GMT 11:00 2007 السبت 19 مايو GMT 11:44 2007 السبت 19 مايو  :آخر تحديث

جمانة حداد: عشاقي 150 شاعرا انتحروا في القرن العشرين

إيلي الحاج

حوار مع الشاعرة جمانة حداد (1/2)

أجرى الحوار إيلي الحاج في بيروت: عندما تواعدت مع الشاعرة جمانة حداد على لقاء للنشر أردته على سجيته، عفوياً إستكشافياً لكتابها الجديد الذي لم يكن صدر بعد، وبالتالي لم تكن لدي فكرة كاملة عنه. الإنطباع الأولي: يا لغرابته عنوانا لأنطولوجيا! "150 شاعراً انتحروا في القرن العشرين". لاحقاً قبل اللقاء الذي امتد في أكثر من جلسة، أرسلت إلي الكتاب أوراقاً من المطبعة في مرحلة التنقيح والتصحيح، كتاب ضخم في 655 صفحة من الحجم الكبير. الإنطباع التالي: من أين جاءت هذه المرأة النحيلة الناعمة بكل هذه القوة، والجلد، والمثابرة لتجمع عناصره المكتوبة في جهات الأرض بألسن برج بابل وتنقلها إلى العربية كلمة وراء كلمة، وداعاً وراء وداع ؟ ستقول لي "إنه الشغف لا أعمل شيئاً دونه . شغوفة بما أفعل هذه طبيعتي". لا يلغي تعليلها في المتابع القارىء المنصت المتأمل في جناها، فكرة أن هذه الشاعرة متعددة وافرة ، بمعنى أبعد من قول قديم "كل لسان بإنسان"، هي الذاهبة في كتابها إلى لغات شعرائها، العائدة بهم إلى العرب بعدما نبشتهم حفراً بأظافرها في تعبير تحبه "لأنه يشبهني" .
شغوفة وقوية . شاعرة الأعماق ومترجمة الشعراء الشابة لا تخاف، تجاوزت شعور الخوف العادي من زمن وهي تنقب في دواخلها وفي قبور 150 شاعراً وشاعرة من ثمانية وأربعين بلداً أحبتهم بل عشقتهم، وها هي تعرفنا إليهم روّاد الصدق هؤلاء الذين أكملوا إلى الآخر ، عبروا الحافة إلى ما بعد الصدق، محولين قصائدهم في ختام حيواتهم الإرادي كلمات أخيرة في وجه العالم.
شاعرة أعماق، وأكرر أن الأكثر إدهاشاً في عالمها السحري قدرتها على البحث الجدي و"الكدح": بجهد جسدي ونفسي وذهني وروحي هائل مدى أربع سنين جمعت واطلعت على سبعين مرجعاً من كتب وأنطولوجيات بلغات متعددة ذكرتها في الكتاب. معلومة واحدة بسيطة بعض الأحيان كانت تستلزم منها أسابيع طويلة من البحث، وترجمت قصائد شعرائها مباشرة عن لغاتها الأصلية المكتوبة بها، الفرنسية والإنكليزية والإيطالية والإسبانية بينما استعانت بمراجع ثنائية اللغة للألمانية والبرتغالية كسند ثانوي، وقصائد شاعر أرمني عن الإنكليزية لأنه كتب بها رغم معرفتها بها. والأنطولوجيا بسبع لغات، وقبالة كل قصيدة بلغتها الأصيلة قرينتها العربية المترجمة. ولكل شاعر في الكتاب نبذة شعرية عن حياته، وصورة، ومع الكتاب أسطوانة مدمجة بصوتها تقرأ قصائد بالعربية لشعرائها وخلفية للقصائد نفسها باللغات المكتوبة بها . تأسر بالكلمات والصوت.
أكثر من شاعرة جمانة حداد.
 
*سؤالي الأول خارج السياق، ما رأيكِ في ما ورد في مقال باسم المرعبي في" إيلاف " عن كتابك؟
- (تبتسم) عموماً لا يهمني الردّ على مثل هذه المسائل، لكن الموضوع مدعاة للشفقة، حقاً. لقد عنون الأخ باسم المرعبي مقاله "الإدهاشي" على الشكل الآتي: "ما الفارق بين انطولوجيتين شعريتين... سويدية ولبنانية؟"، فقلتُ في نفسي للوهلة الأولى: "واو"، يا للمصادفة، كتابان متزامنان حول الموضوع نفسه، في بلدين مختلفين! وإذا بنا نقرأ مقاله العظيم ذاك، فنكتشف أن الأنطولوجيا السويدية التي يذكرها لا تتناول حقاً الشعراء المنتحرين: كيف يكون ذلك وهي تضمّ، على قوله، قصائد لشعراء، إما لم ينتحروا (ديكنسون! شكسبير! هولدرلن!...الخ)، وإما لشعراء ما زالوا احياء يرزقون (ترانسترومر! هالستروم!...الخ). هي إذاً "قصائد للعزاء"، أي ضد الموت، على ما يدل عنوانها، وليست أنطولوجيا عن الشعراء الذين انتحروا. لا افهم تالياً المنطق "العلمي" و"الأدبي" الذي دفع المرعبي الى مقارنتها بعمل باللغة العربية من حوالى 700 صفحة يتناول حصراً عالم الشعراء المنتحرين في القرن العشرين وقصائدهم! ثم كيف يسمح لنفسه بانتقاد كتابٍ لم يقرأه؟ أين الصدقية في تصرّف مماثل؟ هل تكفي مقتطفات منشورة في الانترنت، تشكّل أقل من نسبة واحد في المئة من كتاب ما، للحكم عليه؟... في أي حال، كتابي "يدافع" عن نفسه، وهو ليس في حاجة الى مساعدة مني.
أما أنطولوجيا الانتحار الاسبانية التي يتحدث عنها، فهي مذكورة طبعاً في مقدمة كتابي، كما في قائمة المراجع والمصادر، شأنها شأن كل الكتب التي تناولت هذا الموضوع من قبل (أو اقله تلك التي توصلتُ الى المعرفة بها)، وهذا اقل واجب، أخلاقياً ومهنياً وضميرياً وأدبياً.
أما ستيغ داغرمان، فلا يخفى بالتأكيد على "العارف" باسم المرعبي أنه كان روائيا لا شاعرا، وهو يرد تاليا في لائحة الروائيين المنتحرين في آخر أنطولوجيتي. أما بقية ما جاء من "تنفيس" مجاني ومن استنكار متحسّر، في المقال كما في بعض التعليقات التافهة عليه، فلا يستحق الردّ: القافلة تمرّ...

* ألا تزعجكِ الهجومات الاعتباطية؟
- لِمَ تزعجني؟ متى عُرف السبب، بطل العجب، وما يحصل منطقي وطبيعي، وقد اعتدته: ليس كل البشر أسوياء ولا عادلين، ولا بدّ من بعض العقد النفسية والدناءات هنا وهناك، كي "تبهّر" حياتنا. أنا أهتم بالنقد الراقي وأحترمه وأطلبه، أما الباقي فليس عندي وقت له. هناك في عالمنا مساكين كثر يصل بهم البؤس والفراغ الى أن يصنعوا من كرههم المرضي لك اسماً لأنفسهم، وحضوراً طفيلياً قصرت عن تحقيقه لهم مواهبهم "الدفينة"، وذلك بناء على قاعدة: "أنا عدوّك، إذاً أنا موجود": هذا يهاجمك لأنه أرسل لك نصا رديئاً ولم تنشره، وتلك تنقض عليك لأنها تتوهّم أنك سحبت بساط النجاح من تحت قدميها (وهي لا بساط لديها ولا من يحزنون!)، وثالث يشتمك لأنه مشروع "دون جوان" فاشل، ولا تتحمل ذكورته المستفحلة تجاهلك له، وهكذا دواليك... لكنهم ينسون، المساكين اولئك، أن للعداوة أصولاً وقواعد وشروطاً، أولها الندّية. ولا يصدّقون أنك مشغول بأمور أخرى، وأنك إذا التفتّ إليهم من وقت الى آخر، فلأن الضحك – كما قال لك طبيبك - خير دواء!
حقاً، كانت لتكون بعض فشّات الخلق هذه جنّةً لفرويد، تسرح فيها تأويلاته وتمرح، لو أنه لما يزل على قيد الحياة. لذلك دعنا من هؤلاء، ولننتقل الى الموضوع الحقيقي...

* لماذا ارتكبتِ هذا الكتاب الصادم، ألتلقي الناس في الدوار؟ شخصياً كدت أن أشهق يا إلهي وأنا أقرأ قصيدة لإمرأة تموت خوفاً بعينين مفتوحتين ( إميليا روسيللي) وأخرى ( مارينا تسفيتاييفا) تناشد العالم "يجب أن تحبوني لأني سوف أموت"، وغيرهما وغيرهما. فكرت أن كل العالم يكذب عدا هؤلاء القائلين كلماتهم الأخيرة، ما الذي جذبك إليهم؟
- أكثر من سبب. الأول شعري، أوردته في المقدمة. منذ نحو أربع سنوات بدأتُ أنشر سلسلة ترجمات شعرية لملحق جريدة "النهار" الثقافي. قصائد لشعراء اخترتهم لأني أحبهم، وأنا لا أترجم شعراً إلا لمن أحبهم أصلا. هؤلاء لم أكن أعرف عنهم إلا أعمالهم الشعرية، ولا شيء تقريباً عن ظروف حياة بعضهم. واكتشفت بل فوجئت كثيراً عندما دخلت حيواتهم، لأكتب نبذة عن كل منهم تقديماً لقصائده، أن عددا كبيراً من الشعراء الذين أحبهم منتحرون. من هذه النقطة انطلقت الفكرة. وبدأت بمجموعة ضئيلة أحبها كثيراً: تشيزاري بافيزي، ألفونسينا ستورني، فلاديمير ماياكوفسكي، جان جوزف رابياريفولو، ماريا تسفيتاييفا... بعد ذلك، كل باب كنت أفتحه يفتح على عشرة أبواب فأكتشف وراءه سلسلة أسماء يستحق أصحابها شعرياً إلقاء الضوء عليهم. أصلا لطالما هجست بموضوع الشعراء المنتحرين، وأول مقال كتبته عن الموضوع نشر في "الملحق" عام 1999، وعنوانه "جينة الشعر القاتلة".
السبب الثاني، هل أسميه عاطفياً أو إنسانياً؟ أتأثر جداً بالإنتحار. إنه فعل حرية لا أزال إلى الآن لا أعرف تحديده، بعضهم يقول إنه فعل شجاعة وبعضهم فعل جبن. لا أعرف ولا أريد أن أعرف. أعتبر أنهم في مكان آخر، في مكان ثالث لا هنا ولا هناك.
ثم، يهمني الموضوع شخصياً لسببين. الأول أن جدتي لأمي انتحرت، وقد أهديتها الكتاب، وعنى لي انتحارها كثيراً. كان عمري خمس سنوات يومذاك وتأثرت جداً. من ذلك الوقت لم أتوقف عن التفكير في ما فعلت وأسبابه. وتعرف عندما ينتحر فرد من العائلة يصبح الكلام على الموضوع نوعاً من "تابو". بقيت أستفسر وأسأل عنه وألقى تهرباً من الأجوبة. حتى أمي كانت تجد طريقة لتتهرب من أسئلتي عن والدتها.
السبب الشخصي الثاني هو جميع هؤلاء الجميلات والجميلين الذين نحبهم وانتحروا: مارلين مونرو، سعاد حسني، داليدا... ذكرتهم في الكتاب. وإذا أردنا العودة إلى البدايات: يهوذا الإسخريوطي. يعني لي كثيراً هذا الرجل مذ كنت صغيرة، تلميذة في المدرسة، رغم أن المعلمات كن يحرضن ضده، مشهده عندما انتحر أراه رائعاً. هل أراه مظلوماً؟ لا، بل رائع وجميل جداً. لو كان يحق في أن أغير التاريخ، بمعجزة ما، لما كنت أغيّر في قدر يهوذا. أدعه يخون المسيح وينتحر.
هذه هي أسباب الكتاب عموماً. تشبه "بازل" اجتمعت عناصره كلها. وطبعاً، يبقى الموضوع غير المرتبط بالإنتحار، وهو أني معنية جداً بالترجمة الشعرية.

* أتساءل عن نظرتك إليهم، فيها الشفقة...؟
- لا لا. بالعكس. أنا معجبة بهم وأحبهم، بالأحرى أعشقهم. كلمة الشفقة لا تنطبق أبداً على شعوري تجاههم. مأخوذة أنا ومفتونة بهم. بالنسبة إلي هم لم يضعوا حداً لحيواتهم، بل انتقلوا من مكان إلى مكان. هذه إشكالية في ذاتها: بدل أن ينتظروا أن يُفتح لهم الباب، قرروا أن يفتحوه بأنفسهم. هذا الفرق الوحيد بيننا وبينهم. نحن جالسون ننتظر أن يقال لنا "تفضلوا"، أما هم فلا يريدون أن ينتظروا.

* بمعنى، أخذوا دور الله؟
- ربما هم يتحدونه ولم يأخذوا دوره. يقولون له: نحن أيضاً نريد أن نقرر. أنت قررت عنا أن نخلق، ونحن نريد أن نقرر عن أنفسنا الرحيل. وأكرر: الرحيل من هنا إلى مكان آخر.

* لكان أي أحد آخر رآهم مرضى نفسيين، تجتاحهم غريزة التدمير الذاتي القابعة في كل إنسان بحسب فرويد.
- على فكرة، فرويد انتحر. ليس قليلاً أنه هو أيضاً اختار بنفسه أن يرحل، إنما فعل ذلك لأنه كان مريضاً. لا أتناول الإنتحار بمعنى الخلاص من وضع ما، بل ذاك الذي أسبابه وجودية.

* ماذا عن ردود الفعل الأولية، الإستباقية على عملك، كيف قابل الناس عموماً معالجتك هذا الموضوع النافر؟
- لاحظت ثلاثة أنواع من ردود الفعل. الناس من حولي، معظمهم شعراء، يفهمون المقصود فوراً، ويحتفون بفكرة الكتاب. آخرون يعتبرون الشعراء المنتحرين مجرد مرضى نفسيين كما قلت. أما النوع الثالث فهم الذين يروّعونني، أي اولئك الذين يعتبرونهم خطأة من منطلق ديني. طريقتهم في مقاربة الأمور تروّعني وتحزنني أيضاً، ولا جلد لي حتى على المناقشة معهم، لأنها ستكون ضرباً لرؤوسهم بالجدار. لا يمكن الوصول معهم إلى مكان مشترك لأنهم يعيشون على كوكب آخر ولا علاقة لهم بالموضوع. هكذا يجيء بعضهم ويطرح عليّ السؤال المذهل: "لماذا تحققين أنطولوجياً عن هؤلاء؟ إنهم خطأة".
عندما يقتل الإيمان خيالك تصبح الحالة مأسوية. يجب أن يكون دور الإيمان فتح المدى لخيالك أكثر فأكثر، حتى لو غصباً عنه. المسألة أن ليس كل الناس يستطيعون النفاذ إلى أبعد من الفعل في ذاته، يتلهون بروايات عن أسبابه: هذا تركته صديقته أو تلك تركها صديقها، فانتحرا... يسطحون الموضوع ويسخفونه، مع أن معظم الشعراء المنتحرين أقدموا على خيارهم لأسباب وجودية، أسباب تتعلق بمبدأ "نكون أو لا نكون". ألبير كامو يعتبر ( في "المتمرد") أن الإنتحار هو الموضوع الفلسفي الوحيد. أفهم طبعاً ذهابه هذا إلى المطلق.

* هنا مسألة نظرة العامة إلى الشعراء: أن يكون المرء شاعراً يعني أن ثمة مشكلة نفسية، بقدر أو بآخر، على ما يعتقد البعض.
- أرفض هذه المعادلة. رأيي أن الموضوع أعمق. كل الناس يعانون مشاكل، ولا استثناء. الفارق هو أن الإنسان العادي يمكن ألا ينتبه، ألا يمتلك القدرة الكافية ليدخل ذاته وينبش فيها ويخرج منها هذه المشاكل. أو إنه يمتلك القدرة لإخراج هذه المشاكل من ذاته، لكنه يفتقد القدرة على كتابتها، على التعبير عنها باللغة.

* إذا لم يكتب المرء معاناته، هل يعني ذلك أنه لم يواجهها؟
- إذا لم يكتبها، قد لا يكون شاعراً، لكنه بالتأكيد إنسان عميق ما دام يعيها. هناك كثر حولنا عميقون وليسوا شعراء، إنهم "شعراء الحياة". كلنا مأزومون في النهاية، لكن هناك من لا يتنبهون إلى أزماتهم، ربما لحسن حظهم، وربما يخسرون من حياتهم أشياء، صحيح أنها مؤلمة لكنها جميلة. ما أريد توضيحه هو أن ليس الشاعر من يعاني أزمة بل هو الإنسان الذي يفتش في ذاته ويحفر وينقب ويولّد من أزمته أو مشكلته النفسية، أو حتى من لذائذه، قصائد.
وأيضاً في موضوع الإنتحار. هناك "المنتحرون الأحياء"، الذين تحدثت عنهم في مقدمتي. منتحرون يبقون على قيد الحياة، وهذا هو الفرق الوحيد بين من خطا هذه الخطوة ومن لم يخطها. وربما من خطاها بقي حياً أما هم فلا.

* أكيد تلقيتِ تحذيرات: "إياكِ الإنتحار...".
- (تضحك) سمعت كثيراً هذا الكلام، بعضهم يقوله عن قلق صادق وأفهمه. في الواقع أنا أبيقورية جدا،ً ومن مذهب التمتع بالحياة. طبعاً في دواخلي مناطق مدلهمة، ولكن هذه ليست طبيعتي. وكنت أدرك مسبقاً أن كثراً سيربطون بين كتابي وهذه الفكرة، ولكن لا. لن أذهب إلى ذاك المكان.

* هل توافقين أن الأزمات الخارجية، هموم الحياة التي تلهي، لا تتمكن من الشعراء المنتحرين، وإلا لكانت صرفتهم عن الداخل؟
- الأوضاع السياسية الإقتصادية، مشاغل الوظيفة وتدبير أمور الحياة، والمال... لا أعتقد أنها تلهي من يحمل المكونات الكافية ليرى إلى أزمته الداخلية، بل هي تلهي من ليس مؤهلاً في الأساس للنظر إلى جوانيته. من ينظر إلى الخارج أكيد يلهيه الخارج ويعتبره هو مصدر أزمته الحقيقية.
ثمة تعبير أحبه لأنه يشبهني:"النبش بالأظافر". أتألم فيما أحفر في الداخل، ولكن أكتشف أموراً مهمة جداً تعطي الحياة معنى أعمق. وفي النهاية لا تستطيع أن تقارن، فالآخرون المختلفون عنك لهم حيواتهم وكل شخص يعيش الحياة بحسب مكوناته النفسية والروحية. لا تستطيع القول إنهم خاسرون أو رابحون. هم هكذا، كما هم. ولا أقولها بتعالٍ إنما بالقدرة على تمييز الإختلاف فحسب. لا أقارن بين الأفضل والأسوأ، ولا أحد يحق له أن يقارن.

* ألا يقطع المنتحر الطريق على الصدفة، ولو صبر لكانت ربما تحققت له معجزة الحب المنقذة؟
- ربما الحب ليس معجزة بالنسبة إليه. ليس الحب لكل الناس أقصى معنى للحياة. ربما الحب ليس كفيلاً إنقاذ المقبل على إنهاء حياته لأن طبيعته لا يخلصها الحب. هناك فراغ في داخل كل إنسان لكنه يختلف بين فرد وآخر، تعبئته بالتالي تختلف.

* العائشون بلا حب، الذين سميتهم "المنتحرين على قيد الحياة" تكون تنقصهم خطوة لينتقلوا إلى الفعل؟
- بعضهم نعم. وهناك كثر إستعراضيون، هؤلاء نوع آخر ينتحرون للفت الأنظار: "أنظروا إلي، أنا انتحرت". هذه أقصى درجات الإستعراضية والإستعراء. هناك شعراء كرسهم الإنتحار شعراء في بلدانهم ولما كانوا استحقوا هذا التكريس لو بقوا أحياء وماتوا ميتة طبيعية. ربما هي طريقتهم للإنتقام من الحياة ومن عدم نجاحهم وبروزهم. يحبون أنفسهم إلى هذه الدرجة ليظهروا. هذا تطرف ولكنه موجود، فليس كل المنتحرين أقدموا على خطوتهم لأسباب رومنسية أو وجودية.

* أفكر في سيلفيا بلاث التي حضّرت طعاماً لأولادها ودخلت المطبخ وأغلقت بابه جيداً ثم انتحرت بالغاز... من يحب أحداً جداً ألا يعطيه حبه سبباً للحياة؟
- زوجها تيد هيوز عذبها كثيراً. وأعطيك مثلاً آخر أفظع. الشاعرة الهندية ريتيكا فازيراني قتلت طفلها قبلها، كان عمره أقل من سنة ونصف السنة. شيء راعب حقاً. ولا علاقة له بالتقاليد الهندية. قرأت إنها ربما خافت أن تتركه في العالم وحده. الحب يمكن أن يؤدي أيضاً إلى ذاك المكان. أروي ذلك لأقول إن لحظة الإنتحار تكون غالباً لحظة تطرف قصوى وهلوسة. كل الموازين تكون مخلخلة ولا شيء في مكانه. في كتابي ميزت بين شعراء انتحروا، بقرار إتخذوه في اللحظة نفسها، انتحارهم تلقائي يقع فيه المرء وانتهى الأمر، وبين شعراء مذهلين خططوا للأمر و"أخذوا وقتهم" كاتبين رسائل وداع. الأخيرون أفظع. أحدهم قرر قبل أعوام مديدة إنه يريد إنهاء حياته في الخمسين وآخر في الثلاثين، وبعضهم قرروا قبل أسبوع، مع أن الإنسان يتغير مزاجه مليون مرة في اليوم. مع ذلك لم يعدلوا عن قرارهم. ومعظمهم كانت لهم محاولات سابقة. أجروا تمارين. المحاولات في هذه الأحوال تكون جرس إنذار: إنتبهوا إلي. وأحياناً تكون حقيقية وأصيلة.

* يحتاج الإنسان إلى جذور، إلى إرتباط، إيمان ما بامرأة أو رجل، بوطن، طبقة أو عقيدة... التخلي يعني أنه محروم متروك منبوذ. لماذا ينتحر العاشق إذا كان عشقه يملأ حياته؟
- من ينتحر حياً يكُن خسر حبه ولا يقف في قمة شغفه. الحب يعطي الرغبة في الحياة، الأنانية والنرجسية. حب الآخر ينعكس عليك حباً لذاتك، ويهبك معنى للوجود فترى الدنيا أجمل، خفيفة الوطأة. نعم الإنتحار بدافع الحب يكون بسبب فقدانه، إما لأنه في الأصل لم يكن موجوداً، إما لأن الآخر لم يبادل الشعور بمثله.

* الإلتزام يمكن أن يكون سبباً لإكمال الطريق، هل انتحر بعض الشعراء الذين كتبت عنهم بسبب خيبات إلتزامهم السياسي أو الديني؟
- صعقني أن معظم المنتحرين لخيبة سياسية هم عرب. ولكن يبقى كل إنتحار سراً. لا تستطيع أن تدرك الدافع الحقيقي ولكن تحاول، وبعضهم يترك خلفه كلمات توضح المبرر. مثلاً يقال إن خليل حاوي انتحر بسبب إجتياح القوات الإسرائيلية لبيروت، والشاعر الأردني تيسير سبول لأسباب سياسية، ومثلهما الشاعران العراقيان إبرهيم زاير وقاسم جبارة.
في المقابل لم أصدف أحداً من الشعراء الأجانب انتحر لأسباب سياسية. ماياكوفسكي مثلاً كان ملتزماً ، لكنه انفصل عن رؤيته السياسية وعاش خيبتها قبل وقت طويل، فلم تكن دافعه. قلت إن الغالبية دوافعها وجودية. والشعراء كائنات حساسة، إذا غرزت إبرة في إنسان عادي يصرخ "آخ" أما الشاعر الحقيقي، وليس المزعوم، فيكون وجعه أقوى وأعمق. طبيعي أن يكون مأزوما لأن الأمور الصغيرة تؤذيه، بينما هناك أناس يرتطم بهم الأذى ويرتد كالكرة.
بالعودة إلى خليل حاوي، ربما نحن العرب نحب أن نربط كل شيء بالأزمات السياسية، وربما يكون ذلك لإعطاء ما أقدم عليه معنى. علماً أن هذا المعنى ليس الأجمل بالنسبة إلي. أقل شاعر أو إنسان أحبه أو أعجب به هو الذي ينتحر لأسباب سياسية. أشعر أن رحيله كان دون معنى. وحتى الذين نخسرهم إغتيالاً لهذه الأسباب أرى خسارتهم إهداراً، ولكم كان أفضل أن يبقوا قيد الحياة، فالقضية، أي قضية، لا تستحق فقدان الحياة من أجلها. هذا رأيي الخاص وأدرك أن كثيرين لا يشاركونني إياه.

* أي أن روميو يبقى أفضل شهيد لأفضل قضية؟
- لم أقل إن الحب وحده هو القضية والمبرر الأفضل، بل الإنسان. أزمة الإنسان في هذه الحياة. الحياة في ذاتها وليست السياسة.
ولا أحب كلمة "القضية" لأنها مرتبطة دوماً بالسياسة والنضال. "الوطن" أيضاً.
 

سيجيء الموت وستكون له عيناكِ*

سيجيء الموت
وستكون له عيناكِ
هذا الموت الذي يرافقنا
من الصباح إلى المساء،
أرِقاً، أصمّ
كحسرةٍ عتيقة
أو رذيلة بلا جدوى.
ستكون عيناك حينئذ
كلمات قيلت سدىً،
صرخةَ مكتومة، صمتاً ستكونان،
مثلما تتراءيان لكِ كل صباح
حين تنحنين على ذاتك
في المرآة.
في ذلك اليوم يا أملاً غالياً، نحن أيضاً سوف نعرف
أن الحياة أنتِ وأنكِ العدم.

يرتدي الموت نظرةً
لكل منا:
سيجيء الموت
وستكون له عيناكِ
سيكون له طعم التخلي عن رذيلة،
سوف يشبه رؤية وجهٍ مضى
ينبثق من المرآة،
 كما الإنصات إلى شفة مضمومة سيكون.
آنذاك
سوف ننزل إلى الهاوية بسكون.

*للشاعر الإيطالي تشيزاري بافيزي ( 1908- 1950)
ترجمتها جمانة حداد عن الايطالية واختارت عنوانها للأنطولوجيا.


في