: آخر تحديث
صراع القيم (بداوة، ريف، مدينة)

قراءة سسيوثقافية في رواية "شبح نصفي"

 
بقلم شمخي جبر
 
تتبدى واضحة القراءة السسيوثقافية في النص الروائي(شبح نصفي)للروئي محمد خضير سلطان من خلال تصفح وتأويل الوقائع سياسيا وتاريخيا واجتماعيا.. ورصد الحراكات الاجتماعية وتمثلاتها في الانفلاتات والانتقالات الطبقية وفق الظروف والتطورات الاجتماعية والاقتصادية. 
وقد اشار الكاتب الى ان روايته تسعى لان لان (تنضوي ضمن حقل رواية الافكار)، فهناك ثلاثة مرويات كما يسميها المؤلف (الاولى تمثل النسخة الرعوية الضامرة والثانية تندرج في سياقات التحول الحديث والثالثة كانت الحصيلة الرمزية لشقاءاتهما عبر التاريخ) فهي رحلة سيسيولوجي ترصد منظومة القيم الاجتماعية الحاكمة لاتضع فواصل واضحة بين الصحراء والريف، ربما يتجلى الفرق بوجود الماء الذي يعد عامل استقرار، فتتحول الخيمة المصنوعة من الشعر او الصوف الى كوخ او صريفة مصنوعة من القصب والبردي. ربما يكون الكوخ والصريفة اكثر ثباتا واقل قلقا من الخيمة، لكن العدة العقلية والقيمية والاطر المرجعية لاتختلف بين هذا وذاك (البدوي والريفي)، ربما تتهذب او تتشذب بعض السلوكيات عند البدوي حين يصبح قرويا ريفيا، ومنها رضاه وقبوله بممارسة العمل اليدوي (الزراعة) وقد يكتسب بعض اللين والطراوة بعيدا عن الاضطراب الذي يعيشه وهو يواجه الصحراء ومجاهيلها وتحدياتها. اشارات كثيرة الى اهمية الماء والنهر في ثنائية عكسية مع كل ماهو صحراوي بدوي. اذ لاتجتمع الصحراء بالماء... وحشة الصحراء وعدم استقرار الحياة فيها يقابلها استقرار الحياة على الانهر وقرب مصادر الماء.. (وجعلنا من الماء كل شئ حي) فقرب الماء تقام المدن والحواضر فهو عامل استقرار وتوطن. 
  
صراع القيم
ظل الريف هو خط الصد الاول امام زفير الصحراء وهجماتها القيمية والسلوكية، وهو ماعانته المدينة وهي تتلقى الهجمتين الريفية والبدوية التي قد تتعاظم احيانا لتفرض قيمها وثقافتها ومرجعياتها على المدن والحواضر. وهنا لايمكن تجاهل او التغافل عن الكراهية المستحكمة والمتبادلة التي تتجلى في العلاقة بين الريف والمدينة او الصحراء والمدينة، كراهية قيم ورفض لهذه القيم. 
وهذا مايراه المؤلف وهو يتابع ابناء حورية الماء الذين يحملون عطشهم الصحراوي وسيفهم المعقوف وقيم البداوة التي لم تغادر مخيلتهم وعقولهم البدوية.. (كان العقب الكبير لآل فالح يعيش في البراري.. وياكل ماتاكله الطير والدواب.. وكان يخرب اوكار وحفر الصيد.. وينتزع الطرائد من براثن الصيادين)
 يرصد الروائي صراع الانسان في مواجهة قسوة الطبيعة وتحدياتها (توحي بما لايقبل الشك بانني امام خزين عدائي لحروب واضطرابات ما ان تضع الواحدة اوزارها حتى تنعب الاخرى مثل طائر يهم بالطيران ناعبا وسط الخراب)فمرة انتزع هذا الملك هيمنتة شديدة ازاحتهم واخرى قسوة الصحراء وفجائعها وتحدياتها. ال فالح لديهم خزين من الاستبداد الصحراوي والريفي وقسوتهما(يستحضر ال فالح البدل الضائع والتالف لمستبد آخر)لانهم بدو لا يرضيهم الملك المسجل لانه محدود بل يغريهم الملك المشاع غير المحدود( فالبدوي يعيش من غزو الغرباء ,فان أعوزه الغرباء فالأخوة لا عاصم لهم من الغزو ). (بعض ال فالح، سأم الحقول الجديدة وغادر ارض الغراف عائدا الى البادية والصيد في المراعي البرية... ولكنهم لم يلبثوا كثيرا وفشلوا فشلا ذريعا الى الحد الذي اطلق عليهم لقب ال فويلح تصغيرا لهم ص 64 ) يتابع الروائي محمد خضير سلطان في تحليله السسيوثقافي رحلة (ال فالح)من الريف الى المدينة وحمولة الصحراء، بيت ال فالح القريب من الشارع الهندي(وسط سراب الرؤيا وشحوب الذاكرة يتبدى بيت ال فالح مرة كخيمة في مهب ريح مزمجرة.. سائلا مثل قبضة رمل واخرى كحزمات كثيفة شديدة التماسك من القصب تنهد في الماء ص 35). 
 
 بدوي يشتري المدينة 
ترصد الرواية القيم الاجتماعية التي تمسك بتلابيب الفرد وعقله، وعدم الاستقرار يتوطن النفوس والعقول المضطربة القلقة المستنفرة دائما وابدا (لم يقيموا الحد الفاصل بين الرحيل والاقامة، فكانت القوافل مثل يطقات الجنود جاهزة للتنقل دوما، ظاهرها البحث عن الكلأ وباطنها الهروب من مغازي الاخرين الاشد بأسا ص 66) جهوزية دائمة لعدم الاستقرار والتنقل، او الاستعداد للصراع وللحرب. (يطفو على الطمى او يغيب مع الرمل والريح ص35).. تهديد الصحراء.. تهديد الفيضان... الحنين الى المشاعية، بدوى تتقاذفه الرمال المخيفة في حركتها وغضبها، وقروي تتناوشه فيضانات دجلة والفرات غضبها الفصلي. كل هذا جعلهم (اي مار في ديارهم، اذا لم يكن جائعا او تائها فهو عدو ص 71 )يشترون المدينة لقاء بيع الريف كله ص 107 لكنهم لا يتنازلون عن روحهم وعدتهم البدوية، التي لايستطيعون لها فراقا. 
حتى حين يقول(هكذا انتقلنا من الحقول الى المصانع... من التدجين الى التعدين ص 107) لم تكن هناك انتقاله حقيقية من التدجين الى التعدين بل هو ادعاء بقى عائما على السطح لم يترسخ قيميا. 
 
 قروي في لباس حضري
المدينة والريف مفتوحان على الصحراء دوما (مثل كهف عميق على الصحراء ص110) فهاجس الصحراء والبداوة حاضرا لايغيب. 
نصف مخبول، نصف عاقل، نصف قروي، نصف بدوي، نصف حضري، لم يكتمل اي نصف من هذه الانصاف فبقى الصراع مفتوحا على مصراعيه نحوالمجهول، (يا بلادا تدور مثل ناعور على قناة جافة.. يديرها ثور نصف مخبول ص111) ثقافة مترسخة هي الاطار المرجعي لكل سلوك (النسخة الرعوية والزراعية لال فالح وغيرهم تعمل مثل عرق نداس ص 100 ) والبدوي بحسب ارنولد تونبي شديد المحافظة بطبعة يغير منزلة لكي لا يغير عاداته. (ثيمة النزوح والرحيل والقوافل هي احدى التجليات الخفية للعائلة في كل البلاد ص 65 ). 
الرعوية البدوية الريفية، المدنية التي حملت معها عدتها الريفية والبدوية الصحراوية. (نسخة رعوية مخبئة في روح العائلة ص 9) اشارات الى روح البداوة والريف وترسخها الغائر في روح العائلة، وبحسب (آرثر بار) تستطيع ان تنتزع الرجل من الريف لكنك لاتستطيع ان تنتزع الريف من عقله
عبد الفتاح ابراهيم.. جدارية جواد سليم هوية باحثة عن التشكل.. بحث عن التأويل ومعادله في الواقع، وقائع الجدارية ووحداتها النحتية ليس لها تناص مع الواقع وحقائقه الاجتماعية بل هي فرضيات بقت معلقة بين السماء والارض. 
عبد الفتاح ابراهيم يرى فشل مشروعه فلا هو مع النصف الملئان ولا هو مع النصف الفارغ، اذ يحمل بديلا للنصفين، مناوئا للحالتين. هي خيبة النخبة وعدم الاعتراف برؤاها او قد يصل الامر الى التخلص منها بقتلها. 
 
 الروح الثقافية للاستبداد
عائلة ال فالح يحكمها الاستبداد الذي يتناسل والذي يستمد قوته من القيم السائدة والضاغطة على الفرد(مستبدون يخشون بعضهم فقط.. لايخشى المستبدون شعوبهم ابدا) (انهم لم يكتفوا بتسلطهم حينما كانوا احياء بل تستمر هيمنتهم لما بعد الموت). 
حتى ممكنات التغيير التي يشير لها الروائي تتحول الى ادوات بيد المستبدين الكلية العسكرية= جدارية جواد سليم.. ثنائية العسكرة والغزو والمدنية والقوة الناعمة. الاحتلال وبناء الدولة= على الطريق الهند، الشارع الهندي= شجرة جوز الهند، 
شجرة جوز الهند التي كان يمكن ان تكون لحظة تمدن، لم يزرع احد من الناس تلك النخلة.. اشارات للفشل الواضح في استنبات المدنية والتحضر والتمدن. معمارية مبتكرة لطريقنا الوطني ص 28 رموز التمدن التي تحولت الى مصانع لانتاج الاستبداد.. (طريق الهند القديم في مئة عام تربط بين الكلية العسكرية وجدارية جواد سليم ص 28 ) لم يكتمل مشروع الاحتلال(ذهب الانكليز منذ عقود طويلة وظل الشارع مثل نصف شبح يمثل طيفا على نحو ما ص29 ) لم نكمل ما بدأه المحتل من بناء بل استرجعنا ذاكرتنا الضاجة بالعنف والبداوة لتخريب اساس البناء. فتحو لنا الطريق لكننا له نسر فيه بل اقتفينا غياهب اثار اسلافنا في صحراء عقولهم. (عبد الفتاح ابراهيم اكتشف لنا طريق الهند لاحتلال العراق وعلينا ان نبصر طريقنا الى اكتشاف العراق ص38 )
الشعب.. اعمدة الدعاية الانتخابية.. السلطة المتخندقة بالكتل الكونكريتية.. العداء السافر بين المشهدين.. تبادل العنف او التهديد به. زيدان (يحتاج طاعة العائلة له او تطويعها بالقوة) روح الاستبداد. اعداء التحديث، مرة، وتبنيه مرة اخرى، عمليات التخريب والبناء، التعرض للقطارات وتخريب اعمدة التلغراف. 
يرصد المؤلف علامات التمدن التي لم تجد لها فضاء مناسب في المشهد المجتمعي، استطاع جواد سليم ان يقيم شعار دولة لم يصل الى طبقاتها العميقة رجال الدولة انفسهم، (كان الشعار يتخطى من يعبرون عنه ويعلو على من يمثله 92)الجدارية لا تتحطم لانها هوية ضائعة لدى من يشاهدها وتحكي قصتها قبل ان تقع ص 94). 
اشارات كثيرة يلقيها الكاتب عن توطن الاستبداد المدعوم بقيم التريف والبداوة وضياع حلم التنوير والمدنية حتى لدى النخبة انذاك هو ماجعل جماعة الاهالي تدعم انقلاب بكر صدقي وتمنحه الشرعية، موقف المثقفين حاملي مشعل التنويرهذا لايختلف عن طريقة تفكير (سريدح )المدنية مع مرجعيته اليسارية.. هل كان سريدح يعنيها ويفهم ابعادها؟. وهكذا كان سقوط السدارة الفيصلية وصعود البيرية وهو مايعني انتصار الكلية العسكرية على جدارية جواد سليم وانتصار البداوة والتريف على التحضر والمدنية. 
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات