GMT 10:30 2015 الأربعاء 30 ديسمبر GMT 2:25 2015 الخميس 31 ديسمبر  :آخر تحديث
لبنان 2016: اطمئنان اقتصادي بالرغم من المخاوف

هل تنهي مبادرة "فرنجية رئيسًا" زمن التسويات؟

جواد الصايغ

الكلام المثالي كثير في لبنان، لكن الأقوال في وادٍ والأفعال في آخر. فالمبادرات لكسر جليد تراكم على طريق قصر بعبدا ما زالت في طور الأمنيات لا أكثر، بينما يبدو لبنان في مهب رياح المنطقة، التي ربما ترميه في عصر ولى فيه زمن التسويات الصغرى.

بيروت: الأزمة في لبنان من نوع آخر، لم يسبق لدولة في العالم، القديم أو الحديث، أن مرت بمثلها. فها هو يدقّ باب 2016 وهو بعد بلا رئيس للجمهورية، بعد 34 جلسة انتخاب فاشلة، كان بطل إفشالها فريق من اللبنانيين، يسيرون بالبلد نحو مجهول أكبر، يومًا بعد يوم، وفق معادلتين تأخذانه نحو المزيد من الخراب: "عون أو الفراغ" و "فرنجية أو الفوضى".

ما زال السباق بين هاتين المعادلتين يضع لبنان واللبنانيين على صفيح ساخن، خصوصًا أن تداعيات "سوريا" صارت أثقل من أن يتحملها اللبنانيون اليوم، إن من ناحية عبء اللاجئين السوريين الذي يعجز لبنان، إقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، عن تحمّل أكلافه الباهظة، وإن من ناحية التورط اللبناني بالجملة في ميدان الصراع السوري، الذي تحول ميدانًا لصراع إقليمي مسعور، له صبغة الخلاف المذهبي العميق، وسمة المصالح المتناقضة.

سليمان فرنجية

 

تحريض مبارك... لكن لا مبادرة

ثمة من يسوّق لفكرة خطرة، شكلًا ومضمونًا، وهي أن مبادرة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، بتحريض من النائب وليد جنبلاط ورئيس البرلمان نبيه بري، لـ "ترئيس" النائب سليمان فرنجية، الموالي للنظام السوري، آخر مبادرة لإنقاذ لبنان من آلام الفراغ الرئاسي المستمر. علّق بشارة خيرالله، المستشار الاعلامي للرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان، على ذلك بقوله إن أي تحريض على إنهاء الفراغ الرئاسي تحريض شجاع وإيجابي ومبارك، أيًّا كان المحرض وأيًّا كان المبادر وأيًّا كان الرئيس، فالخاسر الأكبر من التطبيع مع الشغور هو الشعب اللبناني.

أضاف لـ "إيلاف": "ومن غير المقبول أن ننتظر خراب البصيرة لنهرع إلى مجلس النواب لكي نُشَرْعِن الاتفاقات الخارجية، بدلًا من دخول البرلمان لتأخذ اللعبة الديمقراطية مجراها الدستوري الطبيعي، ومن ينال أغلبية الاصوات يكون رئيسًا لكلّ اللبنانيين".

مجلس النواب اللبناني

 

وفي ذلك يقول النائب قاسم هاشم، عضو كتلة التنمية والتحرير النيابية، التي يتزعمها بري، لـ "إيلاف"، إن بعض القوى السياسية تعتبر أن طرح وصول فرنجية لا يمكن وضعه في خانة المبادرة، "بل فكرة تم طرحها والتداول بها، والأكيد أن هذا الطرح حرك الجمود المحيط بملف رئاسة الجمهورية وأعاد الحياة اليه، على أمل أن يتلقف الجميع ما طرح ليصار إلى بحث جدي في الشغور الرئاسي، والموضوع اليوم بين أيدي القوى السياسية للعمل على بلورة التفاهم والتوافق".

وفي المصب نفسه، تقريبًا، يصب النائب عمار حوري، عضو كتلة المستقبل النيابية، التي يتزعمها الحريري. فيخبر "إيلاف" بأن الرّئيس الحريري حتى اللحظة لم يطلق مبادرة، بل أطلق حوارًا وأحدث نقاشًا على أمل أن تتبلور الأفكار على ضفّتي النّقاش لتستكمل بشكل مبادرة، "أما حصريّة الحلّ، إذا كان هذا هو آخر حلّ، فمردود في الواقع إلى القادة الموارنة الأربعة، فهم من حصر التّرشح بهم، وبالتّالي الحريري لم يأتِ باسم جديد، بل هو مرشّح منذ 28 آذار (مارس) الماضي، من خلال اجتماع بكركي برعاية البطريرك الماروني".

سولفة لا أكثر!

شهد لبنان في الشهرين الأخيرين خلط أوراق تحالفية، ظهرت جلية بعد مبادرة ترئيس فرنجية، هذه المبادرة التي أوجدت خرقًا كبيرًا في العلاقة بين فرنجية والعماد ميشال عون، الذي لا يرى مرشحًا للرئاسة غيره، والذي يشارك حزب الله في تعطيل جلسات انتخاب الرئيس. يرى خيرالله أن  افضل ما في هذه المبادرة أنها أسقطت الأقنعة عن بعض الوجوه، "وأظهرت أن قصة الأقوياء الموارنة الاربعة ليست إلا تعويذة غير قابلة للصرف، فمعيار القوة حدده الدستور اللبناني، وأي تحديد سواه هو ’سولفة‘ لا أكثر، والقوي هو من يحصل على أكبر عدد من نواب الأمة، وفي هذه الحال لا بأس من تبدل التحالفات بعد انكشاف هشاشتها".

ويرى هاشم أن هذا الموضوع يتعلق بالمواقف السياسية التي يقدمها كل فريق في مقاربته للازمة، وبعض العلاقات متوترة في الجانبين، أي في كل من فريقي 8 و 14 آذار (مارس)، وهناك تصدعات حصلت خصوصًا في الآونة الاخيرة، بعد طرح فكرة فرنجية رئيسًا، ولا بد من ترميم هذه التصدعات في داخل كل فريق، لأن العلاقات ليست على ما يرام".

إلا أن حوري يؤكد على التنسيق المستمر والتكامل البناء ضمن قوى 14 آذار (مارس). يضيف لـ "إيلاف": "في ذكرى استشهاد الوزير محمّد شطح، كانت هناك كلمة باسم قوى 14 آذار ألقاها الرّئيس فؤاد السّنيورة، وكان الدّكتور سمير جعجع حاضرًا، وإلى جانبه كل ممثلي قوى 14 آذار، وأكّد السّنيورة باسمهم جميعًا التّكامل بين قوى 14 آذار، وأنّ أيّ اختلاف في أيّ قضيّة لن يؤثر على المسلّمات في قوى 14 آذار، وبالتّالي 14 آذار باقية، تختلف أحيانًا ولكن لا تختلف حول الأمور الاستراتيجيّة، بينما من الواضح أن هناك مشكلة في الفريق الثاني، وربّما حلفاء الفريقيْن يحاولون أن يحصدوا ربحًا من دون خسائر، وهذا غير ممكن".

في غير مكانها

وعلى وقع الفراغ المستمر، وفي ظل تأثر لبنان برياح سوريا، توقع مسؤولون دوليون أن لا رئيس جديدًا في لبنان، وإن انتخب فلن يكون مارونيًا. وفي هذا الاطار، تمنى خيرالله أن يعي اللبنانيون خطورة الفراغ الرئاسي، "قبل أن تصبح هذه الفرضية أمرًا واقعًا، وأود أن اسلط الضوء على خشية الرئيس السابق ميشال سليمان من خطر استمرار الشغور على وثيقة الوفاق الوطني التي تكفل المناصفة".

ولا يستسيغ حوري هذه المسألة، "فما نص عليه اتّفاق الطّائف هو أن رئيس الجمهورية ينتمي إلى الطائفة المارونية، ونحن متمسّكون باتّفاق الطّائف ولا عودة عنه، وكما قال الرّئيس الشّهيد رفيق الحريري نحن أوقفنا العد، أي إحصاء المسلمين والمسيحيين في لبنان، ونحن أحدثنا هذه القواعد وهذه التّقييمات، ولأنّنا أوقفنا العدّ فالرئيس سيكون مارونيًا".

وكذلك يرفض النائب هاشم هذه التوقعات، ويصفها بأنها "في غير مكانها". يضيف في حديثه لـ "إيلاف": "اليوم، مسؤولية اللبنانيين كبيرة لتلقف الطروحات، وتفويت الفرصة على المصطادين في الماء العكر، وذلك بالإسراع في التفاهم على رئاسة الجمهورية، فلبنان لا يعيش من دون الصيغة الحالية نتيجة تركيبته والظروف الحياتية والموضوعية"، مؤكدًا بذلك التمسك بصيغة الرئيس الماروني للبنان.

مؤثر... غير مؤثر

لكن، ثمة من يرد كل هذا التأخير في انتخاب رئيس إلى أمور متعلقة بميزان القوى في الصراع السوري. فتسأل "إيلاف": أما زال التأثير السوري قويًا في لبنان بالرغم من ضعف النظام السوري وتراجعه إلى أقل من 13 في المئة من الأراضي السورية؟

يري حوري أن تأثير النظام السوري على الأوضاع اللبنانية تراجع بنسبة كبيرة عما كان عليه في الفترة السّابقة، بينما يجيب هاشم قائلًا إن لبنان ليس جزيرة منعزلة، بل يتأثر بما يجري حوله، "فكيف اذا كان الموضوع متعلقًا بسوريا والتأثر بها، ونحن نعلم العلاقة المتداخلة المتشابكة بين البلدين؟"، مؤكدًا وجود تأثير سوري، مباشر أو غير مباشر، علمًا أن الكتلة النيابية التي ينتمي إليها هاشم، ويتزعمها بري، تعد من مؤيدي النظام السوري، ولو لم يتخذ هذا التأييد شكلًا صارخًا، أو اندفاعًا إلى المشاركة ميدانيًا في قتال الشعب السوري كحزب الله، حليف بري في الثنائية الشيعية.

أما خيرالله فيجيب بدبلوماسية: "لا نتمنى لسوريا إلا الخير، لكن تقع علينا مسؤولية ’لبننة‘ خياراتنا بعيدًا عن أي تأثير، سواء كان سوريًا أم غير ذلك".

منطق الأمور

وإن اختلف اللبنانيون على مقدار الأثر الذي ما زال يتركه نظام الأسد في لبنان، فإنهم، في أغلبيتهم، يريدون أن يعود الشباب اللبنانيون من ساحات القتال السورية، وربما يشهد عام 2016 انسحاب حزب الله من سوريا، بحسب بعض التوقعات السياسية.

يعلّق حوري على ذلك بالقول إن الانسحاب من الأتون السوري بيد حزب الله، "ومنطق الأمور في النّهاية يحتم على حزب الله أن ينسحب، ونأمل أنه كلّما أسرع في انسحابه كلّما قلّل من خسائره ومن خسائر لبنان من خلال هذا التّورّط، أما عن تداعيات هذا الانسحاب أقول.. لنرَ  أوّلًا شكل الانسحاب، ويبنى على الشّيء مقتضاه".

تشييع عنصر من حزب الله قتل في سوريا

 

ويرى خيرالله أن حزب الله سينسحب، عاجلًا ام اجلًا من سوريا، "ولا خلاص للبنان إلا عبر تحييده عن الصراعات الدائرة في المنطقة، وهذا تحديدًا ما ورد في إعلان بعبدا، وبالتالي يجب العمل على تحييد البلد عن سياسة تقاسم النفوذ في المنطقة، وهذا التحييد يبدأ بالإفراج عن مفتاح رئاسة الجمهورية الموجود في الخارج".

أما هاشم، فيقول لـ "إيلاف": "هذا موضوع له علاقة بالواقع الاستراتيجي الذي فرض وجود حزب الله في سوريا، وعندما ينتفي دور هذا الوجود فلن يدوم حكمًا، وبالتالي كل شيء متعلق بالتطورات القادمة".

اطمئنان

الوضع الاقتصادي اللبناني ينذر بالأسوأ بعد إنذار حاكم مصرف لبنان بالخطر الداهم. إلا أن هاشم لا يرى مخاوف خطيرة بل ارتدادات سلبية نتيجة الواقع السياسي المتردي، "ونحن نعلم العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، وما دام هناك توتر سياسي فلن يكون هناك استقرار اقتصادي، وسيكون هناك انعكاس للحالة السياسية السلبية على الواقع الاقتصادي، وهذه مسؤولية الجميع لينتبهوا إلى كيفية انقاذ لبنان، ويسرعوا في حل الازمات".

ويوافق خيرالله قائلًا: "بالرغم من كل هذا الاحباط، لا تزال الثقة عالية جدًا بالسياسة النقدية اللبنانية، وهي أثبتت قدرتها على مواجهة التحديات، ومن واجب حاكم مصرف لبنان أن يحذر من الاخطار بالرغم من يقيني بأن سياسته الحكيمة ستمنع أي انهيار، لكن إذا استمرينا في ربط مصير لبنان بالخارج فالمخاطر كبيرة، ونحن نتجه صوب المجهول، والتاريخ لن يرحم لا المتآمر ولا قصير النظر".

ويؤكد حوري أن استمرار فقدان هيبة الدّولة من المخاطر التي يواجهها لبنان، وكلما استمرّ فقدان هيبة الدّولة سنواجه العديد من التّعقيدات على كل الصعد.


في أخبار