GMT 5:30 2018 الجمعة 25 مايو GMT 5:36 2018 الجمعة 25 مايو  :آخر تحديث
رؤية الذات وكثافة اليومي

نور طلال نصرة في :"جدران عازلة للصوت"

عبدالله السمطي
 
 
ربما ترى بالقلب، حين تقابل الأشياء في وهجها الأول، وربما تبعثر ذاتها على هذه الأشياء أو تلك لتتقمص دالة هنا أو دلالة هناك تفتح عبرهما مسارب الرؤيا التي تصنع بها مشاهدها الشعرية ورؤاها الجمالية. 
هكذا يمكن أن تنصرف قراءتنا لقسمات الوجه الشعري الذي تطل عبره الشاعرة نور طلال نصرة في ديوانها :" جدران عازلة للصوت، ( دار دلمون الجديدة للنشر،  دمشق، الطبعة الأولى 2018 ) 
يضم الديوان (23) قصيدة  وتستهله بهذا الإهداء:" إلى الشعر الذي ظن أني أمازحه" .  الإهداء الاستعاري هنا يحدد علاقة ما بين ما هو متخيل:" الشعر"  وبين " الذات"  التي تتلقاه وتجوْهرهُ ، ولكن على سبيل الجدّ، فلا ممازحة أغلب الظن مع الكلمات التي هي مهاد التكوين الشعري، فالشاعرة تصبو إلى تقديم ما يعزز وجودها التعبيري من خلال نصوصها المتنوعة. ومن هنا فإن القصيدة ليست لعبة سهلة، ولا هي مجرد خواطر تلقى هنا أو هناك، ولكنها أشبه بذات أخرى تصغي وترى وتحس،  تقترفها الذات الشاعرة لغة وإبداعا، وتتحاور معها، وتنطلق معها في عوالمها الرحبة،  ولهذا جاء هذا التوصيف من لدن الشاعرة تعبيرا عن رغبتها في تقديم قصيدة مختلفة طامحة إلى ابتكار رؤيتها الخاصة: 
أريد لهذه القصيدة أن تجلس أمامي هادئة
تضع ساقًا على ساق
وتدخن أفكاري ببطء
أريد أن أثرثر أمامها
إنها سكينة باردة لحب أعزل
حب لم يتمكن أن يهدئ من روعها / ص 48 
هكذا فالقصيدة ذات جمالية، تتحرر وتتحرك، ويتم التحاور معها بهدوء عاصف -  إذا صح الكلام – هذا الهدوء القادم من مخيلة شعرية تصبو لابتكار عوالمها وصنع دلالاتها المتنوعة. 
 
مشاهد مكثفة: 
منذ البدء نحن حيال تكوين شعري يتجلى هيكليًّا على هيئة مشاهد مكثفة، كل قصيدة تحمل مشاهدها التي تقدم لقطات متجاورة طويلة أم قصيرة مكثفة، فالنص الأول الذي يحمل عنوان:" مواسم عاجلة" هو نص يتشكل من  سبعة مشاهد، تتواتر جميعا ما بين الأنا والآخر، في خطاب شعري يتوجه من ذات مترعة  بحنين ما إلى ذات أخرى غائبة أو حاضرة أو مستدعاة أو متخيلة، لكن من الجلي أن الكلام الشعري هنا يتوجه لآخر، لا ليقاسمه اللحظة التعبيرية فحسب، ولكن ليستثير ذاكرة وذكريات، ويقف متأملا لصنع حالة من اللقطات تتلاقى وتأتلف أو تختلف، لكنها تصنع صورها ودلالاتها بشكل حواري ولو داخلي حيث تصبح الذات هي مونولوجه الأول: 
 
أتلبّدُ كغيومٍ عاجلةٍ
تخافُ ضجر الله
وتضطربُ لصوته في الليل
تنتظرُ
أن تبتلّ بلحنٍ غارقٍ
وأن تنتزعَ من ضفاف هذا النهر
مواعيدنا المرتبة. / ص 4 
 
