GMT 15:00 2017 السبت 28 يناير GMT 9:27 2017 السبت 4 فبراير  :آخر تحديث
فتى الشاشة يروي سيرة حياته (5\11) 

عماد حمدي "الورقة الرابحة": حبٌ ونجاح مع فتحية شريف

أحمد طه من القاهرة

"إيلاف" من القاهرة: لمناسبة ذكرى وفاته، تُلقي "إيلاف" الضوء على مسيرة الفنان الراحل عماد حمدي الذي لُقِّبَ بـ"فتى الشاشة الأول" لأكثر من 20 سنة، من خلال عرض مذكراته التي صدرت بتوقيع الناقدة إيريس نظمي قبل أكثر من 3 عقود، علماً أن الراحل سجّلها قبل وفاته.
وفي الجزء الخامس يتحدث عن زواجه من الفنانة فتحية شريف ويسرد نشأة قصة حبهما في نقابة الفنانينن، بالإضافة لاستقالته من "استوديو مصر".

إحتراف السينما
ويستمر "حمدي" بسرد مذكراته، ويقول: بدأ المونتير كمال الشيخ يتجه هو الآخر إلى الإخراج السينمائي. ولقد لمسنا من البداية اهتمامه بأفلام التشويق والحركة بكل ما فيها من غموض وإثارة. فهذا النوع من الأفلام لم يكن موجوداً بصورةٍ واضحة وقوية على الشاشة المصرية. وهكذا شاركت فاتن حمامة في بطولة أول فيلم يخرجة كمال الشيخ المنزل رقم 13 وقد حقق نجاحا كبيراً لانه لم يكن مالوفاً لدى الجمهور. ولقد تكرر معه ما حدث في دار سينما "ريفولي" عندما عرضنا فيها فيلم "سجى الليل" الذي كان أول فيلم مصري يستمر عرضه لأربعه أسابيع متواصلة في الدار السينمائية التي كانت مخصصة فقط للأفلام الأجنيبية وللجمهور الأجنبي. ولكن الأمر تكرر مع هذا الفيلم في دارٍ سينمائية أخرى هي سينما مترو. والعجيب أن عرضه استمر لمدة أربعة أسابيع تماماً، كما حدث مع فيلم "سجى الليل" في دار سينما ريفولي. ولقد أصبحت آنذاك مرتبطاً بالأعمال السينمائية الأولى لأكثر من مخرج جديد.


الورقة الرابحة
وهكذا شاءت الصدفة أن أكون مشاركاً في التجارب السينمائية الأولى للعديد من المخرجين الذين أصبحوا فيما بعد من كبار مخرجي السينما العربية. وتكرر ذلك الموقف أيضاً مع المخرج عاطف سالم الذي كان يعمل قبل ذلك مساعداً للمخرج حلمي رفلة حين عملت معه بفيلم الحرمان، ولعل اشتراكي في بطولة الأفلام الىولي لكثير من المخرجين هو الذي جعل أحد أصدقائي يسميني "الورقة الرابحة". أو ربما هكذا تخيلوا أني أصبحت الورقة الرابحة والمضمونة في نظر أغلب هؤلاء المخرجين.
وأصبحت منهمكاً ومشغولاً باستمرار بأداء الأدوار الجديدة. أنتهي من هذا الفيلم لكي أستعد لفيلم آخر جديد. ولعل ذلك هو السبب الذي جعلني أشعر بالحاجة الشديدة للراحة والإستقرار. فسألت نفسي: ماذا بعد كل هذا العمل المتواصل؟ وماذا بعد كل هذا النجاج؟ فأنا لم أكن من هؤلاء الذين يبهرهم النجاح، فيفقدون عقولهم وإتزانهم ويبددون عواطفهم وصحتهم في الفراغ ويهدرون مشاعرهم الإنسانية في الحانات.
بدأت أشعر بحاجتي إلى الاستقرار داخل بيت مع زوجة اقدرها وتقدر ظروف وطبيعة عملي وتقف إلى جانبي لتخفف عني وتشاركني رحلة الحياة بكل أحداثها ومفاجآتها المؤلمة والسارة معاً. وأنا كنت في العادة أقضي سهراتي داخل نقابة الفنانين في شارع عماد الدين، حيث ألتقي مع زملائي من الفنانين والفنانات ونتحدث طويلاً في أمورنا الخاصة والعامة. ولقد كانت هذه السهرات ودية. وهناك رأيتها لم تكن بعيدةً عني، فهي فتحية شريف فنانة معروفة بل كانت نجمة فرقة الريحاني. صوتها جميل ومعبِّر تغني بتفوق أغاني وألحان سيد درويش وزكريا أحمد، وكان آخر أعمالها الفنية العرض الغنائي "عزيزة ويونس" الذي قُدِّمَ علي مسرح الأزبكية واشترك معها في بطولته يحيى شاهين وحسين رياض، فيما قامت هي بأداء دور عزيزة وأدت 16 لحناً غنائياً. علماً أنها بدأت نشاطها الفني بأداء "المونوتوجات" ولم يكن ذلك شيئا سهلاً.

مع زوجته الأولى فتحية شريف
مع زوجته الأولى فتحية شريف

 


مرحلة الإستقرار
كنت أعرف فتحية شريف قبل أن أراها لكني عرفتها أكثر من خلال جلسات ولقاءات نقابة الفنانين. عرفتها عن قرب كإنسانة أنها مثلي تميل إلى الإستقرار. كانت قد تزوجت وأنجبت بنتاً. لكن زواجها لم يستمر، فأصبحت وحيدة تعيش فقط للغناء والمشاركة بصوتها الجميل في العروض الغنائية الجديدة. وتكررت لقاءتي معها. وفي كل مرة كنا نشعر بحاجة كل منا إلى الآخر. هي تبحث عن الإستقرار العائلي وأنا أيضا بطبعي أحب الإستقرار والحياة العائلية.
طبعاً ستندهشون، لأن الفكرة العامة عن الفنانين هي أنهم لا يحبون الإستقرار، وكالطير يتنقلون من شجرةٍ إلى شجرة. لكن الفنان قبل كل شئ إنسان يحلم بالاستقرار، ويتمنى أن يكون له بيت وأسرة. على أي حال كان بطبعي الميل للحياة الأسرية المستقرة. وهذا ما جعلني أقترب من القرار الحاسم وهو قرار الزواج.
وتزوجت فتحية شريف في عام 1946 واستمرت حياتنا العائلية هادئة موفقة وزاد من تفاهمنا أنها فنانة مثلي وتقدِّر ظروفي وطبيعة عملي. الزوجة غير الفنانة تغضب وتثور إذا رن الهاتف وكانت المتحدثة فتاة أوسيدة معجبة تسأل عن الفنان الممثل، أو تعبِّر عن إعجابها بأدائه لأحدث أدواره، أو ربما تنتقد طريقة أدائه لأحد الأدوار بدافع الحب والخوف عليه. ومن الطبيعي أن الزوجة غير الفنانة لن تفهم كل ذلك وستشتعل في قلبها نيران الغيرة التي دمرت بيوتاً كثيرة كانت هادئة ومستقرة وسعيدة. لكن الحقيقة أن زوجتي لم تكن تغضب عندما تسأل عني معجبة. وكانت تحاول أن تخفف من خجلي الشديد وتقول لي أن ذلك طبيعي، فلماذا الحرج والخجل. فالممثل الناجح لديه عشرات المعجبين والمعجبات. وكانت تعطيني سماعة الهاتف وهي تبتسم بلا غضب وبدون ضجر أو غيرة حمقاء. ولأنها فنانة، كانت تشاركني معظم جلساتي مع بقية الممثلين والمخرجين. فعندما جاء المخرج عز الدين ذو الفقار لكي نتفق معاً علي الفيلم الجديد "أنا الماضي" كانت هي حاضرة معنا تشاركنا الحوار والرأي بكل الحب والمودة وبكل الحرص علي زوجها. وزاد من تقديري لها أنها بدأت تضحي بفنها من أجل حياتنا العائلية خاصة بعد أن أنجبت ابننا نادر الذي أضفى علي حياتنا مزيداً من الإستقرار.
وكنت أقول في سرّي: ماذا يريد الإنسان غير زوجة تقدِّر ظروفه وتخفف عنه متاعبه، وتقف إلى جانبه لتشاركه رحلة الحياة الشاقة الطويلة. فأحمد الله على تلك الزوجة التي تحاول بكل جهدها أن تسعدني، وتضحي من أجلي. فلقد توقفت عن ممارسة نشاطها الفني، وهي في قمة نجاحتها لكي توفر كل وقتها وطاقتها لرعاية إبننا نادر. ووجدت في نشاطي الفني تعويضاً عن حرمانها من العمل الفني الذي توقف بسبب الزواج. وأصبح نجاحي نجاحاً لها والحقيقة أني لم أجد الزواج عائقاً يعطلني أو يؤخرني ويبعدني عن العمل السينمائي. بل بالعكس كانت مرحلة ما بعد الزواج مليئة بالحماس وبالأمل وبالعمل. ولإنني أؤمن بالفأل الحسن، أصبحت مقتنعاً أن زواجي من فتحية شريف كان فالاً حسناً. فبعد الزواج انهالت علي عقود العمل في الأفلام الجديدة. وتوثقت علاقاتي بالمخرجين. فإلى جانب بركات والتلمساني وصلاح أبو سيف وكمال الشيخ وعاطف سالم، توثقت علاقاتي أيضا بضابط المدفعية الذي أحب السينما حباً رومانسياً رائعاً عز الدين ذو الفقار.

 

مع الضابط ذو الفقار
ولقد كان "عز" بالنسبة لي اكتشافاً لرجلٍ ضخم الجسم، لكنه رقيق المشاعر إلى أبعد الحدود. وكنت أرى فيه فنان وضابط. شخصيتان في جسدٍ واحد،  لكونه يجمع الرقة إلى حد الشاعرية والإنضباط إلى حد القسوة. ومن لا يعرفه جيداً، يتصور أنه لم يستطع التخلص من جدية وجفاف ضابط المدفعية، لكن الذين عرفوه مثلي اكتشفوا فيه رقته المتناهية وشفافية روحه وعمق تفكيره. وذلك لأنه كان في أعماقه طيباً جداً وإنساناً جداً. وكان "إناء الماضي" هو أول الأفلام التي جمعتني بالمخرج عزالدين ذو الفقار. لقد أحببته وأصبح من القلائل الذين فتحت لهم قلبي وبيتي وتوثقت بيننا العلاقات الفنية والأسرية. واحترمت فيه أيضاً حرصه على أن  يكتب بنفسه سيناريوهات أفلامه. وعندما يكون المخرج صاحب الفكرة وعارفاً بأدق تفاصيلها، فإن إحساسه بالفيلم يصبح أقوى. وتتحول القصة في ذهنه إلى شريط من الصور المتحركة. وبعد أول جلسة معه، تساءلت في حيرة كيف ضل ذلك الفنان طريقة إلى سلاح المدفعية. إنه صاحب عقلية سينمائية وكان لابد أن يتخذ قراره الحاسم بأن يعيش بقية أيام عمره في أنسب مكان في عالمه الحقيقي داخل بلاتوهات السينما.
واكتملت سعادتي عندما علمت ذات يوم بخير ترشيحي مع فريد شوقي وسامية جمال للإشتراك بالتمثيل في فيلم "الصقر" الذي كان مفروضاً ان يتم تصويره في إيطاليا. وأنا لا يمكنني أن أنسى ذلك الفيلم أبدا فبسببه كدت أفقد أحد أصابعي.

وداع استوديو مصر
وبقيت ثماني سنوات أعمل ممثلا سينمائياً نظير مكافآت تُدفع لي حسب ظروف الدور والعمل في كل فيلم جديد. لم يكن من السهل توقيع العقود معي لإني كنت ما ازال في وظيفة تابعة  لاستديو مصر صحيح ان المكافاة التي كنت اتقاضاها قد ارتفعت من مائتي جنيه إلى 800و900 جينه لكن هذا الوضع القلق كان يجب أن يُحسم بشكلٍ نهائي. وكنت وقتذاك قد أصبحت نجماً سينمائياً معروفاً. واستمراري في العمل الوظيفي يسبب لي نوعاً من الحيرة. وذات يوم فوجئت باستدعائي من مكتب محمد بك رشدي رئيس "بنك مصر" الذي كان متزوجاً من إبنة طلعت حرب باشا. فذهبت للقائه في مكتبه. وقلت له أنا تحت أمرك. فبدأ يحدثني. لكني لاحظت في كلماته كثيراً من الحرج إلى أن قال لي في النهاية. لقد أصبحت الآن مشغولاً جداً بالتمثيل. وأعتقد أنه من الصعب أن تجمع حالياً بين الوظيفة والتمثيل. وعليك أن تختار، إما أن تحتفظ بالوظيفة وسنعطيك في هذه الحالة علاوة كنوعٍ من التعويض، وإما أن تستقيل وكان في جيبي في تلك اللحظة عدد من العقود التي وقعتها لتمثيل أدوار وأفلام جديدية تبلغ قيمتها خمسة آلاف جنيه. لكني سألته: وكم ستبلغ هذه العلاوة؟ أجاب: عشرة جنيهات وكانت الجنيهات العشرة في ذلك الحين مبلغاً كبيراً لا يستهان به. وكدت أقول له نعم سأستقيل. لكن حبي الشديد لاستوديو مصر أوقف الكلمات في حلقي.
فأنني أشعر أنني ولدت وكبرت في استوديو مصر. عرفت فيه معنى النجاح والأمل والإصرار. وعشت فيه أهم الذكريات والأحداث، رئيساً للحسابات ثم مديراً للانتاج. ثم مديراً للتوزيع. وكنت أشعر بأن هذا الاستوديو مثل بيتي تماماً. ولا شك أن فراقه سيؤلمني ويضجرني. كنت أتمنى أن أظل محتفظاً بالوظيفة حتى لا يتم حرماني من هذا المكان الذي أشعر بأنه ليس فقط بيتي بل جزءاً هاماً وخاصاً من حياتي. لكن رئيس "بنك مصر" كان ينتظر مني القرار النهائي، ولابد في النهاية من تضحية. إما أن أضحي بوظيفتي أو بفني. فقلت بنفسي لا  لا. وأجبته: "يا افندم اعفيني من الوظيفة ساستقيل".


وأعطوني مكافأة قدرها 400 جنيهاً بمجرد الإنتهاء من إجراءات الإستقالة وكانت لحظة مؤثرة جدا تلك التي ألقيت فيها النظرة الأخيرة على تلك الغرفة الحبيبة التي عشت فيها أجمل الذكريات واندفعت خارجاً حتي أبكي. وداعاً أيها الباش كاتب العزيز يا من تعيش في شرايني في دمي. وداعاً يا مدير الإنتاج وداعاً يا مديرالتوزيع. مهما يحقق الإنسان من نجاج، فإن الأيام الأولى في حياته تظل مهبط الذكريات. أيام الأحلام المستحيلة وانتظار الغد المجهول. فلولا وظيفة الباش كاتب في استوديو مصر، ماكنت اقتربت من عالم السينما ولا عشت أحداثه ومشاكله وتفاصيله. ولربما كنت قضيت بقية أيام حياتي وراء مكتب في مصلحة حكومية. ولذلك سأظل وفياً لوظيفة الباش كاتب التي لولاها ما كنت اندفعت في طريق الاضواء، وما كنت وصلت إلى الشاشة الفضية لاصبح واحداً من نجومها. آه لو كنت أستطيع أن آجمع بين الوظيفة والتمثيل ليس حباً في المال، ولكن وفاءً للوظيفة التي ساعدتني.

مع حمامة ويسري
واستمرت حياتي الأسرية هادئة بعد أن عرفت معنى الإستقرار مع زوجتي فتحية وابني نادر الذي كنت آراه يكبر أمامي كل يوم. فقد كنا أسرةً صغيرة تعيش وسط جوٍ من التفاهم والثقة المتبادلة، واستمر نشاطي الفني في التصاعد يوماً بعد يوم. وتكرر ظهوري مع فاتن حمامة ومديحة يسري. فالعمل مع فاتن مريح لكونها إنسانة ملتزمة جداً تحترم عملها. لكن ربما كانت مديحة يسري مناسبة ولائقة أكثر من ناحية الشكل للظهور معي خاصة إني لم أكن صغير السن. ففاتن كانت تبدو أصغر مني سناً بشكلٍ لافت. أما مديحة فكانت تعطي الإحساس بأنها سيدة وأنها من ناحية الشكل مناسبة أكثر للظهور أمامي في الأفلام.

رياح التغيير
وكان يمكن أن تستمر حياتي هادئة هكذا لسنواتٍ عديدة قادمة – لولا ذلك القطار الذي توقف فجاة في محطة منتصف العمر فانطلقت مع صفارته وضجيجه رياح التغيير التي هبت دون توقع على حياتي الهادئة أقصد التي كانت هادئة. والتفاصيل في الحلقة القادمة. 
ملاحظة: تتابع إيلاف نشر سلسلة المذكرات الشخصية للفنان الراحل "عماد حمدي" تباعاً ويومياً حتى الحلقة الحادية عشر. علماً أنها عملت جاهدة على الإختصار لمدوناته الطويلة. 
(ملاحظة: يمكنكم قراءة الحلقات السابقة عبر النقر على عناوينها إلى الشمال أعلاه تحت عنوان "مواضيع ذات صلة")


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ترفيه