشيرفينسكي، "هيباتيا من الإسكندرية" لماريا جيلسكا، "انتصار الإنسان العادي" لريتشارد ليجوتكو، "التاريخ السياسي لبولندا: نظرة جديدة – المجلدان الأول والثاني" لرادوسواف باتليفيتش، "ماريا سكووروفسكا كوري: القدوة" ليوستينا ستيشينسكا"
 
وعلى الرغم من أن حركة ترجمة الأدب البولندي إلى اللغة العربية تعود تقريبا إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين ترجمت مختارات من حكايات للكتاب إغناسي كراشيتسكي ممثل النهضة البولندية (بالإضافة إلى الترجمة البولندية لأمثال لقمان الحكيم وصدر في فيينا في 1860 ترجمة كارول زاووسيكي)، وبعض الأعمال لكبار المبدعين البولنديين، مثل هنريك شينكيفيتش وكتابه المشهور"كوفاديس" الذي ظهر باللغة العربية لأول مرة في سنة 1910(ترجم من اللغة الإيطالية)، فإن الأدب البولندي يبقى غير معروف للقراء العرب. في نهاية الثمانينيات للقرن الماضي ظهر في مصر رائد الترجمة من اللغة البولندية، المخرج والممثل هناء عبد الفتاح الذي شارك بإسهاماته في ترويج الأدب البولندي في العالم العربي، لا سيما في مجال المسرح والشعر والقصص القصيرة. مترجم آخر مشهور نقل إلى العربية أشعار لشعراء حاصلين على جائزة نوبل، ألا وهو الشاعر هاتف الجنابي. ولكن في غضون عقدين تقريبا، أي منذ عام 2000 لم يصدر سوى أربع روايات فقط، أربعة مجلدات من رواية"الفلاحون" ترجمها كبرو لحدو2007، و"الفرعون والكاهن" لبوليسواف بروس، وقد ترجمت عن اللغة الإنجليزية من قبل أحمد شلبي2012، و"بائع الحكايات" لستانيسواف ستارسبورغر بترجمة جورج يعقوب 2013، و"فيرديدور كه" لفيتولد غومبروفيتش بترجمة
 
أجنيشكا بيوتروفسكا2016، (بغض النظر عن الطبعات الثانية لرواية"سولاريس" لستانيسواف ليم التي ترجمت من اللغة الروسية، والترجمة التالية لنفس الرواية"كوفاديس" لشينكيفيتش".
 
لذلك جاء هذا الكتيب تشجيعا للناشرين والقراء العرب على التعرف على الأدب البولندي الغني والمبدع، حيث يقدم مختارات من روائع الأدب البولندي، تلقي الضوء على الكتب ذات أهمية أدبية، وفي نفس الوقت مرتبطة بطريقة أو بأخرى بتاريخ المنطقة العربية، حيث تقدم بعض الحقائق عن التاريخ والفكر البولندي المجهول غالبا في العالم العربي، فكثيرا ما تضيع بولندا بين السرديات الأخرى لبلدان العالم المهيمنة.
 
يقول يان تومكوفسكي في كتابه "المقال الأدبي البولندي – أنطولوجيا": "حتى في أدب الدول الصغيرة ذات الأشعار والروايات غير المعروفة في العالم، يمكننا أن نجد كتّاباً بارعين للمقال، فالباحث المجتهد يمكنه أن يؤلّف بسهولة (حتى ولو مستنداً إلى ترجماتٍ موجودة، والتي عادةً ما تكون مبعثرة في الكتب والمجلات)، أنثولوجيا صغيرة لمقالات تشيكية أو كرواتية أو صربية، في الواقع على الأرجح ينطبق ذلك أيضاً على الآداب الأخرى التي لا تجذب انتباه الباحثين والقرّاء الأوروبيين إلا بالصدفة البحتة".
 
يخلص تومكوفسكي إلى أنه "ينتج ذلك الوضع بسبب التقدير المتنامي للعالمية في المقالات، لم يشعر الشاعر الرومانسي بعدُ بالحاجة إلى التعليق على عمله في تصريحات صحفية مكتوبة بالنثر، وكان الرمزيون مثل تشارلز بودلير مدركين لإمكانيات المقال، أهم شعراء القرن العشرين راينر ماريا ريلكه، توماس ستيرنز إليوت، عزرا باوند، جوتفريد بن، والمبدعون البولنديون مثل تشيسواف ميووش وزبيجنيف هربرت هم أيضاً من كتّاب المقال المقدّرين، فبالنسبة للبعض المقالات هي مجرد مكمّل للفن الشعري، في حين أنه يوفر للآخرين فرصةً للعمل المنهجي في الفترات التي يغادرهم فيها الإلهام".
 
فواديسواف ريمونت
 
التمرد
 
فواديسواف ريمونت(1867-1925)، كاتب بولندي مشهور، وهو ثاني بولندي يحصل على جائزة نوبل في الأدب سنة 1924 عن رواية"الفلاحون" التي نشرها عام 1904، وقد ترجم الكتاب إلى العربية.
 
تخرج في مدرسة مهنية، وانضم في البدء إلى الفرق الفنية المتجولة كممثل، ثم عمل في السكك الحديدية. في سنة 1894 استقر وارسو، وبدأ يعمل كمراسل لإحدى الصحف. من أشهر رواياته:"الفلاحون"، و"المشخصاتية" و"الأرض الموعودة" التي تتناول موضوع إنشاء مدينة"وودج" البولندية الرأسمالية، و"التمرد" روايته الأخيرة نشرها في عام 1924 ونشرت لأول مرة في عام1922 في المجلة الثقافية"الأسبوعية الأدبية". وفي 1924 طبعت في شكل كتاب. وهي مختلفة عن كل أعماله السابقة، فهو يمزج فيها بين الخيال والديستوبيا، ويحكي فيها قصة التمرد الدموي للحيوانات ضد الحكم البشري. الثورة التي تبدأ بالشعارات النبيلة مثل مكافحة الظلم والاضطهاد باسم بناء مستقبل مشرق وسرعان ما تتحول إلى مذابح دموية، ما يؤدي إلى الدمار التام وضياع كل الأحلام. أرادت الرواية أن تمثل إرهاب ثورة أكتوبر، التي راقبها ريمونت خلال خمس سنوات من عمله على الكتاب. حظرت الرواية لأسباب أيديولوجية في فترة جمهورية بولندا الشعبية، ولم تطبع مرة أخرى إلا في عام2004.
 
مقطع من الكتاب:
 
برز من الحشد فحل آخر برأس ضخمة وقرن قصيرة.
 
ـ "اخرس يا طاغية"، صاح حتى اهتزت أوراق النخيل، "إنك تتأوه مثل جرو خائف، ولكن لا أحد سوف يصدقك بعد الآن. لن نذهب معك. نحن لا نريد أن نهلك جميعنا. انطلق خلف صفير الكركي وحدك، اسغ بنفسك نحو هذه المثل العليا، وطارد الرياح حول العالم. لقد قتلتنا بوعودك الخبيثة. حان الوقت لوضع حد للجنون وإعطاء زمام الأمور إلى العقل. منذ قديم الزمن تحكم فينا الناس، ومنذ قديم الزمن اعتنوا بنا، لقد
 
جعلتنا مشردين متوحشين بلا مأوى. نحن البؤساء.. خدعتنا حريتك. من أجلها أمرتنا بالتخلي عن حياتنا الآمنة والوطن. طغيت علينا بهلوستك الحمقاء. لأنه ليس حقيقيا أن أرض الحرية والسعادة الموعودة منك تكمن هناك وراء الأفق، ليس حقيقيا. ليست موجودة في أي مكان لا يوجد به ناس ولا حظائر، ولا توجد به حقول مزروعة وأعلاف جاهزة لفصل الشتاء. كنت تعرف، ورغم ذلك أخرجتنا، وتركتنا للموت".
 
ـ "هل تريدون أن تعودوا إلى نير العبودية والسياط؟!"، أنّ بحزن شديد.
 
ـ "نريد أن نبقى أحياء!"، انفجرت الآلاف من الأصوات إلى السماء، "نريد أن نعيش"!.
 
أنثى الذئب- التي دافعت عن نفسها بشكل يائس ضد الخطوم وأنياب الكلاب- أصدرت عواء، فاندفع لمساعدتها، ولكن قبل أن يصل، أحاطت به العديد من القرون الرهيبة.
 
ـ "الموت للطاغية"! الموت للخائن! الموت للقاتل".
 
جلس، وعوى للمرة الأخيرة وهو يجول بنظراته حوله دون خوف.
 
...
 
بعد لحظة لم يتبق إلا بقعة ضخمة دموية على حافة المياه الزرقاء، في ظلال النخيل المتمايل الذي تتخلله الشمس.
 
حرفيا مزقته حوافرهم بعنف وحشيّ.
 
تقديم: زجيسواف ياخيميتسكي
 
فريديريك شوبان- الرسائل المختارة
 
زجيسواف ياخيميتسكي (1882-1953)، مؤرخ موسيقي بولندي، وملحن وأستاذ في جامعة ياغيلونيا كراكوف، وعضو أكاديمية الدراسات البولندية. كان عميد كلية الفلسفة في العام الدراسي 1932-1933. كان أيضا مديرا فنيا لجمعية الموسيقى في كراكوف، في السنوات 1926-1934 أعد للإذاعة البولندية العديد من البرامج والمحاضرات. اعتقله الألمان من نوفمبر1939 إلى مارس 1940، وعمل في ما بعد كمحاضر ضمن التدريس الجامعي السري، وبعد الحرب عاد إلى مهامه كرئيس قسم التاريخ ونظريات الموسيقى. انصبت اهتمامته العلمية حول تاريخ الموسيقى الحديثة، وتاريخ الموسيقى في عصر النهضة البولندية، والسير الذاتية للفنانين، كتب أول دراسة عن كارول شيمانوفسكي، وبحث أيضا في حياة شوبان وأعماله.
 
فريديريك شوبان. الرسائل المختارة
 
يحتوي هذا الكتاب لشوبان على مراسلات الملحن مع أهم الأشخاص في حياته مع عائلته وأصدقائه. المجموعة كنز معلومات عن حياة الملحن وأعماله. هذه هي واحدة من العديد من مجموعات الرسائل للملحن التي يتم نشرها في بولندا حتى يومنا هذا.
 
مقطع من الكتاب:

إلى السيدة جورج ساند
 
"باريس،23سبتمبر1844، الاثنين،16.05"
 
كيف حالك؟ ها أنا في باريس. أعطيت طردك إلى س. جولي. كان لطيفا جدا. رأيت الآنسة دي روزيريس، التي قدمت لي الإفطار. رأيت فرانشوم وناشرا آخر. رأيت ديلاكروا، الذي لا يغادر منزله، تحدثنا لمدة ساعتين ونصف عن الموسيقى والرسوم، وقيل كل شيء عنك. لقد حجزت لنفسي مكانا يوم الخميس. يوم الجمعة سأكون معك. أذهب إلى مكتب البريد، ثم إلى ججيماوا، ثم إلى س. ليو. غدا سنعرف سوناتات مع فرانشوم. ها هنا ورقة في حديقتك. في هذه اللحظة جاء ججيماوا، الذي يقول صباح الخير لك ويكتب كلمتين. بالنسبة لي ليس لدي شيء أكثر لأقوله، إلا أنني بصحة جيدة، وأنا لك طراز أقدم من كل طراز قديم.
 
لم أنس أي طلب. اذهب إلى الأمير تشارتوريسكا مع ججيماوا.
 
قبّلي لي أحباءك الصغار.
 
شوبان
 
ياروسواف إيفاشكيفيتش

غابة البتولا وقصص أخرى
 
إيفاشكيفيتش كاتب وروائي ومسرحي وشاعر وسيناريست ومترجم ودبلوماسي، ونائب مجلس نواب وعضو رئيسي فى مجموعة"سكاماندير" الشعرية، والتى تأسست فى بولندا خلال الحرب العالمية الثانية. تقلد العديد من المناصب، كرئيس اتحاد الكتّاب البولنديين، والمدير الفني للمسرح البولندي، وقد اشتهر بكتابة القصص القصيرة، وتميز بالطابع الكلاسيكي فى الشعر، ورُشح لجائزة نوبل 4 مرات.
 
غابة البتولا
 
تعد من روائع الأدب البولندي، يسود فيها مناخ الحزن، تتسم شخصياتها بعمق حياتها النفسية، ويصحبها شعور بالمأساوية بسبب قسوة قوانين الطبيعة أو الأحداث التاريخية.
 
من الصعب أن ينسب نثره إلى اتجاه أدبي معين، يحتوي المجلد على الأعمال التي كتبت في الفترة ما بين 1932-1980ومنها:"بنات فيلكو"، و"غابة البتولا"، و"الورد"، و"بيوبك"، و"الأم جان من الملائكة"، و"أحياء من مارونا"، و"طاحونة على نهر لوتينيا".
 
مقطع"بنات من فيلكو"
 
ـ "هل أحببتني حقاً؟" تفاجأ فيكتور إلى درجة أنه نسى المربى.
 
-"أوه وبكل صدق"، قالت كازيا، وهي تستبدل الملقاط بدبوس طويل حاد، وتخرج به ثمار لكشمش الخضراء بعناية كبيرة، لم أتعاف من ذلك لمدة طويلة فى السنوات الأولى من الحرب ظننت أنك ستعود، ثم تزوجت، كان لى زوج جيد جدا ولطيف، افترقنا بمودة، واتخذ لنفسه امرأة أخرى.
 
ـ "ولكن الآن لم تعودي تحبيني؟"، سأل فيكتور بقلق.
 
ابتسمت كازيا دون أن تشيح بوجهها عن الدبوس الذي تعاملت معه بمهارة وسرعة.
 
ـ "لا تقلق لقد نسيتك تماما، واندهشت جدا عندما رأيتك عندنا مرة أخرى، تبدو لى مختلفا جدا.
 
ـ "لقد تقدمت فى السن".
 
ـ "بالطبع تقدمت فى السن ، ولكن ليس مجرد ذلك، لقد انطفأت بطريقة ما".
 
رفعت كازيا عينيها الفاحصتين نحوه.
 
ـ "لكنني لم أكن أود أن أراك كما كنت سابقاً"، قالت بنبرة مخلصة، "هذا سيكون فظيعاً. سيدمر ذلك كل حياتي التي رتبتها بطريقة أو بأخرى. لا، أردت فقط أن أؤكد لك بأنه لاشيء يهددك من ناحيتي، بأنني كنت أحبك يوما وأنا فتاة، تقريبا مراهقة، بجنون، والآن يضحكني ولم يتبق منه أى شيء. وإنني عموما لا أستطيع أن أتخيل اليوم أن أي شخص يمكن أن يحب أحدا مثل ذلك. يبدو لي ذلك سخيفا بعض الشيء، لأنه يجب أن تعترف بأن كل حب عظيم فيه شيء مهين ومضحك".
 
ـ "ربما مهين"، قال فيكتور ببطء"ولكن مضحك؟!".
 
ـ "ألم أشعر أبدا بعد المُلائمة والنواحي الساخرة كلها لهذا النوع من التعلق؟!".
 
ـ "لا. أبدًا".
 
ـ "إذن ربما لم تحب أبدا".
 
ـ "لم يكن لدي وقت لذلك"، قالها وهو ينهض فورا.
 
ليوبولد تيرماتد

اليوميات 1954
 
ولد فى وارسو لأسرة يهودية، درس الهندسة المعمارية لمدة سنة في باريس، ثم بعد اندلاع الحرب سافر إلى فيانيوس، حيث اعتقل في عام 1940 من قبل المفوضية الشعبية للشئون الداخلية السوفيتية بتهمة الانتماء إلى منظمة مناهضة للسوفييت، بعد أن هرب من المعتقل، وجد نفسه في ألمانيا يعمل كعامل قسري حينما حاول الدخول إلى السويد المحايدة في عام 1944، تم القبض عليه وسجن في معسكر اعتقال غريني في أبريل 1946 عاد إلى بولندا. عمل كصحفي وبدأ فى كتابة"اليوميات" وسافر إلى إسرائيل والولايات المتحدة.
 
اليوميات 1954
 
هي تسجيل وقائع وقت محدد وهو وقت كثير بشكل استثنائي: ليس حتى سنة ولكن ربع سنة، تحديدا فى الفترة ما بين 1 يناير إلى 2 أبريل 1954. وأراد المؤلف أن يشَدد على هذا التباعد الزمني. خصوصا أن عام 1954 كان نقطة تحول فى حياة تيرماند وإبداعه.
 
إذن من هو تيرماند في عام 1954؟. البعض كان يراه لا أحد، الخاسر الذي تعثرت قدماه، المجنون الذي لا يفهم الحتمة التاريخية وألا يشارك فى مسلمات الاشتراكية. بالنسبة للبعض كان شخصية ملونة من شلة وارسو، وأخيرا بالنسبة للبعض كان نموذجا لموقف لا يقهر.
 
مقطع من المقدمة
 
مثل الجميع، كنت محاطا بالأشخاص الذين قدموا بسخاء التكلف ونقاط الضعف، الحقيقة والكذب عن أنفسهم، وأنا حفظتهم على صفحات يومياتي وفقا لرؤيتي. الزمن علمني سذاجتي وقابليتي للخطأ، ومن ثم قراري فى كونيتيكت بعدم تغيير أي شىء، لأنه إذا كانت هناك أى حقيقة عن الناس، فهي ليست إلا الحقيقة اللحظية. عندما كتبت هذه اليوميات، كان عمري ثلاثة وثلاثين عاما بشعور عميق بالشيخوخة. حينما أكتب هذه المقدمة بعد ستة وعشرين عاما، أرى أن ذلك وفر لى مساعدة وحماية.
 
وبالتالي، عندما قرأت مسودة هذه اليوميات، آثار اهتمامي أن الاكتشافات التى وصلت إليها فى غضون ربع قرن كانت قليلة، وكم من الأشياء كنت قادرا على التعرف عليها فى وقت مبكر عام 1954، على الرغم من ثقل المشاعر والأحاسيس لما بعد الشباب. كيف إن ما كنت أؤمن به لم يفسد، إنما عزز نفسه من خلال الخبرة. الحقيقة أن الخبث والغباء والشر ينتصرون فى أغلب الأحيان كما أقنعتني يوما سيدة قريبة لي فى وارسو. الأوغاد والحمقى لا يقيدهم ضمير أو فكر، لكنني أعرف الآن أن الشىء المؤسف ليس أن العذاب يصيب دائما أولئك الذين لا يريدون أن يكونوا خبيثين ويحاولون ألا يكونوا أغبياء. ولكن الأكثر كآبة وألما أنه بعد سنوات عديدة يبلغ الأوغاد والحمقى اللباقة والحس السليم دون النضال من أجل شيء ودون التضحية بأى شيء، فقط من خلال التملص من مواجهة الشر إلى أن يحين الوقت الذي ينتصر فيه الصواب والعدالة بمساعدة التاريخ أو لمجرد تأثير الموضة. منذ سن مبكرة كنت أميل إلى استغراق خفيف فى التفكير حول الحقائق وتأويلها، وإلى تبادل شامل لوجهات النظر والحجج متعددة الجوانب، المعروف فى وارسو باسم"الشجار". كانت تلك هي عناصر الليبرالية الفطرية، حب فتنة الآراء المختلفة، والمناخ البرلماني، والشائعات. فى وقت مبكر لاحت أمامي فزّاعة الاستبدادات المتنوعة، وكذلك التقارب بينها. بدت لي الاشتراكية فى خيالي غامضة كاقتراح لإفقار الواقع، كالحرية والمساواة والعدالة والسعادة المغطاة بالسكر المريب. تمت كتابة هذه اليوميات في أوج مرحلة الرجولية، أما إعادة قراءتها فقد تمت عند نهاية منتصف العمر، وقد منحتني شعورا شعورًا بالإخلاص تجاه نفسي _ الشيء الذي بدا لي دائما مرغوبا فيه، وجديرا بالتضحيات.

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات