GMT 15:57 2018 الجمعة 25 مايو GMT 16:05 2018 الجمعة 25 مايو  :آخر تحديث

منجز عمارة بلاد ما وراء النهر: مسجد "بولو - حوض": تمثلات العمارة "البهيجة"

د خالد السلطاني

 

الى حسين حربة

يقع مسجد "بولو - حوض" بمنطقة "ريجستان" في "ربض" بخارى، في بلاد ما وراء النهر، وعند الجهة المقابلة لبواية قلعة "ارك" التاريخية، ولهذا، أحيانا، يدعي بـ "مسجد القلعة". وقد  شيده الحاكم الاشتراخاني "ابوفايد خان" (حكم 1711 – 1727)  على شرف والدته سنة 1712.  كان الموقع المجاور للمسجد غاص بالابنية العامة مثل المدارس  والمساجد والمراكز التجارية، فضلا على خانقاه و"دار الشفاء"، والاخيرة بالمعنى الحديث تعني "المستشفى العام". لم يبق من جميع تلك المنشآت سوى مبنى هذا المسجد، والحوض المجاور له، او ما يطلق عليه بالاوزبكية "Hovuz". وتعني <الحوض او البركة>. واسم الموقع "بولو حوذز" Bolohovuz، الذي اعطى للمسجد اسمه، تعني <حول الحوض>. وقد ُشيد مبنى المسجد، على مرحلتين في زمنين مختلفين، ولكن في ذات المكان. بمعنى، ثمة مبنى لمسجد شيد في زمن محدد (1712)، أُضيفت له "توسعة" بوقت لاحق، اكتمل تنفيذها في 1917. 
في منتصف العقد الثاني من القرن العشرين، وتحديدا في سنة 1914، اصدر امير بخارى "سيد عليم خان" (وهو اخر امير حكم بخاري ما بين 1910- 1920)، اوامره لبدء اعمال ترميمية كبرى في "مسجد بولو  -حوض". وقد كُلف بادارة  تلك الاعمال المعلم  والمعمار المحلي المعروف وقتذاك "اسطة شيرين مورادوف".    Shirin Muradov، الذي سبق ان قام قبل سنتين من ذلك التاريخ، بادارة اعمال ترميمية مشابهة في مبنى "مسجد الجمعة" في الارك، وهو المسجد الاميري الرسمي لامير بخارى في القلعة. تعد اعمال اسطة "شيرين مورادوف" التى اجراها في تغيير "بنية" المسجد القديم، من الاعمال التصميمية عالية المهارة والمبهرة في آن، التى استطاع ان يرفع بها قيمة عمارة المسجد الى مواقع عليا، شاغلة مراتب متقدمة  في تسلسل الجودة التصميمية لمنتج عمارة بخارى، وحتى في منتج عموم عمارة ما وراء النهر! كما يرجع له الفضل، في اعداد تصاميم المنارة (المئذنة)، ذات الشكل الاسطواني، التى تعيد بهيئتها المميزة، "اميج" <منارة كاليان> الشهيرة، المبنية في هذه المدينة سنة 1127م. وقد تقرر توقيعها منفردة، وبشكل حرّ بالموقع، في منتصف المسافة ما بين الايوان الجديد، وموقع البركة القديم في الجهة اليسرى  (الجنوبية) من مبنى المسجد.
على ان الحدث الاهم في عمارة مسجد "بولو  -حوض"، تبقى الاضافة التصميمية المعبرة التى قام بها اسطة "شيرين مورادوف"، فهو استطاع ان يخلق "فضاءاً" جديدا للمسجد من خلال مد نهايتي خط واجهته نحو الشرق، بمقدار عشرة امتار، خالقا بذلك "طارمة" لايوان مفتوح الجانب، بابعاد 10× 42 متراً، يطل مباشرة على الفضاء الفسيح للموقع الذي ينهض فيه مبنى المسجد. وتمكن من "رفع" تسقيف هذه الطارمة/ الايوان، عبر صفين من الاعمدة، ذات الجذع  الاسطواني المعمولة من خشب الجوز والدردار، وعددها عشرين عموداً، بلغ ارتفاع كل واحد منها، نحو 12.5 مترا. كما عمل، في الوقت ذاته، رواقين من ثلاثة عقود مصمتة، في الجدارين الشمالي والجنوبي، وباتساق شكلي واضح مع  منظومة تشكيلات رواق الواجهة. واجمالاً، فان ما يضفي على عمارة "التوسعة" سمتها المتفردة، ويكرس طابعها الخاص الاستثنائي؛ هو ذلك العمل المميز الذي نراه متجسدا في عناصر التوسعة وعلى اسطحها، المشغولة من قبل اسطة "شيرين" ومجموعته الفنية، بالاضافة الى نوعية واسلوب زخرفة الاعمدة الرافعة لسقف التسقيف، فضلا على تكسية  ذلك التسقيف باعمال تزيينية ماهرة وفاتنة.
... يتعاطى معمار "مسجد بولو – حوض" ،مع ثيمته التصميمية، على قدر كبير من الاجتهاد والمعرفة. فهو يتوق ان تكون ثمرة جهده المعماري، حدثاً إستثنائياً في مشهد البيئة المبنية المحيطة. كما انه يتوق ايضاًا، ليكون ذلك الجهد ذا صلة تربطه بوشائج عميقة مع مناخ التقاليد البنائية المحلية، الحافل بنجاحات تصميمية حقيقية، كانت دوماً، رصينة في حلولها التكوينية، وتشي بذائقة جمالية عالية. يعي المعمار ان عمله المهني، سيشكل، في الاخير، احد مفاخر المدينة التاريخية، هي التى لطالما، اكتسبت خصائصها، وخصوصيتها (واسمها..ايضاً!)، من ذلك المنتج الرفيع، الذي "يستحضر"في حلوله التكوينية، قيم  ومبادئ الارث المعرفي، الحيّ للعمارة الاسلامية، الذي كانت "بخارى الشريفة" سباقة فيه... ومنتمية اليه!
ثمة شعور "بالابتهاج"، يسري في كل انحاء تفاصيل المبنى، مغلفاً، بحضوره القوي، قرارت المعمار التصميمية. وهذا الحس "الابتهاجي"، شكل لدى كثر من المصممين هاجسا معماريا حقيقيا، عند تعاطيهم مع اشكالية تصميم ابنية محددة، تنطوي على وظائف، تكون عادة، متعلقة بالقيم  الروحية، كالابنية الدينية على وجه الخصوص. اذ سعوا لنيل غاياتهم تلك، باختلاق "حيز" شديد الجمال، يكون بمقدوره، ان "ينثر" مزيدا من البهجة، وكثيرا من الغبطة، بوسائل "ووسائط"، طمحوا ان يكون وجودها مكثفاً جداً، وغزيراً جدا، لجهة تأمين وقع تأثيراتها على المتلقي او المستخدم  لتلك الاحياز. من هنا، يمكن، ايجاد تفسير لتلك "الحالة" الجمالية الخاصة، التى تسم عمارة مسجد "بولو– حوض" (او بالاحرى، "اضافته" الجديدة)، بطابع معين، بحيث تتبدى عمارته وكأنها تمثيلاً لما يسمى بـ "العمارة البهيجة"؛ المعبر عنها بوفرة التزيينات، التى تكسو عناصر الايوان، الذي ابتدعه المعمار وخصوصا سقفه  المسرف بزخرفته. وعندما كنت، شخصياً، ازور مرارا ذلك الحيز البهي، المفعم بالبهجة، كنت، في كل مرة، احس (مثلما ازعم، كان يحس، مثلي زواره العديدون)، بقيمة جماليات الفضاء المصمم، وبتلك الغبطة، التى كنا جميعاً "نستنشقها" مع انفاسنا، ونحن في حضرة ذلك المكان المدهش!
يحرص معمار توسعة المسجد الى تشغيل مهام الاعمدة الخشبية، الموجودة في حيز الايوان، على مستويين. الاول منهما، معني بتحقيق غايات الانشاء، التى تنحصر في  رفع سقف الطارمة الايوانية واسنادها، والمستوى الآخر، يكرس خاصية "التكتونك" Tectonic  المعماري، المهتم في تشغيل منظومة الانشاء لاحراز قيم جمالية. ذلك لان الارتفاع الشاهق: الفريد واللافت، الذي اصطفاه المعمار لاعمدته العشرين الحاملة للتسقيف، كانت بواعثه، بالطبع، ليست مقتصرة على ضرورات انشائية بحتة، بقدر ما تسعى الى تمثيل حالة "السمو" و"الارتقاء" المولع برمزية معناهما، عادة، زوار تلك المباني. وهذا "الاستحضار" الدلالي  في التعبير عن "الارتقاء"، يتكرس ، ايضاًـ في بواعث وجود لوحة الالوان الزاهية، التى ابتدعها الفنان في سقف مبناه العلوي، ما يجعل الانظار تتجه صوبها، بحركة مقصودة، ارادها  "اسطة شيرين" ان تكون جزءاً من مراسيم زيارة الفضاء المبتدع. 
ينزع معمار "التوسعة" ان يكون "حيز" الايوان الذي خلقه، مفتوح على الفضاء المجاور، من دون اية اشارة لوجود عوائق ما، قد توحي في عرقلة اندماج الفضاء الخارجي بالحيز المصمم. فاهتمام المصمم منصب بالكامل، على تكريس تلك العلاقة "الفضائية" تصميمياً. فهو في تعامله مع "الحيز" الرمزي، الذي خلقة في فضاء الايوان، الدال على "مبنى" المسجد، ينشد ان تكون حدود "مبناه"، غير مرتبطة بذلك الحيز، او محددة به، تائقاً، في الوقت ذاته، الى دمج فضاء الميدان الفسيح، مع "حيز" المسجد المبتدع.  ينسب الى الرسول الكريم، مقولة مفادها بان "الارض هي مسجدي". ثمة أدراك  "هيرمينوطيقي" Hermeneutic ، لفعالية تأويلية افضت الى قراءة معمارية مبدعة لتلك المقولة، اجدها حاضرة في  عمل "اسطة شيرين" الخلاق! ذلك لان  فسحة "الارض" المجاورة للمسجد/ الايوان، تغص، في الواقع، ايام الجمع بجموع المصلين. في اندماج كامل مع صفوف مصلي "حيز" الايوان شبه المغلق. كما ان "منارة"  المسجد الجديد، التى صممها "اسطة شيرين"، الموقعة بشكل حرّ في الموقع، اريد لها ان لا تؤشر محدودية ابعاد المسجد المصمم، بقدر ما تومئ الى انتماء "ارض" المكان، وعائدية مجاوراته، الى  حيز "مبنى" المسجد الجديد! 
... وليس ، صدفة، ان تكون عمارة هذا المسجد المثير من ضمن "قائمة مواقع التراث العالمي" الواجب الحفاظ ، الذي تعتمده منظمة اليونسكو، وادرجته في قائمتها  سنة 1993. 
 
معمار وأكاديمي

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات