GMT 16:30 2015 الأربعاء 30 ديسمبر GMT 9:45 2015 الخميس 31 ديسمبر  :آخر تحديث
مصر 2016: التعذيب عاد والسخط ساد... ولكن!

لا ثورة ثالثة في ذكرى 25 يناير

صبري عبد الحفيظ
عادت مصر الأمنية إلى ما قبل إطاحة حسني مبارك، فالتعذيب يتزايد، والقمع يتفشى، لكن المصريين منهكون، لذا الثورة الثالثة على الوضع السائد مؤجلة.
 
صبري عبد الحفيظ من القاهرة: تدخل مصر عام 2016 وأهلها محملون بالكثير من الآلام والآمال. غير أنه منذ نهاية كانون الأول (ديسمبر) 2015، انطلقت دعوات للتظاهر في الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير، ولا سيما بعد أن تفاقمت الأوضاع السياسية والاقتصادية، وعادت انتهاكات حقوق الإنسان أكثر من أي عهد مضى، وانتشر التعذيب في مراكز الشرطة وتفشى القمع. واحتجاجًا على ذلك، جدد شباب مصر دعواتهم إلى التظاهر في الذكرى الخامسة للثورة التي أطاحت الرئيس الأسبق حسني مبارك. غير أن المراقبين والسياسيين، بل وشباب الثورة أنفسهم، لا يتوقعون اندلاع ثورة جديدة ضد الرئيس عبد الفتاح السيسي، على الرغم من أن الأجواء تماثل التي سبقت اندلاع ثورة 25 يناير قبل خمسة أعوام.
 
التعذيب جريمة مبارك والسيسي 
 
جاءت وفاة الشاب خالد سعيد، في حزيران (يونيو) 2010، تحت وطأة التعذيب في مدينة الإسكندرية، شرارة أشعلت ثورة 25 كانون الثاني (يناير) 2011، وانطلق المصريون كالطوفان الهادر في الشوارع والميادين يهتفون بسقوط النظام، حتى تنحى مبارك في 11 شباط (فبراير) 2011.
 
بعد مرور خمسة أعوام على الثورة، عادت ظاهرة التعذيب في عهد السيسي بشكل أبشع من ذي قبل. رصدت 15 منظمة حقوقية نحو 106 حالات تعذيب خلال أربعة أشهر، ومنها مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف الذي استطاع توثيق ٤٩ حالة تعذيب، بينها ٩ حالات أدت إلى الموت داخل أماكن الاحتجاز، خلال تشرين الثاني (نوفمبر)، كما رصد وفاة 4 حالات نتيجة للتعذيب في آب (أغسطس) من بين 57 حالة.
 
وقالت المنظمات في تقرير لها تلقت "إيلاف" نسخة منه، إن الأرقام الحقيقية أكثر من تلك التي نجحت في توثيقها، أو التي نُشرت في الصحف ووسائل الإعلام خلال الفترة القصيرة الماضية، فضلًا عن حالات أخرى رفض أصحابها رواية تفاصيلها خشية انتقام ضباط الأقسام أو السجون، أو ربما لأنهم فقدوا أي ثقة في القضاء والعدالة في مصر.
 
ضرب حتى الموت
 
رصد التقرير الذي أصدرته المنظمات تزامنًا مع إحياء اليوم العالمي لحقوق الإنسان، حالة وفاة بتاريخ 22 تشرين الأول (أكتوبر) في قسم شرطة المطرية، حيث كان المجني عليه عادل عبد السميع (نجار، 22 عامًا) محتجزًا منذ 4 تشرين الأول (أكتوبر) للاشتباه في سرقته هاتفًا محمولًا. وشهد أهله بأنه تعرض للضرب والتعذيب، وتدهورت حالته على مدى الزيارات. وشهد آخرون بوجود آثار دماء على ملابسه وقت اقتياده إلى منزله بصحبة قوة من شرطة القسم على خلفية مزاعم بوجود أسلحة في المنزل. تقول والدته إنه في إحدى الزيارات كان فاقدًا القدرة على الكلام جرّاء تعرضه للضرب. وفي 24 تشرين الأول (أكتوبر)، عرف أهله بنقله للمستشفى. وما إن وصلوا حتى أخبروهم بأنه وصل إلى المستشفى مفارقًا الحياة، وتظهر على يديه آثار حروق إلى جانب إصابات في الرأس ومناطق متفرقة من الجسد.
 
وفي 24 تشرين الثاني (نوفمبر)، أوقفت قوة شرطة طلعت شبيب في الأقصر للتحقق من أوراقه الشخصية، فتعدى الضابط عليه لفظيًّا وأهانه وشتمه، ولما اعترض طلعت قائلا: "بلاش شتايم يا باشا إنت قد إبني"، اقتيد إلى القسم حيث تعرض للضرب المبرح ساعتين خرج بعدها جثة هامدة. وتظهر تحقيقات النيابة أن المباحث حاولت التعتيم على وفاة طلعت شبيب وطلبت إيداعه في غرفة الاستيفاء بصفته محتجزًا، إلى حين وصول سيارة الإسعاف، لكن مسؤول الاستيفاء رفض استلامه مقررًا أنه توفي بالفعل، وهذا ما أكده التقرير الطبي المبدئي.
 
ملاحقة الناشطين
 
لم تكتف وزارة الداخلية بتعذيب المواطنين المصريين، بل تلاحق الناشطين قضائيًا بسبب مطالبتهم بتقديم الضباط الجناة إلى القضاء. قالت المنظمات الحقوقية: "تلاحق الدولة الأصوات المستقلة من المحامين والقضاة الذين يتبنون رؤى لإصلاحات تشريعية لمناهضة التعذيب، إذ يخضع القاضيان عاصم عبد الجبار وهشام رؤوف والمحامي نجاد البرعي للتحقيق، على خلفية تقديمهم مشروعًا لمكافحة جرائم التعذيب، ضمن فاعليات ورشة خبراء، دعت إليها المجموعة المتحدة – التي يترأسها نجاد البرعي– في ١١ آذار (مارس) ٢٠١٥". 
 
وأشار التقرير إلى أن المجموعة المتحدة قدمت – في الفترة من تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٣ حتى آب (أغسطس) ٢٠١٤– حوالى 163 بلاغًا حول 465 ادعاءً بالتعذيب داخل أماكن الاحتجاز"، واعتبر أن التحقيق مع الناشطين رسالة غير مباشرة بأن التحقيقات تتم فقط على وجه السرعة مع المتطلعين لتحسين البيئة التشريعية المصرية، بينما يظل مرتكبو جرائم التعذيب بمنأى عن العقاب.
 
قصور تشريعي
 
على الرغم من تعهد السيسي بالتصدي لأي تجاوزات، ومحاكمة بعض الضباط في تلك الجرائم، إلا أن العقوبة تأتي مخففة، أو يحصل الجناة على البراءة في نهاية المطاف بسبب القصور في القوانين. قال حافظ أبو سعدة، مدير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان: "هناك قصور تشريعي بالقانون المصري في تعريف جريمة التعذيب على النحو الذي لا يتلاءم مع الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب والتي تعرف التعذيب بأنه كل ألم أو عذاب جسدي أو عقلي، ولا تشترط أن يكون مستهدفًا انتزاع اعترافات فقط مثلما ينص القانون المصري".
 
أضاف لـ"إيلاف" أن السبيل الأمثل لمواجهة جريمة التعذيب في مصر يتطلب إصدار تشريع يقر حق المدعي المدني في الادعاء المباشر أمام محكمة الجنايات في جرائم الاعتداء على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للمواطنين، ومن بينها الجرائم المنصوص عليها في مواد قانون العقوبات، داعيًا مجلس النواب إلى تبني مشروع قانون التعذيب".
 
أضاف أبو سعدة أن المنظمة أعدت مشروع قانون لمواجهة جريمة التعذيب يعمد على تعريف جريمة التعذيب بما يتناسب مع المواثيق والاتفاقيات الدولية في هذا الصدد، مشددًا على ضرورة توقيع عقوبات رادعة على مرتكبي هذه الجرائم لمواجهة إفلات الجناة من العقاب، ونشر ثقافة مجتمعية تعمد على نبذ مرتكبي هذه الجرائم.
 
ثورة جديدة؟
 
ساهم شباب حركة 6 أبريل في التحضير وقيادة الثورة ضد نظام مبارك في 2011، وها هم يستغلون الظروف نفسها، للتمهيد لثورة جديدة ضد نظام السيسي، في ظل اعتقال قادة الصف الأول في الحركة بتهم مختلفة، منها التظاهر من دون ترخيص، ومنهم مؤسس الحركة أحمد ماهر، ومحمد عادل، وأحمد دومة، ومنسقها العام الحالي عمرو علي، بالإضافة إلى شباب من رموز الثورة مثل علاء عبد الفتاح، وآلاف آخرين.
 
أطلقت الحركة حملة للتظاهر في 25 يناير، سمتها "مش لوحدك"، وقالت فيها: "كل اللي جايب آخره من الظلم والدم والفقر والجهل وفاكر إن الناس مش هتقوم تاني.. إنت مش لوحدك".
 
وأضافت: "الثورات بتستمر سنين، وموجاتها مبتقفش ومحدش يقدر يتوقعها.. ثورتنا بتنادي بالعدل والحق والحرية.. دي مطالب هتنتصر هتنتصر.. اللي لمس الحلم بإيده عمره ما هيتنازل عن تحقيقه.. الشهادة شرف.. والسجن ثمن ندفعه عن طيب خاطر".
 
احتقان بلا انتفاضة
 
لكن، هل تؤدي المقدمات نفسها إلى النتائج نفسها؟ يتوقع الخبراء والسياسيون ألا تندلع انتفاضة جديدة ضد نظام السيسي. وقال الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة وأحد رموز ثورة 25 يناير، إن الأحوال السياسية والاجتماعية التي تشهدها مصر لن تتحسن في 2016.
 
وأضاف لـ"إيلاف" أن الأوضاع في مصر ما زالت مقلقة، مشيرًا إلى أنه لا توجد رؤية سياسية واضحة، "هناك إرادة سياسية تريد إعادة بناء مصر وفق رؤية خاصة فردية لا تثق في السياسيين ولا المثقفين وتعتمد على الأجهزة الأمنية".
 
وتابع: "الحديث عن تحسن الأحوال في مصر أمر مشكوك فيه، والأحوال في 2016 تحتاج إلى تغير الرؤية والدفة والانفتاح أكثر على القوى السياسية في مصر، ولاسيما أن الأوضاع تدار بعقلية أمنية ضيقة الأفق بشدة، ما يدعو إلى القلق، لكن الشارع السياسي ليس مقبلًا على انفراج حقيقي، وليس هناك أفق للم الشمل".
 
وتوقع إزدياد حالة الاحتقان بين المصريين، ولاسيما الشباب، مشيرًا إلى أن هناك تشبثا من كل الأطراف بمواقفها، "فالأغلبية الصامتة تنتظر، والنظام الحاكم لديه قدر كبير من العناد وضيق الأفق، كما أن الإخوان المسلمين غير قادرين على المراجعة، وبالتالي ليس هناك ما يطمئن أو يؤدي إلى إمكان أن يتحقق لم الشمل. فكل طرف يتصور أنه يستطيع أن يحقق نقاطا في مواجهة الطرف الآخر".
 
كما توقع أن يشهد 2016 توغل الفلول في الحياة السياسية وسيزدادون قوة، "فمصر أخرجت أسوأ ما فيها لتطرحه على السطح، وما هو موجود على السطح الآن يتناقض تماما مع مصر بعد 25 يناير، وهناك إحساس بأن في مصر شبابا يأخذ هذا البلد إلى الامام خطوات، لكن هذا الأمل تراجع".
 
شعب منهك
 
أنهكت الأوضاع الإقتصادية السيئة والتظاهرات المتوالية الشعب المصري، وليست لديه رغبة في ثورة ثالثة. قال الدكتور مصطفى النجار، عضو مجلس الشعب السابق وأحد شباب ثورة 25 يناير، لـ"إيلاف" إنه لا يرى في الأفق القريب احتمال خروج تظاهرات عارمة في ذكرى ثورة 25 يناير، لأن الشعب في حالة انهاك كبير، متهمًا الإعلام بالمبالغة وإحداث فوبيا غير منطقية حول الذكرى لدى المصريين.
 
ونبه النجار إلى أن السبب الحقيقي في تدهور الحياة السياسية والاقتصادية هو سوء التخطيط واستخدام أساليب الماضي نفسها، لكنه لا يملك اليوم سوى التمني بأن "يشهد العام الجديد توقف انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، وإصلاح جميع أخطاء الفترة الماضية، والتي أزعجت الكثير من أفراد الشعب المصري والتي تتمثل في ظواهر التعذيب والقضاء على ظاهرة الاختفاء القسري".
 
كما تمنى النجار أن تؤتي التغيرات الأخيرة، التي حدثت في المؤسسة الامنية، ثمارها ويتم القضاء على انتهاكات بعض أفراد الشرطة ضد المواطنين.
 
وعن قدرة وزارة الداخلية على كسر شوكة الضباط وإيقاف هذه الانتهاكات، أوضح النجار أن إيقاف الانتهاكات يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقة، "فتطبيق القانون في مصر يردع الجميع، ويقضي على التجاوزات الامنية ضد الشعب".
 
انفجارات وشيكة!
 
خلافًا لسابقيه، يتوقع الناشط الحقوقي جمال عيد، رئيس الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، أن يحدث "انفجار شعبي". وقال لـ"إيلاف": "من المعروف دائمًا أن سوء المعاملة والتعذيب والقمع تؤدي إلى انفجارات"، مشيرًا إلى أنه لا يستطيع أن يتوقع شكل هذه الانفجارات، لكنه يتوقعها في أي لحظة.
 
أضاف عيد: "التجاوزات في حقوق الانسان لن تشهد تحسنًا إلا بتقديم الجناة إلى العدالة، ووزارة الداخلية المصرية حتى الآن لم تقدم أي مؤشر أو دليل يقول إنها ترغب في الإصلاح أو تحسين معاملة المواطنين"، داعيًا إلى ضرورة تغيير سياستها وتقديم الجناة في جرائم التعذيب إلى العدالة في العام الجديد.
 
وأعرب عن أمنيته في أن تغير وزارة الداخلية أسلوبها في التعامل مع المواطنين، "لأن سوء المعاملة سيزيد مساحة الغضب ضدها".
 
وتابع: "الأمل الآن مرهون بالقيادة السياسية في أن تظهر احترام القانون والديمقراطية وبالتالي ستكون قادرة على تغيير سلوك وزارة الداخلية".
 
نحو الاستقرار 
 
على الجانب الآخر، يرى الدكتور مصطفى الفقي، السكرتير السابق للرئيس الأسبق حسني مبارك، أن الأوضاع في مصر مستقرة سياسيًا واقتصاديًا، ولن تؤدي إلى انتفاضة جديدة. وقال لـ"إيلاف": "لن تشهد مصر انتفاضات أو ثورات جديدة، والسبب هو استقرار الأوضاع السياسية، كما أن انتخاب البرلمان يسهم في زيادة الاستقرار، أو يمتص غضب الشباب لأنه يعبر عنهم".
 
وتوقع الفقي، وهو خبير سياسي موال للنظام الحالي، أن يشهد 2016 مزيدًا من الاستقرار في الأحوال السياسية والاجتماعية، "فالنظام الحالي في مصر يسعى إلى تحقيق الاستقرار والطمأنينة لقلوب المصريين".
 
وبحسب وجهة نظر الفقي، فإن "العام الجديد سيشهد تدفق مزيد من الاستثمارات الخارجية، ما يسهم فى تحسين مستوى معيشة الأفراد"، مشيرا إلى أن مصر الآن تسير في خطى جيدة نحو الازدهار، وسيكون لها دور في الإقليم وفي العالم ككل، على حد قوله.

 


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار