GMT 15:18 2018 الجمعة 8 يونيو GMT 5:22 2018 الإثنين 11 يونيو  :آخر تحديث

الزمكان في رواية "مسامرات جسر بزيبز": أليغوريا النضال ضد قوى الظلام!

زهير ياسين شليبه
هرونوتوب (زمكان) جسر بزيبز 
"مسامرات جسر بزيبز" هي السردية الثامنة للروائي العراقي المعروف شاكر الأنباري المكرسة لهروب آلاف المواطنين العراقيين عبر "جسر بزيبز" من هجوم مقاتلي الدولة الإسلامية أو "الوحوش" كما يسميهم الكاتب.
أصبح هذا الجسر الصغير على الفرات الذي يربط بين الأنبار وبغداد شاهداً على مآسي العراقيين النازحين من هذه المحافظة المنكوبة عاصمتهم بغداد عام 2016، وهو تجسيد لعلاقات الزمكان (الهرونوتوب) التي تظهر من خلال وصف حياة القرية لقرن من الزمان. ويكاد أن يكون هذا العمل من الروايات العراقية النادرة التي تناولت أحداث اليوم حيث صدرت عام 2017 اي بعد عام من بدء العمليات العسكرية ضد المتطرفين الدواعش.
وأصبح "جسر بزيبز" الصغير مشهوراً في العالم بفضل المحطات التلفزيونية التي نقلت مشاهد نزوح آلاف العائلات العراقية هربا من تنظيم الدولة الإسلامي الإرهابي ووحشيته. هذه التراجيديا الكارثية العراقية بامتياز، التي لم يكن المشاهدون وبخاصة العراقيون يصدقون ما تراه أعينهم، يسردها لنا هذه المرة الروائي والصحفي العراقي المعروف بتكريس كل قصصه القصيرة ورواياته السابقة لبلده المنكوب بقمع الحريات وإضطهاد المناضلين والإعتقالات والحروب والإحتلال والتطرف الديني. 
ولد شاكر الأنباري عام 1957 وترعرع في العراق وأضطر لمغادرته لكنه لم يستوطن بلداً آخر من بلدان المنفى وبقيت روحه متعلقة به وذاكرته حية مليئة بتجاربه الشخصية والآخرين من أترابه ومن كل الأجيال ينهل منها أعماله الأدبية.
تتكون هذه السردية من مجموعة قصص تراجيدية، لكنها ذات ماض جميل، تذكرنا بالروايات الإطارية القديمة تُحكى على لسان الراوي البطل المحبط، الذي يحمل هموم قريته الأنبارية والعراق كله على كتفيه، متجسدة في هرونوتوب جسر بزيبز.
يقول راوي "مسامرات جسر بزيبز" السردية الرائعة في آخر سطور مذكراته "هذه المرة الأولى التي تطأ فيها قدماي جسر بزيبز. لم أسمع به سابقا على الإطلاق..." ص 201، "اليوم وأنا أتذكر تلك الدقائق القصيرة .... التي كنت اودع .. قريتنا...ومدينتنا... جسر بزيبز نحو العاصمة..أصبحت متعتي الوحيدة هي استعادة تلك الحياة، لكنني أشعر بالغضب، والحزن، وأنا أصبها على الورق للأجيال القادمة، كي لا يكرروا الأخطاء التي وقعنا فيها، إلا أن ما يحز في نفسي أني فقدت الأمل تماماً..." ص 206
ليس للمقارنة، إنما لابد لي هنا من الإشارة إلى رواية "النخلة والجيران" لغائب طعمة فرمان، التي يقول فيها أحد أبطالها عندما يرى جنديا بريطانيا يتبول على الجسر: "بغداد صايرة مراحيض مال إنجليز"، بينما يصبح جسر بزيبز هرونوتوباً تتعرض فيه المصائر العراقية لأبشع صنوف الذل والهوان، تنقلها المحطات الفضائية في مختلف دول العالم، كما يشير إلى ذلك الراوي. ونفس الأمر يحدث في رواية "نينا بتروفنا" للكاتب العراقي حسب الشيخ جعفر، حيث يقول بطلها "أسمعُ بيانات ثورة الرابع عشر من تموز... بدأ العنف الدموي الذي لم ينته إلى اليوم بين القوى النيرة والقوى الظلامية". 
"نتحول اليوم إلى فيلم سينمائي عالمي، فيلم تشاهده البشرية كلها،...نصبح ممثلين مهمين،...نتدافع على الجسر الضيق الممتد على نهر، باتجاه العاصمة مثل ضفادع،... يعرضوننا كفيلم مشوق على السي أن أن ...وعلى كل... الفضائيات...الوحوش كانوا هم المنتجين،...مصطفى يقطن في مدينة زوجته،... وماهر وأسرته...مدينة السليمانية، وأنا أقطن في ظل هذه القلعة...وأخي أحمد مع أمي... في إحدى مناطق العاصمة". ص 157
ورغم بشاعة الصورة إلا أن الجسر في "مسامرات  بزيبز" يتحول إلى رمز الخلاص، ولكن ايضا مناسبة للتفكير بمستقبل العراق من خلال مصائر شخصياتها الهاربة من المسلسل الدموي: الراوي وزوجته نادية، مصطفى الذي يلقي اللوم على المحتل، وماهر ابن خالته، أحمد وأمه، كلهم يحملون معهم تاريخ القرية وناستولجيا الحنين الى الماضي والطفولة.
يصبح جسر بزيبز ذروة الهرونوتوبات العراقية الدامية، التي تمتد إلى قرن من الزمان يصورها الكاتب من خلال ذكريات الراوي وحكايات جدّه عن القرية التي ولد وعاش فيها. 
يقول الراوي "ما إن غادرنا جسر طارق متجهين نحو المدينة حتى دخلنا في جحيم حقيقي منذ جدي حميد، بل منذ جده وأولاده، عيث وحامض وعبيد وملحم وبالي، الذين استوطنوا ضفاف النهر قبل مائة سنة ...". ص194 
هل نحن أمام سرديات عن مائة عام من تحول هذه القرى العراقية من العزلة إلى مدينة "عصرية"، ثم تتهاوى وتغرق في الدماء على يد عصابات التخلف، كما فعل غابرييل ماركيز، لكن بعيدا عن الفنطازيا، لأن حقائقنا العراقية المأساوية "وحدها تتحدث عن نفسها" كما كان مكسيم غوركي يقول عندما استلهم الواقع الروسي في رواياته.
وهذا هو ما قام به في حقيقة الأمر الروائي العراقي شاكر الأنباري، حيث قدم لنا في قصصه الأولى وأعماله الروائية معارفَه الدقيقةَ عن بيئته ومناطق طفولته وصباه بلغة روائية تتميز بالإنسيابية والتدفق باستثناء بعض المقاطع. وهذا ما لاحظته على قصصه الأولى عندما كتبت عنه قبل عقدين من الزمن. 
يقول الراوي في تمهيد نهاية "مسامراته" لتاريخ قريته "ثلاث قرى تتقاسم مخيلتي في هذه اللحظة،... قرية الطين، قرية الحجر، قرية التكنولوجيا، حين دخل الموبايل...". ص 123
إنه هرونوتوب هذه القرية، يبدأ من مكان نزوح الراوي في أربيل ليس بعيدا عن قلعتها، وينتهي فيها رغم حلم العودة إلى الديار، وتصبح هذه المدينة وكأنها أليغوريا "تضامن" العراقيين كبشر أينما كانوا عندما يتعرض مصيرهم للخطر.
من أربيل يكتب الراوي مذكراته عن حالة الناستولجيا مدفئاً بها عظامه رغم أنه لا "يقر" بذلك، حيث يعود إلى طفولته وصباه وشبابه في قريته وهروبه إلى سوريا عبر الحدود ليس بدون مساعدة عمه، والحلم بالعودة إلى الجذور، الذي يراود زوجته نادية باستمرار.
"على مقربة من قلعة أربيل التاريخية، وما إن أبتدأ بالتدوين،...مانالنا من عناء ورعب ... أتوهج مثل جمرة، أشتعل، كما لو كنت تنورا،... وقد وضعتُ الحياةَ خلفي. الماضي لن يعود. لا ارغب في رسم شمس ... كي أتدفأ بها". ص 48 
تتعرض قريته الواقعة في الصحراء على الجهة الأخرى من الفرات إلى هجمة "الوحوش" الملثمين الذين يمتهنون القتل وكأننا هنا أمام أليغوريا الظلام والدمار، وتصبح الجثة المرمية في العراء رمزا لهذه القسوة، وتجسد المقبرة زمكان الصراع بين الماضي الجميل رغم صعابه والحاضرالمليء بالعنف.
ذكرتني هذه الهرونوتوبات برواية "حياة ثقيلة" المهمة لزميله ومجايله الروائي العراقي سلام إبراهيم، حيث إستخدم كلا الروائيين طريقة "عودة البطل" ومن خلالها تبدأ التراجيديا السردية المليئة بتقاطعات زمكانية عراقية بامتياز. 
يوزع الكاتب أفكاره على أبطاله في تداخل زمكاناتهم من خلال تنقلاتهم المكانية وسرد ذكرياتهم وحكاياتهم عن زمانهم المتغير، وحاضرهم الكارثي وماضيهم "الجميل"، وهو، هنا لا يترك ذكرى تهمه دون أن يستخدمها ضمن المغزى الفني لعمله. 
يقول الراوي عن جده "كان جدي يردد... صرنا نشتري الباذنجان والرقي،... من المدينة، ونُلبسُ نساءنا الملابس الداخلية، ونشرب الأدوية بدلا من قراءة التعاويذ...". ص38  ونقرأ على لسان الجد في مكان آخر من الرواية عن نباح غير طبيعي للكلاب "إنه ضبع، تطارده الكلاب. ما الذي ورطك، أيها الضبع بين جيش من الكلاب؟ كيف تجرؤ ... إنه ضبع طردته الكلاب..." ص 45، وهي بالتأكيد كلمات تنم عن حكمة شعبية لها علاقة بأحداث الرواية ومنظومتها الأليغورية. 
ونقرأ في الرواية عن تطورات القرية "جلب عمي ...راديو نوع فيليبس، يشتغل على بطارية...أهم مؤشر على المرحلة الجديدة،... جدي يستمع إلى المغنين الريفيين القادمين من جنوب بعيد... نتلمس لهجته المختلفة قليلا عن لهجتنا". ص70 يصور الكاتب كيف يسخرون من الجدة العجوز مياسة لأنها تتصور أن المذيعين يجلسون في الراديو! "ضحك جدي مستخفا بعقلها الساذج...". ص 74  ويصبح "معمل الزجاج القريب من الجسر،... ودولاب الهوى... كما لو كان شاهدا على عصر جديد،..." ص 52 
أما حكايات لافي الحرامي وأدواره المسرحية الساخرة ذات الغرابة والعجائب، تذكرنا بسخرية الكاتب الروسي الراحل فاسيلي شوكشين، الذي تناول الريف و الكاتب الفرنسي فرانسو رابليه المعروف بخماسيته "حياة غارغانتوا وبانتاغرول"، الذي قال الكتابة عن الضحك افضل من الدموع لأن الضحك سمة الإنسان. 
تجسد هذه الحكايات الساخرة زمكاناً ريفياً من واقع القرى النائية المليئة بالأجواء الهزلية وبخاصة في الأعراس، أنظر ص108، "فالإنسان وحده من يعرف الضحك" كما يقول أرسطو مما جعل الرواية تتميز بشعبية ساحرة أكثر تماساً مع الواقع.

د. زهير ياسين شليبه أستاذ جامعي مقيم في الدنمرك
هذا المقال جزء من دراسة موسعة.
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات