GMT 10:50 2016 الأحد 3 يناير GMT 13:53 2016 الأحد 12 يونيو  :آخر تحديث
نزاعات حول مناطق مختلف عليها تقود لاقتتال داخلي

عراق 2016: داعش يرسم مصير التحالف الشيعي الكردي

د أسامة مهدي

يبدو أن التطورات الجارية في العراق توضح أن القوى السياسية بمختلف تكويناتها تستعد لمرحلة عراق ما بعد "داعش" بكل الافرازات السياسية والمناطقية التي ستنتج عنها بكل تداعياتها على هذا البلد، وفي مقدمتها إنهيار التحالف الشيعي الكردي التاريخي.

لندن: تؤشر تطورات الاحداث الحالية في العراق على ضوء طرد تنظيم "داعش" من مناطق مختلف عليها إلى تغيّرات تاريخية في العلاقات بين القوى العراقية وفي مقدمتها ما ينتظر التحالف الشيعي الكردي من تهديدات قد ترسم نهايته على ضوء الاحداث الاخيرة التي شهدت صدامات عسكرية وخسائر في الارواح بمناطق في محافظتي ديإلى وصلاح الدين ثم الخلاف الاكبر حول مصير محافظة كركوك المختلطة التي يعتبرها الكرد قدسهم التي ينادون بالحاقها في اقليمهم الذي يحكمونه منذ عام 1991.

وما يؤكد هذه التوقعات ما شهدته مناطق عراقية عربية وكردية مؤخرًا من حرق متبادل للاعلام الوطنية العراقية من قبل الأكراد وعمليات تمزيق وحرق لاعلام اقليم كردستان بالمقابل وما صاحب ذلك من ترديد هتافات تعبر عن غل دفين بين مواطني المكونين.

وما يثير الاستغراب والخوف في الوقت نفسه أن هذه الممارسات كان أبطالها شبان من الاجيال الجديدة التي لم ترافق ما تعرض له أكراد وشيعة البلاد من مظالم على يد حكومات تعاقبت على حكم البلاد منذ سقوط النظام الملكي وإعلان الجمهوري بديلاً عام 1958 ، وهي المظالم التي جمعت قيادات المكونين على تحالف تاريخي للدفاع عن حقوقهما.

لكن هذا التحالف بدأ يهتز منذ عام 2005 على وقع لهاث الجانبين الكردي والشيعي من أجل الحصول على أكبر المكاسب لكل منهما على حدة في استغلال واضح لضعف الدولة وحكوماتها المركزية المتعاقبة منذ عام 2003، والتي ظلت تحاول ضمان وجودها في الحكم مدفوعة بتنازلات ليست في صالح الوطن ومستقبل شعبه.

كركوك شرارة الانفجار

بدأت الخلافات الشيعية الكردية في انتخابات عام 2005 والتي تركزت حول كركوك وتطبيق المادة الدستورية 140 حول المناطق المختلف عليها ورفض الأكراد الشديد لتجديد ولاية ايراهيم الجعفري بعد فوزه بثقة التحالف الوطني الشيعي، والتي رشح على أثرها نوري المالكي ليبدأ بعدها عصر التفكك بين المكونين حول قضايا النفط ورواتب قوات البيشمركة والمناطق المختلف عليها وغيرها.

فقد عادت قضية مدينة كركوك لتطرح نفسها من جديد عنصرًا مؤثرًا في التحالف الشيعي الكردي من خلال ارتفاع مطالبات الأكراد بضمها إلى اقليمهم الشمالي الذي يحكمونه منذ عام 1991 ورفض العرب ومعهم التركمان لذلك. فقد اكد الزعيم الشيعي مقتدى الصدر رفض ضم كركوك لاقليم كردستان قائلاً "ان هذا الضم يعني قبول بالفدرالية على أساس قومي وليس على أساس إداري ما يعني تقسيم العراق وتجزئته".. واتخذ الموقف نفسه رئيس المجلس الاعلى الاسلامي عمار الحكيم الذي رفض ايضا ضم تلك المدينة التي وصفها بالعراق المصغر لاحتوائها على قوميات ومذاهب الشعب العراقي كافة.
 
دخول داعش لمناطق شيعية وكردية

وبعد دخول تنظيم "داعش" لمناطق شيعية وكردية في محافظات صلاح الدين وديإلى وكركوك اواسط عام 2014 فقد استغل الأكراد هذه القضية ورفع شعار "المناطق لمن يحررها من التنظيم".
 
فبعد المعارك بين قوات البيشمركة والحشد الشعبي من جهة وتنظيم "داعش" من جهة ثانية في مدينتي جلولاء والسعدية في حزيران (يونيو) الماضي وتمكن الفريقين من طرد التنظيم من مناطق مختلطة في محافظة ديإلى (65 شمال شرق بغداد) فقد حاولت القوات الكردية السيطرة على بلدات مختلطة تضم شيعة وأكراداً وفرض قوتها فيها على أمل ضمها إلى اقليم كردستان مستقبلا، الامر الذي رفضه الحشد الشعبي الشيعي، ما ادى إلى تفجر مواجهات مسلحة بين الطرفين كادت ان تتطور إلى الاسوأ لولا تدخل قياداتهما في الامر والدخول في هدنة لكنها من الواضح انها موقتة ويمكن ان تنهار في أي وقت ليعود الاقتتال مجددًا.

كما اقدمت قوات البيشمركة الكردية على حفر خندق بين المدينتين جلولاء التي يسيطر عليها الأكراد والسعدية بيد الحشد الشيعي طوله 40 كيلومترًا اعتبرتها القوى الشيعية خرقًا للاتفاقات الامنية بين الطرفين.
كما أشعلت الأزمة السياسية التي نشبت بين الطرفين الكردي والشيعي على خلفية المعارك الدائرة ضد "داعش" في مدن عراقية اخرى، حرب تصريحات إعلامية بين القيادات السياسية لهما، استخدمت فيها عبارات حادة وصلت إلى حد التهديد المتبادل بعدم السماح بالدخول إلى مناطق معينة تخضع لسيطرة أحد الطرفين.  

أزمة حرق الاعلام

ثم شهدت مدينة طوزخرماتو التابعة لمحافظة صلاح الدين الغربية صدامات مسلحة الشهر الماضي بين البيشمركة الكردية وفصائل الحشد الشعبي الشيعية نتج عنها سقوط قتلى بين الجانبين وحرق مزارع وبيوت مواطنين بشكل متبادل واختطاف العشرات من الجانبين.. وعقب ذلك بأيام، شهدت مدينة كربلاء الشيعية الجنوبية ومدينتا أربيل ودهوك في اقليم كردستان الشمالي حرقا متبادلا للعلمين العراقي والكردستاني ترافق مع تصعيد في التصريحات التي حملت عداءً وهجومًا من شخصيات تنتمي إلى المكونين الشيعي والكردي.

وقد حاولت الرئاسة العراقية التصدي لتصاعد المواجهات هذه بمناشدة الجانبين ضبط النفس والسعي لوقف الشحن المتبادل في لهجة العداء بين الجانبين خاصة بعد ان هدد نائب القائد العام لتشكيلات الحشد الشعبي ابو مهدي المهندس الأكراد بالقول انه سيرفع العلم العراقي فوق قلعة أربيل. واعتبر مراقبون للازمة ان ماحدث في كربلاء وأربيل هو بداية لانتهاء التحالف الكردي- الشيعي وربما يكون بداية لانتهاء علاقة اقليم كردستان بالمركز.

وقد وصل تبادل الاتهامات إلى الحد الذي أقر فيه خالد شواني المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية والقيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني بوجود صراع بين الطرفين، ذي ابعاد قومية وطائفية قائلاً إن العلاقات الكردية التركمانية ليست بالمستوى المطلوب، فضلاً عن وجود جماعات مسلحة وبأعداد كبيرة في المناطق المختلطة، التي يقطنها مواطنون من مختلف المكونات والانتماءات في إشارة إلى مليشيات الحشد الشيعية.

واعترف شواني أنه حتى الاتفاق الاخير لتهدئة الامور في قضاء طوزخرماتو، والذي تضمن 8 نقاط أبرزها تبادل المحتجزين وايقاف الاشتباك المسلح وتشكيل قوة مشتركة من البيشمركة والحشد الشعبي والشرطة لحفظ الامن لن يعالج المشكلة من جذورها ومن المرجح ان تندلع الاشتباكات مجددًا.

ثم انتقد السياسيين الشيعة قائلا إن المشكلة تكمن في أن بعض هؤلاء من الجدد الذين ظهروا بعد عام 2010 لا يعرفون قيمة العلاقة الاستراتيجية بين الأكراد والشيعة فضلاً عن محاولة بعض ممن لا يملكون جذورًا سياسية عميقة من الشيعة كسب الاصوات من خلال تضليل الناس بالاكاذيب.

وفي تهديد مبطن، أشار إلى أنّ الشيعة وعندما كانوا متحالفين مع الأكراد استطاعوا ان يحكموا العراق وأن يحصلوا على منصب رئيس الوزراء مدى الحياة كما تحولوا إلى قوة سياسية مؤثرة. وحول اسباب هذا التغيير في التحالف بين الأكراد والشيعة أشار القيادي الكردي إلى أنّ  المؤسسة السياسية الشيعية بعدعام 2008 تختلف عن ما قبلها  بعد عام 2009 حيث تحولت إلى مؤسسة صادمة لانها انتجت سياسيين يفتقرون إلى الرؤية الاستراتيجية فيلجأون إلى المزايدات السياسية وتضليل الناس للوصول إلى مكاسب انتخابية.

وقد أثار كلام القيادي الكردي هذا عاصفة من الهجوم المعادي الذي عقد العلاقات الشيعية الكردية بدل ان يضعها على طريق الحل، حيث دعا بهاء الاعرجي القيادي في التيار الصدري خالد شواني إلى الاعتذار وتصحيح تصريحاته هذه التي قال فيها ان التحالف الشيعي - الكردي هو الذي منح الشيعة فرصة حكم العراق مدى الحياة.. وخاطبه قائلا: عليكَ أن تراجع التاريخ لتجد أن المرجعية الشيعية هي من دعمت القضية الكردية بوجه التحديات المصيرية التي واجهتها في الوقت الذي كان فيه وجودها مهدداً بسبب سياسات الأنظمة العنصرية السابقة.

إيران على خط الخلافات

ووسط تراشق الاتهامات هذا بين الشيعة والأكراد، فقد دخلت إيران على الخط بالضد من الأكراد ولصالح حلفائها الشيعة مستغلة علاقتها القديمة والحالية مع حزب العمال التركي الكردستاني الذي شارك مقاتلوه في تحرير قضاء سنجار مؤخرًا حيث دفعت طهران لعقد اتفاقٍ نهائي بين الحزب والحشد الشعبي الشيعي ينص على "تعاونٍ عسكري وتبادل للمعلومات" وهو ما اعتبرته حكومة إقليم كردستان مؤامرة لن تسمح بتنفيذها.

فقد اتفق قادة مليشيات الحشد هادي العامري وأبو مهدي المهندس وقيس الخزعلي مع ممثل وفد الحزب الكردستاني إلى بغداد آراس دوكي على تعاون عسكري ومعلوماتي هو الأول من نوعه، الامر الذي أثار بشكل خاص رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني. ويسمح الاتفاق لمليشيا الحشد بالدخول إلى مناطق الحزب الكردستاني التي يسيطر عليها في الشمال العراقي وأبرزها مناطق حدود نينوى أربيل ونينوى دهوك ومناطق أخرى أبرزها محيط كركوك وقرب حقول باي حسن النفطية، وذلك تحت غطاء قتال تنظيم "داعش".

وفي المقابل، سيحصل الحزب الكردستاني من الحشد الشعبي على مساعدات عسكرية ومادية ومكتب تمثيلي له في بغداد، بالإضافة إلى معالجة عناصر الحزب بمستشفيات في جنوب العراق. واعتبرت مصادر عراقية هذا الاتفاق رداً عمليًا على تصريحات بارزاني الذي أكد أن الحشد الشعبي لا مكان له في إقليم كردستان ولا بأي منطقة كردية.

وسنجار تصب الزيت على نار الخلاف الشيعي الكردي

ثم تصاعدت الخلافات الشهر الماضي إثر معركة تحرير قضاء سنجار التابع لمحافظة نينوى الشمالية من سيطرة "داعش" والدور الكبير الذي لعبته قوات البيشمركة في هذه المعركة حين أثار تصريح بارزاني  بضم سنجار إلى إقليم كردستان موجة غضب لدى القوى السياسية الشيعية وتشكيلات الحشد الشعبي التابعة لها، والذين عدَّوا التصريح بأنه خطوة تصعيدية ستسعّر حدة الخلافات.. وقال بارزاني خلال مؤتمر صحافي عقد في سنجار إن "سنجار تحررت بدماء البيشمركة وأصبحت جزءًا من كردستان"، مضيفًا "سنعمل مع الحكومة العراقية لجعلها محافظة".

هذا التصريح دفع رئيس الوزراء حيدر العبادي إلى سرعة رفض قرار بارزاني برفع علم كردستان على قضاء سنجار المحرر من "داعش" داعيًا إلى رفع العلم العراقي بديلاً. كما اعتبر الأمين العام لمليشيا عصائب أهل الحق الشيعية قيس الخزعلي أن هذا القضاء قد تحرر من سيطرة تنظيم داعش ودخل في احتلال أكثر تعقيدًا في إشارة إلى إعلان بارزاني حيث قال خلال مؤتمر عشائري في النجف إن "سنجار مدينة عراقية خرجت من احتلال داعش والآن دخلت في احتلال أكثر تعقيدًا".

ومن جهته، قال ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي على لسان النائبة عنه إبتسام الهلالي إن القوات الأمنية ستستعيد قضاء سنجار في محافظة نينوى من سيطرة قوات البيشمركة.. وأضافت أن تحرير قوات البيشمركة لقضاء سنجار من داعش لا يفرق عن تحرير قوات الجيش للقضاء وذلك كون سنجار منطقة عراقية ومهمة تحريرها من الإرهاب من واجبات الجميع.

لقد أدخلت كل هذه التطورات في العلاقة الشيعية الكردية تحالف الطرفين في نفق مظلم لا يبدو الان أن ضوءًا سيبدو في نهايته فقد تسببت المواجهات المسلحة بين مسلحي الطرفين لاكثر من مرة وفي اكثر من منطقة في هز الثقة بين الطرفين، فأصبح كل منهما يتربص بالآخر خاصة مع التطورات الاقليمية في المنطقة ودخول اطراف عدة خط الازمة لصالح هذا الطرف أو ذاك، اللذين يتحملان مسؤولية عدم التصرف لصالح العراق الموحد، وأنه ملك جميع العراقيين بعيدًا عن المطامع القومية والطائفية وحتى الحزبية الضيقة.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار