GMT 13:30 2014 الخميس 20 مارس GMT 9:09 2014 الجمعة 21 مارس  :آخر تحديث
ترحيب واسع بالقرار التاريخي

المغرب لـ"دمقرطة" مؤسساته بعد إلغاء المحاكم العسكرية للمدنيين

أيمن بن التهامي

رحّب الحقوقيون والمهتمون في الداخل والخارج بالقرار المغربي التاريخي الذي يقضي بإقرار مشروع قانون يمنع محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية.


أيمن بالتهامي من الرباط: في زمن التوترات والأوضاع الصعبة التي يمر بها عدد من الدول العربية، اختار المغرب اتخاذ خطوة "شجاعة" ستحقق "الشرعية الإجرائية الدولية لحقوق الإنسان"، حسب كثيرين.

وتتمثل هذه الخطوة، التي ستقود إلى "دمقرطة المؤسسة العسكرية"، والتي جاءت بتوجيهات من الملك محمد السادس، في مصادقة المجلس الوزاري، أخيرا، على مشروع القانون رقم 13-108 الذي يتعلق بالقضاء العسكري، والذي يمنع محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، كما حصل، في السنة الماضية، مع 25 ناشطا في الأقاليم الصحراوية، جرت محاكمتهم أمام القضاء العسكري، وهو ما أثار انتقادات حقوقية على الصعيد الدولي، بعد صدور الأحكام.

قرار تاريخي

وأقرّت الحكومة المغربية الجمعة الماضي في جلسة ترأسها الملك محمد السادس، مشروع قانون يمنع محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، في خطوة لقيت ترحيبًا واسعًا من مؤسسات المجتمع المدني في المغرب ومراقبين أجانب.

وينص مشروع القانون الذي ستحيله الحكومة على البرلمان للتصويت عليه على عدم جواز "إحالة المدنيين على أنظار المحكمة العسكرية كيفما كان نوع الجريمة المرتكبة وصفة مرتكبيها وقت السلم، سواء كانوا فاعلين أو مساهمين أو شركاء لعسكريين".

ويضيف المشروع "لا تختص المحكمة العسكرية في جرائم الحق العام المرتكبة من قبل العسكريين وشبه العسكريين سواء كانوا أصليين أو مساهمين أو مشاركين".

كما ينص على أن "المحكمة العسكرية لا تختص بالنظر في الأفعال المنسوبة الى الأحداث الذين يقل سنهم عن ثماني عشرة سنة في وقت ارتكاب الفعل"، وكذلك على أنه "لا تختص المحكمة العسكرية بالنظر في الأفعال المنسوبة إلى الأشخاص المدنيين العاملين في خدمة القوات المسلحة الملكية".

وينص مشروع القانون أيضا على استثناء العسكريين من اختصاص المحكمة العسكرية في حالة ارتكابهم جرائم الحق العام.

ووصف مصطفى الخلفي وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة مشروع القانون هذا بـ"القرار التاريخي"، مؤكدا انه بموجب الإصلاح الجديد فان المحكمة العسكرية ستصبح مؤلفة من غرفتي استئناف.

قطع مع الأمس

يشكّل موضوع محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية موضوع الساعة في عدد من الدول العربية، خاصة تلك التي شهدت قيام ثورات الربيع العربي.

فالمنظمات الحقوقية المحلية والدولية لا تتردد في توجيه أسلحتها الثقيلة إلى كل دولة عمدت الى محاكمة مدنيين عسكريا، حتى لو اجتهدت في توفير جميع الظروف لضمان محاكمة عادلة للمتابعين.

المغرب، الذي مر بدوره في هذه التجربة، تحلّى بإرادة قوية للقطع مع "عيوب الأمس"، بالمصادقة على مشروع قانون يمنع محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وهي الخطوة التي لاقت ترحيبا واسعا داخل المملكة وخارجها.

وفي تعليق على الموضوع، قال إدريس قصوري، الأستاذ الجامعي والمهتم بالشؤون العسكرية: "ما دام المغرب اختار هذا الطريق في هذا الزمن الصعب، زمن التوترات، فأظن أن هذه شجاعة منه... فالغاية من هذه التعديلات أنها تحقيق "الشرعية الإجرائية الدولية لحقوق الإنسان".

هذا ما سيربحه المغرب

أكد إدريس قصوري، في تصريح لـ"إيلاف" أن "المغرب سيربح، من خلال اعتماد هذه الخطوة، أشياء كثيرة، منها الاتفاق مع المواثيق الدولية، والملائمة لروح الدستور المغربي، في ما يتعلق بالمساواة، وعدم التمييز، وتكافؤ الفرص، وتحقيق العدالة، واستكمال بناء سلطة القضاء وجعلها سلطة مسؤولة على جميع المرافق القضائية".

كما ستكسب المملكة حسب الباحث المغربي، "استحضار التخصص في الإحالة على المدنيين، والضمانات اللازمة، القانونية وليس السياسية، التي تمكن من تطبيق القانون بشكل سلس وسليم على الجميع، إلى جانب تفاعل المغرب مع مطالب الهيئات الحقوقية، هذا رد فعل إيجابي على المطالب الحقوقية بمحاكمة المدنيين والعسكريين أمام محاكمهم الطبيعية".

وأضاف: "سيكسب المغرب أيضا رد الاعتبار لولاية القضاء المدني، إذ كان هناك غبن بالنسبة للقضاء المدني حين يحال متهم مدني على القضاء العسكري".

وأوضح أن هذا الإجراء سيرد القضاء العسكري إلى مكانته الطبيعية والحقيقية كقضاء عادي طبيعي سيتكلف بقضايا العسكريين الخاصة بالضوابط العسكرية المؤسساتية والبحثية الصرفة.

وزاد مفسرا "كل هذا سيؤدي بنا إلى تطبيق العدل بشكل مرن وإجرائي سليم دون شوائب أو مؤاخذات على المغرب في ما يتعلق بالتقاضي أو حقوق الإنسان، وفي ما يتعلق بالملاءمة مع المواثيق الدولية وبمرونة استكمال الإصلاحات المغربية واستكمال الترسانة القانونية لدولة الحق والقانون والإصلاحات في زمن التوترات الصعبة".

الكرة في مرمى المشرّع

الكرة الآن في مرمى المشرع المغربي، الذي بات مطالبا بإعداد قانون يتفادى من خلاله الأخطاء التي قد تقود إلى قراءة الرسالة بشكل معكوس، تجعل المنتظم الدولي يستنتج أن الاشتغال كان بشكل انفعالي زمني لـ"الإيهام" بأن المشكل قد حل.

وفي هذا السياق، قال أستاذ العلوم السياسية القصوري "يجب أن تكون هناك توجيهات حتى لا يخرج القانون معيبا ونبدأ في إصلاحه"، مشددا على "ضرورة إيقاف المحاكمات الجارية للمدنيين أمام القضاء العسكري وإعادة محاكمتهم أمام القضاء المدني مع توفير جميع الضمانات للمحاكمة العادلة للمدنيين، والأخذ بالمفهوم الضيق للجريمة العسكرية، إذ لا ينبغي أن يكون مفهوما فضفاضا وعاما وواسعا. فالتوسع في مفهومها سيجعلنا وكأننا أبناء الأمس".

كما أكد القصوري "ضرورة تحديد اختصاصات القضاء العسكري وقصر عمله على الجرائم العسكرية فقط، وأن لا تطال اختصاصاته قضايا أخرى ولا سيما قضايا المدنيين، إلى جانب تحديد الجرائم والعقوبات العسكرية المتعلقة بالنظام العسكري، حتى تكون ملائمة للمبادئ الجنائية المدنية".

وأضاف: "بهذه الاعتبارات أظن أننا نسير في طريق يوفر للقضاء العسكري مقومات القضاء العادي، وبالتالي نخرجه من دائرة الاستثناء إلى دائرة الطبيعي".

تشكيل المحاكم العسكرية

وفي ما يتعلق بتشكيل المحاكم العسكرية، أكد على ضرورة أن "تتشكل طبقا لشروط وضوابط السلطة القضائية وليس لضوابط أخرى من قبيل الرهبة والخوف وما إلى ذلك. وتعيين القضاة وأعضاء النيابة العسكرية طبقا لضوابط السلطة القضائية وليس طبقا لضوابط سلطة أخرى، ومباشرة القضاء العسكري اختصاصاته مثل الإجراءات القانونية الأخرى، وتوفير ضمانات استقلال القضاة".

مؤاخذات

تثير محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية العديد من المؤاخذات، سواء داخليا أو خارجيا.

وتأتي في مقدمة هذه المؤاخذات، حسب القصوري، أن "المحاكم العسكرية هي محاكم استثنائية وليست عادية، وأن استثنائيتها تتجلّى في كونها تكون في زمن الحرب وليس في زمن السلم".

كما أن إحالة المدنيين على المحاكم العسكرية، حسب المحلل السياسي، "تعد حرمانا للمدنيين من الخضوع أمام قاض مدني عادي وخرقا للمحاكمة العادلة، ويمثل أيضا حرمانا لهذا القضاء كمؤسسة للقضاء المدني ذات علاقة بالسلطة القضائية من ولايتها على القضايا التابعة لها".

وذكر أن صلاحيات القضاء العسكري موسعة ومطاطة، والقواعد التي يحاكم بها الماثلون أمام القضاء العسكري صارمة، وبالتالي تخضع للانضباط العسكري كمؤسسة".

ومن المؤاخذات الأخرى المسجلة على القضاء العسكري، "غياب التخصص"، إذ "لا تتوفر في الهيئة العسكرية كل التشكيلات ذات التخصص لكل القضايا التي تطرح أمام القضاء المدني، وبالتالي تكون هيئة دائمة وقارة مهما اختلف أفرادها لا تستطيع أن تباشر جميع القضايا، وهذا يشكل حرمانا لحق الإنصاف ودقة البحث والتحري، إلى جانب غياب الطعن في هذه الأحكام، وصعوبة التعويض في حال ثبت أن المدان بريء".

وأضاف القصوري: "مجرد حضور متهمين أمام قضاء عسكري في باب قلعة يقف أمامها جندي بسلاحه وغير مفتوحة للمدنيين، يخلق الرهبة في نفوس المتهمين، فكل هذه المؤاخذات تعطينا غياب تكافؤ الفرص والمساواة بين المواطنين في حقهم في التقاضي، وتكشف حضور التمييز بين المواطنين في نفس القضايا وهو ما يناقض المواثيق الدولية جميعها التي صادق عليها المغرب، وتخالف الدساتير الوطنية. فالدستور المغربي يتحدث عن المساواة وحق المواطنين في سلطة قضائية، ويرفع القضاء إلى مقام السلطة القائمة بالذات، وهي لن تكون كذلك إلا إذا كانت شاملة لكل مرافق التقاضي بما فيها العسكري".
 


في أخبار