GMT 10:26 2016 الأحد 3 يناير GMT 22:23 2016 السبت 12 مارس  :آخر تحديث
بدايته ترافقت في العام نفسه مع إكتشاف النفط

السعودية أمام تحديات التعليم

د. أمل عبدالعزيز الهزاني

تشكل قضية التعليم لدى السعوديين هاجسًا مؤرقًا وتحديًا تنمويًا كبيرًا، بعض مثقفيهم يشيرون إليها كقضية قومية باتت محكًا أساسيًا للّحاق بركب العلوم المعاصرة والتكنولوجيا التي تتقدم بخطوات ماراثونية كل ساعة، وتبني سمعة بلدهم لدى العالم، كما أن كثيرًا من محلليهم يضعون اللائمة على مخرجات التعليم في ما يتعلق بتنامي التطرف الديني، والاعتماد شبه الكلي على موارد النفط، وضعف التنمية البشرية.

أمل عبدالعزيز الهزاني: بدأ التعليم في هذه المنطقة في عام 1925، أي قبل أن يؤسس الملك عبدالعزيز (والد الملك الحالي) ما يسمى بالمملكة العربية السعودية في عام 1932.

كانت البداية بسيطة تمثلت ببضع مدارس في منطقة الحجاز غرب المملكة، يشرف عليها مكتب تعليمي صغير، وبعد أن تم توحيد أراضي البلاد وتسميتها بالسعودية توسعت رقعة التعليم لتشمل جميع المناطق، وتطورت المؤسسات التي تشرف على وضع المناهج ورسم سياسات التعليم.

التعليم واكتشاف النفط

ومن المهم الإشارة إلى أنّ بداية التعليم ترافقت في العام نفسه مع إكتشاف النفط شرق السعودية، وهو ما أسهم في تسريع عجلة بناء المدارس في كل المدن الرئيسية ثم داخل القرى النائية والمناطق الصحراوية.

جامعة الملك فهد للبترول والمعادن

 

أما ما يخص تعليم الفتيات، فقد تأخر عن تعليم الفتيان حوالي عشرين عامًا، وبدأ على خجل من خلال تجمعات داخل بيوت الوجهاء وعلماء الدين، وكانت الخطوة الأولى في مكة المكرمة غرب السعودية في عام 1942، في حين لم يبدأ تعليم الفتيات رسميًا إلا في عام 1960.

وكانت خطط التنمية السعودية في العقود الأولى لتأسيس المملكة تركز على محو الأمية، والتوسع الكمي في بناء المدارس والمعاهد لتلبية احتياجات المناطق الجغرافية الشاسعة، ثم ما لبثت في عام 1949 أن افتتحت أول كلية في مكة المكرمة وكانت لتعليم الشريعة الإسلامية، ثم افتتحت أول جامعة سعودية في الرياض، والتي تعد الأكثر شهرة حتى اليوم، وهي جامعة الملك سعود في عام 1957. وتوالى إنشاء الجامعات في المدن الرئيسية للمملكة حتى وصلت إلى ثماني جامعات في عام 2000.

طفرة كبيرة

المراقب للتعليم في السعودية يلحظ طفرة كبيرة ظهرت في بداية فترة حكم الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز في 2005، إذ قفز عدد الجامعات من 8 إلى 25 جامعة حكومية، إضافة إلى عشر جامعات أهلية، ولا يمكن إرجاع الأمر إلا للإرادة السياسية التي خصصت للتعليم من ميزانية الدولة ما يقارب 60 مليار دولار، ما نسبته 25% من ميزانية الدولة، ما يجعل السعودية الأولى في العالم في الإنفاق على التعليم تليها كوريا الجنوبية.

جامعة الملك عبد العزيز

 

وتقول إحصائية حديثة لوزارة التعليم إن هناك سبعة ملايين سعودي ما بين طالب ومدرس ملتحقين بالتعليم العام والعالي، أي أن ثلث سكان المملكة مرتبطون بقطاع التعليم.

ومع هذه النقلة الكبيرة، حدثت نقلة نوعية خاصة في ما يتعلق بمؤسسات التعليم العالي وذلك من ناحيتين؛ الأولى حين بدأت الجامعات السعودية الكبرى بالإنفتاح على نظم التعليم الأميركية والأوروبية، وبدأت بإستقطاب خبراء تعليم ليعينوها في رسم خططها الإستراتيجية.

كما أنشات برامج بحثية تستند إلى معايير دولية في البحث العلمي كالنشر في مجلات عالمية رصينة، وتأسيس شبكة تواصل لباحثيها مع باحثين في جامعات مرموقة، ما كان بمثابة رمي حجر كبير في ماء راكد تحركت معه الجامعات في منافسة محمومة في ما بينها، لإحراز مراتب متقدمة في التصنيفات العالمية كتصنيف شنغهاي الشهير، وهو ما تحقق لها بالفعل في 2011 حيث دخلت جامعة الملك سعود نادي أفضل 300 جامعة في العالم، والأولى على المستويين العربي والإسلامي، تليها جامعتا الملك فهد للبترول والمعادن وجامعة الملك عبدالعزيز.

برنامج الإبتعاث

القفزة النوعية الثانية والأبرز كان برنامج الإبتعاث الذي أسسه الملك عبدالله، وتولى من خلاله إيفاد 175 ألف طالب وطالبة لجامعات متعددة حول العالم، في أوروبا وأميركا وآسيا وأستراليا، لدراسة التخصصات التي يفتقر إليها سوق العمل في السعودية خاصة في مجالات الطب والهندسة والقانون.

جامعة الملك سعود

 

هذا البرنامج كان يهدف إلى أمرين مهمين، الأول، حصول الطلبة السعوديين على أفضل تعليم ممكن في أفضل بيئة تعليمية ممكنة لتعزيز تحصيلهم العلمي وقدراتهم العملية، والهدف الثاني هو تقديم فرصة للشباب السعودي بجنسيه، للإنخراط في مجتمعات أخرى أكثر إنفتاحًا في ثقافتها وأكثر إنضباطًا تجاه مسؤولياتها، وجعلهم في مركز التأثر بهذه الأنماط التي تعبر عن روح الحضارة الغربية.

اقتراح حلول

ومع كل هذه الجهود التي بذلت، لا نستطيع أن نستشعر الرضا عن مخرجات التعليم في الوسط الاجتماعي السعودي أو حتى على المستوى الرسمي، ولا تكاد تخلو صحيفة من الصحف السعودية اليومية أو رف من رفوف المكتبة من تناول شأن التعليم وإقتراح حلول لمعضلاته، حتى أن الدولة استقطبت خبراء تعليم من الخارج، وأنشأت مراكز للتقييم والقياس، لوضع اليد على الخلل الذي يجعل نصيبًا كبيرًا من هذه الجهود يذهب هباء.

كانت المشكلة الرئيسية أن الخريجين ليسوا بالمستوى المطلوب من حيث القوة العلمية والمهارات اللغوية والتقنية، مما يجعلهم عرضة لشبح البطالة، حيث يدير لهم سوق العمل ظهره بقسوة، فبدأت المدارس ذات النظام الدولي تنتشر في المدن الرئيسية في المملكة، يدرس فيها أبناء العائلات الميسورة، ومنهم مسؤولون في التعليم.

وأحد أهم أسباب العزوف عن المدارس ذات نظام التعليم الوطني هو أن مناهجها الدراسية لا تتماهى ونظم التعليم الحديثة، كما أنها تركز على التعليم الديني بصورة مكثفة على حساب العلوم والرياضيات، ناهيك عن أنها لا تعير إهتمامًا كبيرًا لتعليم لغة أخرى غير العربية، إنكليزية أو فرنسية. كما أن هذا النوع من المدارس لا يلبي حاجات الدارس من حيث الأنشطة اللاصفية كتعليم الفنون والموسيقى وممارسة الرياضة، والأخيرة شبه غائبة عن مدارس الفتيات.

جامعة الطائف

 

التعليم الديني

تقر معظم النخب المثقفة السعودية أن هذه المشكلات لا يستطيع المال وحده حلها، لأنها مرتبطة بثقافة المجتمع الذي تغلب عليه السمة المحافظة، وينال التعليم الديني فيه نصيب الأسد، حتى أن الطفل وفي مراحل دراسية مبكرة يحفظ نصوصًا طويلة من القرآن، ودروسًا حول أساليب قراءته وإتقان نطقه، كما أن الجرعة العالية من دراسات الأحكام الشرعية تجعل من الصعوبة ترك مساحة كافية للتركيز على العلوم الطبيعية أو اللغات.

وزراء التعليم

خلال خمس سنوات مضت، مرّ على التعليم في السعودية أربعة وزراء، منهم إثنان من الأسرة الحاكمة السعودية، في محاولة لحلحلة القيود التي تعتري إحداث التغييرات الكبيرة في سياسة التعليم، خاصة التعليم العام، حيث تغلب على القائمين عليه سمة المحافظة الدينية، لكن مما يبدو أن صبر القيادة السياسية بدأ ينفذ، فبدأت تتخذ خطوات صارمة تجاه رسم استراتيجيات لتحسين مستوى التعليم ليرقى إلى مكانة المملكة الإقليمية والدولية سياسيًا وإقتصاديًا، والتحديات والتهديدات الأمنية في محيطها الإقليمي، وأهمية تقوية الجبهة الداخلية وتعزيز رضا الشباب.

وأبرز هذه الخطوات هو توزير أحد أهم الرموز التنويرية في المملكة على قطاعي التعليم العام والعالي بعد دمجهما. الوزير الجديد وهو الدكتور أحمد العيسى، أكاديمي عريق، نال تحصيله العلمي من الولايات المتحدة الأميركية، ليبرالي الميول، له مؤلفات نقدية حول واقع التعليم في المملكة وسبل تطويره، ويعول عليه السعوديون كثيرًا لإحداث تغيير ملموس.

دول الخليج

ويمكن القياس على الوضع السعودي بالنظر لدول الخليج الخمس الأخرى، فرغم المشتركات التي تجمع ما بين هذه الدول من حيث الثقافة المجتمعية، إلا أنها تختلف في إتجاهاتها التعليمية في التفاصيل، فالإمارات العربية المتحدة تشجع التعليم الجامعي الأهلي، ودولة قطر افتتحت فروعًا في عاصمتها لجامعات عالمية معروفة رغم التكلفة المالية الباهظة، السعودية كما أسلفنا إختارت إبتعاث طلبتها، البحرين لها تجربة ناجحة مع التعليم المهني، وسلطنة عمان يتخذ تعليم المرأة فيها موقعًا جيدًا والكويت كذلك، ولكن ما يمكن ملاحظته بوضوح هو أن هناك عوامل أساسية تحكم تطور التعليم في هذه الدول النامية، تدفق الأموال ليس أحدها، الأول هو عزل الأيدولوجيا عن مشروع مؤسسات التعليم، فكلما تباعدت المسافة بين الأيدولوجيا والتعليم كلما تحسنت المخرجات، والعكس صحيح.

العامل الثاني هو تدريس الفنون والآداب والموسيقى، مما يحسن البيئة التعليمية، ويطرح فرصًا لتنمية المهارات والإبداع وتحييد الفكر الديني المتشدد، والعامل الأخير هو فتح مجالات دراسية إضافية للمرأة خاصة في السعودية التي لا تزال المرأة فيها غير قادرة على تعلم الهندسة والزراعة والعلوم السياسية.

يظل التحدي الكبير في المملكة أن تضع جدولًا زمنيًا لأهدافها الاستراتيجية في التعليم يكون تحديًا لها، مثلما فعلت الدول الغربية والآسيوية التي وضعت خططًا خمسينية وستينية للوصول لأهداف مكنتها من تخريج أجيال من المتنورين.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار