GMT 9:11 2017 السبت 26 أغسطس GMT 9:17 2017 السبت 26 أغسطس  :آخر تحديث

الإتجار بالأعضاء البشرية سوقا رائجا في مصر

أ. ف. ب.

أعلنت السلطات المصرية مؤخرا اعتقال 12 شخصا في محافظة الجيزة جنوب القاهرة يشكلون شبكة للإتجار بالأعضاء البشرية، وذلك بعد أيام قليلة من انتشار تحقيق صحفي ألماني على شبكات التواصل الاجتماعي يكشف عن بعض كواليس مافيا تجارة الأعضاء، ما أحدث حالة من الصدمة في الأوساط الاجتماعية المصرية. وبالرغم من نفي وزارة الصحة المصرية صحة ما جاء في التحقيق، إلا أن تقارير أممية أشارت إلى "ازدهار" هذه التجارة في مصر خلال العشرية الأخيرة.

أعلنت السلطات المصرية الثلاثاء 22 أغسطس الجاري اعتقال 12 شخصا بينهم أطباء وممرضين من داخل أحد المستشفيات الخاصة بمحافظة الجيزة جنوب القاهرة لاتهامهم بتشكيل شبكة للإتجار بالأعضاء البشرية. وأوضحت وزارة الداخلية أنها أوقفت بعض المشتبه بهم أثناء إجرائهم جراحة استئصال كلى وأجزاء من أكباد مواطنين في أحد المستشفيات الخاصة، وذلك مقابل 10 آلاف دولار.

بعض المراقبين في مصر ربطوا بين تلك الاعتقالات وتحقيق صحفي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي، تمكن خلاله صحفي ألماني من اختراق أوكار تلك التجارة التي ازدهرت بشكل مخيف في مصر خلال الأعوام القليلة الماضية.

تحقيق صحفي ألماني يخترق أوكار مافيا الإتجار بالأعضاء البشرية

يوضح التحقيق الذي أعده الصحافي الألماني تيلو ميشكي لصالح قناة بروشايبن proSeiben الألمانية المراحل التي تقوم على أساسها عملية "تجارة الدم" كما سماها في تقريره.
تبدأ هذه العملية بإقناع العميل ببيع أحد أعضائه، ليليها إجراء التحاليل الطبية اللازمة للتأكد من سلامة "البائع"، ومن ثم يقوم بالإقرار كتابيا أنه يتبرع بأحد أعضائه دون مقابل، للالتفاف على القانون الذي يجرم بيع الأعضاء البشرية بمقابل مادي.

ويكشف التحقيق أن شبكات التجارة بالأعضاء أصبحت أكثر تنظيما في العشرية الأخيرة، واكتسبت شكلا احترافيا بدءا من الوسيط الذي يكون في أغلب الأحيان، حسب التحقيق، سوداني الجنسية وانتهاء بالطبيب المصري الذي يجري عملية الاستئصال. ويتكفل (الوسطاء) السماسرة بكافة الإجراءات، ويلجؤون في بعض الأحيان إلى استقدام سودانيين من بلادهم بعد منحهم تأشيرات دخول لمصر.

وتقدر الأرقام الرسمية للمفوضية العليا للاجئين أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء السودانيين في مصر بنحو 26 ألف شخص، ولكن الأرقام الفعلية ربما تكون أكثر من ذلك بكثير بسبب دخول العديد إلى البلاد بصورة غير شرعية.

ووفقا للتحقيق، لا تتم دائما عملية البيع بالتراضي مع البائع، وإنما يتم أحيانا "انتزاع" الكلية من الضحية دون موافقته عن طريق عصابات إجرامية مسلحة، كما يروي أحد الضحايا السودانيين في التحقيق الذي استعان خلاله الصحافي بكاميرات خفية للتصوير.

أما عن المقابل المادي، فيصل إلى 7 آلاف دولار عن كل عضو. بينما تشير التقديرات إلى أن تجارة الأعضاء تحقق أرباحا عالمية تتجاوز المليار يورو. ويختتم الصحافي الألماني تحقيقه بالقول إن "الإنسان يتم استغلاله كمخرن لقطع الغيار البشرية وشبكات الإتجار بالأعضاء تحصد المكاسب. ويبقى الإنسان ليس له ثمن هناك".

وزارة الصحة المصرية: التحقيق مفبرك ويهدف للإضرار بسمعة مصر

في أول رد مصري رسمي على التحقيق الصحفي، نفت وزارة الصحة يوم 20 آب/أغسطس صحة ما جاء فيه، مشيرة أن "الغرض من الفيلم هو الإضرار بالسياحة العلاجية في مصر في إطار خطة ممنهجة للإضرار بالأمن القومي للبلاد".

وأكدت الوزارة في بيانها أن عمليات زراعة الأعضاء في مصر تتم في إطار قانوني وفي المستشفيات المرخص لها بذلك وبعد تسجيل "المتبرع" لعقد تنازل رسمي في الشهر العقاري للتأكد من عدم وجود شبهة للإتجار.

التقرير الألماني لم يكن الأول من نوعه، فمنذ بضع سنوات حاولت عدة تقارير دولية ومحلية سبر أغوار مافيا الإتجار بالأعضاء البشرية في مصر والتي تقدر تحقيقات أعدتها مراكز أبحاث مصرية (كالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية المصرية، وجامعة الاسكندرية) بأنها تتجاوز آلاف العمليات سنويا.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة ومنظمات صحية عدة إلى أن مصر تندرج ضمن الدول العشر الأولى ذات الرواج الأكثر لتجارة الأعضاء. وقد صنفت المنظمة الدولية عام 2010 مصر في المركز الخامس عالميا. وأرجعت المنظمة اضطرار مئات المصريين لبيع أعضائهم لاسيما الكلى والكبد إلى الفقر والديون. وذكر تقرير للمفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة في 2012 إلى أن الكثير من المهاجرين الأفارقة يقتلون في صحراء سيناء شرق مصر لتسرق أعضائهم.

ثلاثة سبل للإتجار بالأعضاء: إغراء أو إكراه أو سرقة
في عام 2016، نشرت مجلة علوم الإجرام البريطانية دراسة حول تجارة الأعضاء البشرية في مصر، واعتبرت أن تلك التجارة انتشرت بصورة ملحوظة بعد عام 2010، وأن اللاجئين السودانيين، خاصة غير الشرعيين يشكلون قسما كبيرا من الضحايا، حيث يخاف أغلبهم الإبلاغ إذا وقع لهم سوء بعد العملية، وحتى في حالة الشكوى لا تعتبرهم السلطات المصرية ضحايا.
وسلطت الدراسة البريطانية هي الأخرى على مراحل "عملية البيع" بدءا من السمسار الذي يبحث عن ضحيته ثم التفاوض على المقابل المادي الذي يتراوح بين 5 آلاف 30 ألف دولار. وبعد ذلك يأتي دور معمل التحليل للتأكد من مطابقة الأنسجة بين البائع والمريض ثم في النهاية التواصل مع الطبيب والمستشفى لإتمام "الصفقة".

تقرير آخر أعدته منظمة cofs الأميركية غير الحكومية ومقرها واشنطن، يعود إلى عام 2011، استطاع الحصول على شهادات 57 سودانيا باعوا أعضائهم، من بينهم 5 أطفال دون سن الـ18. ويشير إلى استخدام السماسرة ثلاثة سبل للإيقاع بالضحية، وهي الإغراء أو الإكراه أو حتى السرقة.

ويروي أحد الضحايا في التقرير "حين عرض علي بيع كليتي رفضت في بادئ الأمر ولكن في النهاية لم يكن أمامي خيار آخر للحصول على المال وتأمين حياتي أنا وأخي الأصغر مني الذي كان برفقتي".

وتحكي امرأة أخرى كيف تم إكراهها على بيع كليتها قائلة: "وافقت في بادئ الأمر ولكن يوم العملية شعرت بالخوف وأبلغتهم أنني لا أريد إتمام الصفقة، ولكنهم قالوا إن الوقت أصبح متأخرا ولم يعد بإمكاني التراجع الآن، ثم أعطتني ممرضتان حقنة مخدرة بالإكراه ولم أشعر بشيء بعدها إلا في اليوم التالي وقد تمت العملية".
الأطفال "صيد سهل وثمين" لعصابات الإتجار بالأعضاء

وبالإضافة إلى اللاجئين السودانيين، يشكل الأطفال "سلعة" رائجة في تجارة الأعضاء. وتم الكشف في مصر مؤخرا عن عصابات متخصصة في هذا المجال، حيث تقوم "بتوريد" الطفل المخطوف إلى رجال أعمال وأطباء، وفقا لاعترافات طفل يبلغ من العمر 15 عاما قبض عليه ضمن شبكة للإتجار بالأعضاء في شهر أبريل الماضي.
ويمثل أطفال الشوارع صيدا سهلا لهذه التجارة. كما يعد خطف الأطفال وقتلهم لسرقة أعضائهم أكثر ربحا للتجار حيث أن سرقة الأعضاء في هذه الحالة لن تقتصر على كلية واحدة وإنما "سيظفر التاجر" بصيد ثمين من كليتين وقلب وكبد وقرنيتي عينين.

الفقر الدافع الأساسي

وتشير دراسة أعدها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية المصرية عام 2010 شملت 150 حالة بيع طواعية للأعضاء، إلى أن جميع البائعين ينتمون إلى مستوى اقتصادي منخفض ويمرون بأزمات مالية ملحة.

ويعتبر الفقر أحد أهم العوامل المؤدية إلى "ازدهار" تلك التجارة غير القانونية في مصر، ويقتنص "السماسرة" ضحاياهم من الأحياء الشعبية، حيث ينتشر الفقر والجهل، فيصبح الإنسان فريسة سهلة لبيع أجزاء من جسده بعد إغرائه ببضع آلاف من الدولارات.

وفي مواجهة تلك الجريمة التي أصبحت مع مرور الوقت مافيا منظمة، أصدر البرلمان المصري القانون رقم 5 لعام 2010 بشأن زرع الأعضاء البشرية، مانعا نقل الأعضاء إلا بين الأقارب، أو بعد موافقة لجنة من وزارة الصحة، ومشددا على أن يكون ذلك دون أي مقابل مادي.

ولكن وفقا لدراسة مجلة علوم الإجرام التابعة لجامعة أوكسفورد البريطانية والتي نشرت في أغسطس من العام الماضي، فالقانون لم يساهم في الحد من تلك التجارة غير المشروعة، بل زاد من رواجها في السوق السوداء.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في لايف ستايل