يشكل هذا المشهد البداية الأولى لسبعة مشاهد يضمها النص، تستخدم الشاعرة فيها آلية التتابع السردي الشعري لتنوير النص بإضاءات جديدة متتابعة، ترصد فيها العلاقة بين الذات والذات من جهة، وبين الذات والآخر من جهة ثانية، حيث تحضر الأنا خلل الكلمات لتصوغ رؤية أو لتشكل دلالة، متكئة على كم متنوع من الصور والتعبيرات التي تحاول أن تتخلق في معانٍ جديدة، فالتشبيه المبدئي بالنص يمزج الأنا بالغيوم، في خوفها واضطرابها.
وتشكل الأفعال الأفق المعنوي الذي تستترُ فيه الذات، وتتكرر عبر المشاهد السبعة هكذا:" أتلبد/ أنفك/ قطعتُ/ أبكي/ أكره/ أضع/ أجعل/ أدخر/ ألثم/ أكتفي/ أرتب/ أكتفي/ أنظر/ أستجدي" فالذات المستترة بهذه الأفعال تحرك دلالة النص، وتقيم علائقه مع الآخر، ليصبح النص مونولوجيّا ديالوجيّا – إذا صح التعبير - . فاتحا للقارئ مسارب للإصغاء الحواري والجدل الذي يحرك المعنى ويحرك تجليات تأويله :
 
ظلي اللئيم لا يبتسم للغرباء
أبكي إذ تُفتح مسامٌ جديدة في جلدي
ويصبح غرز أظافرك أو أسنانكَ
أسهل بكثير 
لا تحتاج حينها لكم هائل من الكره لتفعلها
فقط أملأ جعبتك بفيض الذكريات
وأتساءل
أحقا أكرهك؟
لماذا إذن مازلت أتعثر بضياء وجهك
وتسلبني تلك الضحكة قوت فمي
وكلما هبت ريحٌ
تشعلُ لي فانوسًا من قلق . / ص 5 
 
الخطاب يتوجه في هذا النص وأغلب نصوص الديوان إلى ذات حاضرة غائبة، هي ذات الآخر، الطرف المستدعى الذي يفضي إلى الكتابة عبر الضمير (هو) حينا أو عبر كاف الخطاب، وهنا تتجرد الجمل الشعرية بلاغيا أو تلتفت عبر " الالتفات" وهو ما يصنع توترا كامنا بين حواريتيْ: التجريد والالتفات بمعنى ما. 
صورة الريح/ القلق المأثورة عن المتنبي تحضر في مشهد آخر: 
لا تقلق لست أنا
إنها الريح / ص 12 
لتوؤكد على توتر الذات الشاعرة في مواجهة ذوات النصوص الأخرى، والقلق الدائب الذي يستثير مخيلة النص ومخيلة كلماته. 
 
الحروب محض لعنة: 
الحروب محض لعنة بالفعل، مهما كانت دوافعها، هكذا تتبدى رؤية الشاعرة، حيث تجعلها اللعنات الناجمة عن الحرب في سوريا تحرس الألم، وتجعل الضوء يتحول إلى " سنابل حزن" ويمتد داخلها " عطش الفصول الأربعة" أما الذاكرة فتتحول إلى " منفضة للسجائر" فيما الدموع " تفقأ عين الحلم" . 
وفي نص:" محض لعنة" تعبر عن هذا الأفق المكلوم بالحرب ، والواقع الذي أنبت الحزن، واللعنات والجماجم الصدئة:
ينمو الحزنُ سريعًا تحت جلودنا
كأن هذي البلاد تمزقت
وتشربت وقودًا في تراب التكوين
وكأنّ قيعانها براكين جماجم صدئة. 
محض لعنة
تلك الحروب التي تعيش معنا
ومحض مخيلة
تلك التي أطردها كل يوم من أمامي
حتى تكلّ يداي . / ص 17 

تشكيل آخر: 
ويتشكل نص :" شذرات" ( ص.ص 33-37) من جملة من اللقطات الشعرية المتتالية التي تعبر عن لحظات يومية أو تأملات في مشهد الحياة، والأفق الشخصي الذي يرصد النبتة، وربطة الشعر، وحركة اليد، والتفاتة الوجه، ولعبة الألوان، وحركة الشجرة، والقلب والشمعة، في لقطات متغيرة ما بين حالة وحالة، لكنها تشكل لوحة مشهدية تحضر فيها الذات الشاعرة كمراقبة متأملة حينا أو راصدة متسائلة حينا آخر، كأنها تفرغ شحنات طاقة المخيلة عبر البحث عما هو شعريّ في أشياء مختلفة متعددة متجاورة، لتستقطر تجليات اللحظة ونزوعها الدائب صوب تشكيل وعي جمالي بالأشياء وبالواقع اليومي. 
فعبر (19) شذرة أو لقطة متتالية تقدم الشاعرة نصها، والشذرات هنا ما بين سطرين إلى ثمانية أسطر، في حركة كثافة لاقطة لفعل عابر تحوله إلى فعل شعري، أو في حركة تأمل كما في التأمل في الشجرة، أو بالتعبير عن موقف أو حدث صغير أو تسمية شيء ما، وفي كل هذا لا تغيب الذات المراقبة المتأملة، ومن بين هذه الشذرات تبث لنا الشاعرة هذه اللقطات، تمثيلا:
 
نزعتُ ربطة شعري
لأقيس بها طولك الجديد
كم كبرتُ في هذا الغياب.
 
أغسلُ وجهي من ملامحكَ صباحًا
كمن يبعد 
تهمة الحبّ عنه. 
 
اللحظة 
وغدٌ هارب
 
عندما يأتيك الشوقُ حافيًا
ارفع رأسكَ
وعانقه في الظل
قبل أن تتعامد الشمس في حلمك. 
وتنهمك الشاعرة في استقصاء صورها عبر استبطان وعي الذات، وجدلها مع الآخر. إن الذات وهي تتحاور لا تترك تأمل الأشياء، ومساءلتها. إن أشياء اليومي حاضرة بشكل أو بآخر، وهي تنسرب شعريا لتبتكر معانيها الجديدة، ذلك لأنها لم تُمس من قبل في المأثور الشعري الذي يفرق بين ما يصلح وما لا يصلح شعريا من مفردات أو موضوعات. عالم الشعر هنا عالم طليق، قد يجعلنا نقسو بقدر من الرؤية النقدية لنطرح هاجس الفارق بين الشعر والشاعرية، فالشعر هو الفن الذي يجول بتقنياته وأنظمته وطرزه في عوالم شتى ليبتدع قصيدة لها نسقها الجمالي، فيما الشاعرية سمة للأشياء نجدها في مشهد شاعري أو لقطة أو مشهد سينمائي أو تشكيلي أو مسرحي. من هنا من الأولى أن تفرق الشاعرة بين هذين المجالين، وهي تصوغ نصوصها وتخطط لوجودها الفني. مع ذلك نحتفي باليومي معها وهي تقول في نص:" حقيقة":
أحتاجُ لأن أبدّلَ الهواء في رئتي
وأن أمضمض فمي بالماء والملح
أحتاج للجرائد التي تعينني
في رؤية نفسي بشكل أفضل
فهي مناسبة لتنظيف المرآة 
أحتاج لأن أنظف ذاكرتي من الجماجم
ورفوف المطبخ من نثرات البهارات المتبقية
قد يكون مظهر العلب الفارغة على الرف
أكثر شيء صادق أراه في الفترة الأخيرة
وأحتاج بعد كل هذا لأجنحة كي أبتعد قليلا
لا أحب الطيران
سيبدو العالم واضحا ومخيفا من أعلى. / ص 58 
إن الشاعرة تلوذ بالبني القصيرة لإبداع شعريتها، وهذا قد يشكل أسلوبا تعبيريا لها لكن البنى القصيرة تحتاج لصدام تعبيري أكثر كثافة وأكثر مفارقة . ربما هذا الهدوء التعبيري بعض الأحيان لا يعصف بالذهنية القارئة ولا يوترها ، وهو الأمر الذي من المفترض أن تصوغه الشاعرة بحذر ، كما في بداية نص:" عناق النجوم" أو " انكشاف" أو "   غرور البنفسج" . 
بيد أن ذلك لا يمنعنا من أن نلتفت لهذه الآفاق المعبرة في حواريتها الذاتية أو الدرامية التي تزجيها الشاعرة التي تكتب بطلاقة الوعي وكثافته معا، ، نصوصا قصيرة متجاورة قادرة على إضاءة أسئلة الذات وهواجسها تجاه الآخر وتجاه العالم بمختلف تجلياته البسيطة أو العميقة. 
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات