GMT 8:00 2016 الثلائاء 22 مارس GMT 11:46 2016 الثلائاء 19 أبريل  :آخر تحديث
​​في حوار خاص مع إيلاف 2/2

توفيق السيف: نحتاج فهمًا جديدًا للإسلام

أحمد العياد

يصر توفيق السيف على أن السعودي الشيعي سعودي أولًا وأخيرًا، لا تنتقص آراؤه السياسية من حقيقة انتمائه الوطني، مقترحًا تغيير مسار الاجتهاد، وتقديم فهم جديد للاسلام يتماشى مع الواقع.

القطيف: في الجزء الثاني من حواره الخاص مع "إيلاف"، يقول الدكتور توفيق السيف إنه سعودي أولًا، قبل أن يكون شيعيًا، وإن مشروع التقارب السني الشيعي ذهب في الطريق الخطأ، «من ذلك مثلًا أن مشروع الحوار الوطني حصر فكرة الحوار في العلاقة بين المشايخ، فجمع شيوخ السنة والشيعة والسلفية والصوفية، وقال لهم تفاهموا»، متسائلًا إن كان الشعب السعودي متمثلاً في المشايخ وحدهم، ومجيبًا نفسه: "قطعًا لا".
 
يضيف: «علاقة الشيعة بمراجع الدين من القضايا التي خاض فيها بعض المشايخ في بلادنا، بناء على تصورات ذهنية خاطئة، لا علاقة لها بالواقع».
 
كما يقترح السيف تغيير مسار الاجتهاد، بحيث يبدأ من تعريف مقاصد الشريعة، أي الاغراض التي من اجلها شرع الدين، «وقال قدامى الفقهاء إنها ضروريات خمس تتلخص في حفظ النفوس والأموال والأعراض والعقول والأديان»، مطالبًا بفهم جديد للاسلام.
 
 
وفي ما يأتي متن الجزء الثاني من الحوار:
 
ما رؤيتك لوضع الشيعة في السعودية حاليًا، خصوصًا بعد تفجير المساجد وإعدام نمر النمر ضمن قائمة الـ 47 ارهابياً في بداية هذا العام؟
 
في القطيف نوعان من المشكلات: مماثلة لما يواجه باقي مدن المملكة، وخاصة بها ناتجة عن اختلاف مذهبها أو طبيعة علاقتها بالدولة والمجتمع. اعتقد أن النوع الثاني ناتج عن هيمنة الثقافة التقليدية في مؤسسة الدولة وفي المجتمع، وهي الثقافة التي تفترض أنه كي تكون سعوديًا حقيقيًا فيجب أن تكون مشابهًا لي، اي أن مجتمعًا وتراثًا معينين هما المعيار الوحيد الذي يُقاس  عليهما سلوك الناس، ويفرض عليهم التكيف معهما حتى في الامور البسيطة كاللبس والعادات، فضلًا عن نمط التدين والأفكار. هذه المطالبات تُشعر الناس الذين ينتمون إلى تجارب تاريخية او اجتماعية مختلفة بأنهم مطالبون بأشياء غير مقنعة أو غير مهمة عندهم أو حتى غريبة عنهم، وهنا تحدث الفجوة بين الجماعتين. نتج عن ذلك ما يظن الشيعة انه تمييز في بعض الوظائف والفرص المتاحة في المجال العام على سبيل المثال. ما يخص النوع الاول من المشكلات فلا أرى فرقًا بين الشيعة وغيرهم. قضايا مثل التنمية وتوزيع الموارد والبطالة وأمثالها موجودة في كل مناطق المملكة من دون فرق.
 
مواقف ضبابية
 
يتهم مثقفو الشيعة بأن مواقفهم ضبابية. فحينما اعدم نمر النمر، لم نجد مقالات أو تغريدات تتكلم عن هذا الحدث.. وعاصفة الحزم كذلك؟
 
هذه تهمة محقة. أنا ايضا ألاحظ هذا الشيء. عند اعدام الشيخ نمر النمر مثلًا، لم يكتب أحد من الشيعة شيئًا، بمن فيهم الذين كانوا يعارضون منهجه وافكاره. أنا شخصيًا لم اكتب شيئًا، لا سلبًا ولا ايجابًا. التفسير المعقول لهذا هو تحول الهوية المذهبية إلى عامل ناشط في السياسة، خصوصًا مع حال الانقسام والاستقطاب الطائفي الشديد في البلد والمنطقة بشكل عام.
 
كتبت في صفحتك على فايسبوك أن القطيف تعاني من أبنائها الدواعش الذين يحملون السلاح ويرعبون كل من يختلف معهم. ما المقصود في ذلك؟
 
قصدت بهذا التنديد الذين يحملون السلاح ويستعملونه أو يدعون إلى ذلك، سواءً كانوا من الشيعة أم من غيرهم. لم اقصد في هذه الكتابة جماعة داعش المعروفة، بل استعملتها كرمز للاشارة إلى الايمان بالسلاح كأداة مؤثرة في العلاقات بين الناس او في السياسة، ذلك أني لا اهتم بالافكار أو المنطلقات النظرية التي تؤمن بها داعش أو تدعو اليها. ما يهمني فقط هو طريقتها في تطبيق تلك الافكار، بالسلم أم بالقوة... هل تعرضها على الناس أم تفرضها عليهم؟ مأخذنا الرئيس على داعش هو استعمالها السلاح في كل اعمالها، وقهرها الناس بالقوة المادية العارية لا بالفكر أو القناعة. كل من اتخذ ذلك المنهج هو وداعش سواء، بغض النظر عن مذهبه أو دينه أو مبرراته. كتبت تكرارًا انه لا يجوز حمل السلاح او استعماله في أي بلد إلا للدولة. واعتقد أنه لا يجوز استعمال السلاح في السياسة حتى ضد الدولة الظالمة او الفاسدة. بعبارة أخرى، أنا ضد حمل السلاح والتفكير به ورفعه مطلقًا حتى للدفاع عن النفس. اعتقد أن العمل الإجتماعي والسياسي غير السلمي يجب أن يحال للعدالة. نعارض داعش لا بسبب تكفيرهم غيرهم من الناس، بل بسبب حملهم السلاح وتهديدهم الناس وقتلهم به.
 
القطيف متوترة والأحساء ساكنة، وكلتاهما شيعيتان. لماذا؟
 
(ضاحكًا) قد يكون الناس في الاحساء أكثر طيبة ً ولينًا، أو لأن الافق العام مختلف بين القطيف والأحساء، وهذا تعبير آخر لما سمّاه الفيلسوف الالماني مارتن هايدغر "الافق التاريخي"، أي مجموع التجربة التاريخية والمعطيات الفعلية الناشطة التي تساهم في تشكيل ذهنية المجتمع ورؤيته الراهنة لذاته والعالم. نعلم أن الصراعات تولد بسبب نمو الاقتصاد والثقافة، حين تكون حياة الإنسان محصورة في قريته مثلاً، يومياته محصورة بين مزرعته وبيته، فلن يفكر في الصراعات ولن يجد نفسه جزءًا منها. يبدأ الإنسان بالتفكير في مواقفه من الصراعات القائمة حين يعيش في المدينة، أي في مجتمع يمر بمرحلة نمو اقتصادي واجتماعي تزيد فيه نسبة التوتر وتتسع الصراعات الاجتماعية والسياسية وغيرها.
 
سعودي أولًا
 
ذكرت في أثناء لقائك بالملك فهد في عام 1993، انه كانت هناك مطالب لعلماء ومثقفي الشيعة، وتكررت هذه المطالب في ما بعد، وتتلخص بإندماج الشيعة في الإطار السياسي الوطني. ما جديد هذه المطالب؟
 
وضعنا هذه المطالب في اطار مشروع عمل مقترح، وعرضناها على الراحلين الملك عبدالله بن عبدالعزيز والأمير سلطان بن عبدالعزيز، كما عرضناها على خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان في أثناء توليه إمارة الرياض. أذكر في اجتماعنا مع الأمير سلطان انه قرأ المشروع المكتوب أكثر من عشر دقائق، ثم قال مستغربًا: لم لا تُقبل هذه المطالب؟ نادى مدير مكتبه وأمره أن يسلم الخطاب لشخص آخر لا اذكر اسمه الآن كي يكتب له ملاحظاته ويعيده خلال يومين. بعد أسبوع تقريبًا، تلقينا اتصالاً من مدير مكتب الامير يبلغنا أنه مهتم جدًا بالموضوع، وسيأتيكم جوابه خلال أيام. لكن مشيئة الله سابقة: سافر إلى أميركا للعلاج قبل وفاته. فكرة هذا المشروع باختصار هي أن اختلاف المذاهب أصبح عاملًا معيقًا وسببًا للتباعد بين المجتمعين السني والشيعي، وبين الشيعة والدولة، لذا تضمن مقترحات محددة عن كيفية نزع العامل المذهبي من العلاقة بين الطرفين، بحيث يكون الشيعي السعودي سعوديًا أولًا واخيرًا، في أنفس الشيعة ذاتهم وعند الحكومة. هذه فكرة المشروع باختصار.
 
ذكرت أن الإختلافات المذهبية والعقائدية بين المذهبين الشيعي والسني غير مهمة لأن الخلاف عاطفي أكثر مما هو مذهبي.. فهل من توضيح؟
 
تحول المذهب إلى مشكلة في السعودية بسبب تضخم الثقافة الدينية. المؤسف أن الدين كان عنصر جمع وإلفة بين الناس، وتحول إلى عنصر افتراق. اصبح الدين عاملًا للتمايز، ونشأت طبقات دينية، وتحول المجتمع بسبب العوامل الدينية إلى "فضاءات منفصلة" بحسب تعبير ستيفان لاكروا في كتابه "زمن الصحوة". تنقسم المجتمعات الطبيعية على أساس المهنة والمصالح (التجار والكتّاب والمهندسون والصحافيون) أو تنقسم طبقيًا (طبقة وسطى وعليا وعاملة). اما عندنا فالانقسام ديني أو مذهبي. ترانا نتحدث فقط عن شيعة وسنة وصوفية وسلفية، وعن جامية واخوان وسرورية. ولّد هذا الانقسام الاجتماعي علاقة منحرفة تميل إلى التحزب والعداوة بل التفاعل والمشاركة.
 
هل التقارب الشيعي - السني معقد إلى هذه الدرجة؟
 
أظن أن مشروع التقارب السني الشيعي ذهب في الطريق الخطأ. من ذلك مثلًا أن مشروع الحوار الوطني حصر فكرة الحوار في العلاقة بين المشايخ، فجمع شيوخ السنة والشيعة والسلفية والصوفية، وقال لهم تفاهموا. هل نعتقد حقيقة أن الشعب السعودي متمثل في المشايخ وحدهم؟ قطعًا لا. كان الاصلح أن يتمثل المجتمع بممثليه الفعليين، أي ممثلي التيارات والحرف والمصالح. الحوار الوطني الصحيح هو الذي ينظر إلى مكونات الوطن كما هي، وليس كفضاءات مذهبية منفصلة. اود الاشارة إلى نقطة تتردد كثيرًا بين الكتاب والصحافيين والإعلاميين، وهي فكرة "التعايش بين الشيعة والسنة". عارضتها سابقًا لأنني اعرف أن التعايش يُدعى إليه حين تكون الاطراف المدعوة منخرطة في صراع أهلي. اما نحن السعوديين فأهل وطن، تجمعنا علاقة المواطنة، وهي علاقة قانونية قائمة فعلًا. كما تجمعنا شراكة المصالح والاقتصاد ومصادر العيش. فلماذا نحتاج إلى التفكير بالتقارب والتعايش؟ دعونا نتكلم ونفكر بالقانون. القانون هو الذي يمنع الشيعي من العدوان على جاره السني، وهو الذي يردع السني من البغي على الصوفي. فالقانون يهذب الأخلاق، لأن الإنسان عندما يخاف من القانون يضطر إلى البحث عن تبرير لخوفه، فيستحضر الأخلاقيات الجيدة، ثم يعتادها. نحتاج إلى ترسيخ الشعور بأننا سعوديون أولًا واخيرًا. وهذا يعني تأكيد العمق القانوني لمبدأ المواطنة، هذا هو حل المشكلة الدينية المذهبية باختصار.
 
بعض المثقفين يتهمون المعارضين الشيعة بنسج علاقة مع ايران.
 
أظن هذا مبالغة بل غير صحيح. يميل الانسان غريزيًا إلى البحث عن حال مطمئن. الشيعي المعارض قد يشعر بالاطمئنان في ايران فيذهب اليها، مثلما يشعر السني المعارض بالاطمئنان في تركيا مثلًا فيذهب اليها. ثمة عشرات من المواطنين السعوديين – من تيار الاخوان خصوصًا - هربوا إلى تركيا بعدما شعروا بالتضييق السياسي في المملكة. وبينهم مثلًا الشخص الذي قلت سابقًا انه وصفني بالطائفي والمرتبط بايران. وبعضهم ذهب إلى أوروبا والولايات المتحدة. فهل نعتبر هذا خطأ؟ الاخوان المسلمون الذين اقاموا في المملكة بعدما قُمعوا في مصر والعراق وسوريا، هل يعتبرون خونة لأوطانهم لانهم تعاملوا مع دولة اخرى؟ في رأيي لا، لأن السعي إلى الامان والاطمئنان ميل طبيعي عند البشر. حين كان الاخوان حكامًا في مصر ايام مرسي، ذهب كثير من المشايخ والحركيين السعوديين واقاموا المؤتمرات، وبعضهم قرر الإقامة هناك. لو بقي الإخوان في السلطة لوجدت كثيرًا من هؤلاء في القاهرة، فهل نعتبر كل هؤلاء عملاء ومأجورين لمصر أو لتركيا او للولايات المتحدة؟ 
 
خلاصة القول إني لا أرى المعارضين الذين تركوا البلد، سواءً كانوا شيعة أم سنة، عملاء لدول أخرى لمجرد انهم اقاموا فيها أو تعاملوا معها. أعرف معارضين سعوديين، سنة وشيعة، متدينين وضد الدين، رفضوا محاولات جادة من دول قريبة وبعيدة، للانخراط في مشروعات سياسية ضد المملكة، خشية أن يتحولوا من معارضين لسياسات حكومتهم إلى عاملين على هدم وطنهم، وهذه فضيلة تحسب للمعارضين السعوديين.
 
مبسوط اليد

 ما رأيك بالتعليم والمناهج في السعودية؟ كيف يمكن لهذا التعليم أن يساهم في وأد التمييز بين المذهبين؟

 
قالت العرب قديمًا "المرء عدو ما جهل"، أي يتوجس الإنسان في العادة من الغرباء والأشياء الغريبة، وهذا المقصود بالاية المباركة ﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾، التي تدعو للتعرف والتعارف مع المختلفين. أذكر تجربة واقعية شهدتها في المدرسة الإبتدائية التي درست فيها ابنتي في شمال غرب لندن. كانت المدرسة تحتفل بجميع الأعياد الدينية والقومية لطلابها، وكان لديهم احتفال سنوي بعيدي الفطر والأضحى والميلاد المسيحي والديوالي الهندي والغفران اليهودي. في هذه المناسبات، يُدعى متحدث من أصحاب الدين المحتفى به ليتحدث للطلبة عن معنى العيد عندهم، وكيف يقضونه وماذا يأكلون فيه ويلبسون. وكانت المدرسة تطلب من الطلاب الذين يُحتفل بعيدهم أن يرتدوا في ذلك اليوم ملابسهم الوطنية، كما تقام مأدبة تقدم فيها أكلاتهم الوطنية. كل ذلك من اجل تعزيز التعارف بين الطلبة. ابنتي الآن في الجامعة ولديها صديقات من ديانات وأجناس مختلفة، ولا أذكر أنها تحدثت يومًا عن صديقة "هندوسية" أو "سوداء" أو "نصرانية"، بل كانت تذكر اسماءهم فحسب. واعلم انهم ما زالوا يرتبطون بصداقة عميقة على الرغم من مرور عقد من الزمن على تخرجهم من تلك المدرسة. 
 
هل للمرجعية الدينية عند الشيعة دور في تحديد مستوى العلاقة بين المواطن والحكومة؟ هل العلاقة بها مؤثرة، أم أن ما تقدمه الحكومة للمواطن هو المعيار؟
 
علاقة الشيعة بمراجع الدين من القضايا التي خاض فيها بعض المشايخ في بلادنا، بناء على تصورات ذهنية خاطئة، لا علاقة لها بالواقع، وألاحظ انعكاساتها باستمرار، خصوصًا في مواقع التواصل الاجتماعي وفي أحاديثي مع بعضهم. أظن أن سبب هذا الموقف الانطباعي أن قراءاتهم مقتصرة على ما يألفونه لغة أو توجهًا. إنهم لا يقرأون (للأسف) ما يخالف ميولهم أو يستفز عقولهم. أذكر أني عاتبت احدهم وكنت في مجلسه، فقال لي انه يحتفظ بعشرات من كتب الشيعة، وحين دخلنا مكتبته لم أجد سوى أربعة كتب قديمة، اما التي كان يشير اليها بالعشرات فهي ما كتبه أعداء الشيعة عن الشيعة. ابديت له هذه الملاحظة في وقتها واخبرته انني قرأت مئات من كتب الاخوان والسلفيين وقدامى الفقهاء، وقرأت سيرهم، والتقيت بعشرات من علماء السنة المعاصرين وكتبت عنهم واستشهد بهم في كتاباتي، ولي مع الكثير منهم صداقة عميقة.
 
بعد هذا الاستطراد اقول أن الدور الفعلي للمرجع الديني عند الشيعة محصور في الشؤون الروحية. وهو لا يتدخل في أمور السياسة إلا إذا كان "مبسوط اليد" بحسب التعبير الفقهي، أي صاحب سلطة أو مدعوًا من قبل أصحاب السلطة لإبداء الرأي. من هنا، الفقيه الذي لا يتدخل في الامور السياسية في بلد ما لا يكون مبسوط اليد فيه، وإذا تدخل فطاعته غير واجبة. فلو أن آية الله السيستاني مثلا أصدر أمرًا لأهل القطيف يتعلق بأمور سياسية، فليس من واجب أهل القطيف طاعة هذا الامر ولا يأثمون لو خالفوه.
 
في إيران
 
وما الوضع في إيران على هذا الصعيد؟
 
الوضع مختلف في ايران، فالولي الفقيه فيها حاكم مبسوط اليد ضمن حدود ايران، وله سلطة كاملة بحكم الدستور. لكن سلطته لا تتعدى حدود هذا البلد. يهمني هنا الاشارة إلى أننا نتحدث في المستوى الفقهي، أي اوامر الفقيه التي يجب شرعًا طاعتها وتحرم مخالفتها، ولا نعني الآراء الفقهية أو الفتاوى العامة التي قد يريد شخص أو مجموعة اشخاص التزامها بغض النظر عن حكم الفقيه في قضية خاصة او علاقته ببلد بعينه. كما أن هذا لا يعني رجال السياسة الذين يحملون ألقابًا دينية، فآراؤهم ومواقفهم لا تعتبر دينية بالمعنى الدقيق.
 
ومن يقرأ البحوث الفقهية لمراجع الشيعة القدامى والمعاصرين، أو يدرس تاريخهم، فسيلحظ أنه لم يسبق لأحد منهم أن أصدر "حكمًا" في قضايا سياسية خارج حدود ايران. و"الحكم" في الوصف الفقهي غير الفتوى وغير الارشاد العمومي، وهو موضوع النقاش، اما الفتوى والارشاد فليسا موضوعين للنقاش، لانهما في الاصل ليسا مما يجب على عموم الناس. 
 
في مقالته "فرصة تاريخية للشيعة"، تحدث المفكر منصور النقيدان عن بعد التفجيرات التي قامت بها داعش في المنطقة الشرقية، وقيام الحكومة للمرة الأولى بترميم احد مساجد الشيعة، وتسمية قتلى  هذه الإنفجارات بالشهداء  وذكر النقيدان أن هناك فرصة كبيرة أمام وجهاء الشيعة ومثقفيهم كي يأخذوا زمام المبادرة ويتحلوا بالشجاعة والحكمة لحماية اليافعين والشباب من الإنزلاق في مهاوي الإرهاب؟
 
 لا أرى أن هناك حدثًا استثنائيًا يستدعي رد فعل استثنائياً. لكن الدعوة إلى الهدوء تتكرر في جميع أحاديث المشايخ، سواءً في المساجد أم في المجالس. لكن إذا أردنا أن نكون منصفين فإن حل المشكلات المزمنة يحتاج إلى مبادرة كبيرة تقدمها الحكومة، لأنها هي التي تختار عادة من تريد مناقشته، من الشيعة او غيرهم. كما ينبغي تحديد الأمور التي ستناقش حتى تتضح حدود النقاش ومساراته.
 
 
تجربتك  الحياتية ثرية ومليئة بنقاط التحول. ما أهمها؟
 
أول نقطة تحول في حياتي هي النجف، فهذا أول بلد زرته في حياتي. سافرت إليه وعمري 13 سنة. النجف مدينة متنوعة فيها ناس من كل أقطار الأرض. هناك شاهدت للمرة الاولى اناسًا من الصين وافريقيا وسائر الاقوام. لهذا ما زلت أتذكر حتى الأشياء الحياتية البسيطة والتفاصيل الصغيرة كالشوارع والمحلات وغيرها، بل حتى اسعار الجبنة والخضروات يومذاك. المرحلة الثانية المهمة في حياتي التي أثرت فيّ بعمق هي حرب الخليج عام 1990. وقتها كنت في بريطانيا. كنت أسأل نفسي: هل ولاية الفقيه هي النظام الذي يحقق العدل والحرية والإطمئنان؟ بعد حرب الخليج بدأت القراءة بشكل واسع جدًا حول هذا الموضوع في التراث وفي الفقه، وتكوّن عندي ايمان عميق بأن الحرية أول شيء في الوجود، قبل الدين وقبل السياسة. وبفضل هذه القراءات، انصب اهتمامي على تطوير نظريتي عن نظام سياسي ديموقراطي متلائم مع قيم الدين. وهذا ما يشغلني حتى الآن.
 
إسلام جديد
 
قلت إن الإسلام بحاجة إلى تقديم نفسه من جديد، أي نحتاج اسلامًا ملائمًا لهذا العصر. أي إسلام؟
 
هذا جزء من رؤية حول طبيعة الدين، سبق أن تحدثت عنها في مقالاتي المنشورة، وخلاصتها أن الإسلام ليس خاصًا بالمسلمين فقط، بل هو ملك البشرية جمعاء، كما قال تعالى ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا﴾. وبالتالي، كل البشر شركاء في التجربة الدينية. فمن حق أي انسان حتى لو كان غير مسلم أن يقدم رؤيته الدينية، وعلينا أن نتعامل معها كجزء من التجربة الدينية إذا كانت تساهم في تحقيق غرض الخلق والرسالة التي حددها القرآن في قوله تعالى ﴿هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها﴾، أي امركم بعمارتها. فإذا جاء شخص مثل ستيف جوبز وقدم شيئًا يسهم في عمران الأرض ورفع مستوى البشرية، فأنا أعتبره جزءًا من منظومة عمران الأرض واستجابة لأمر الله، وبالتالي هو جزء من التجربة الدينية، وله قيمة دينية، بمعنى انه يصنف واحدًا من الطيبات عند الله وعند خلق الله. وعلى مستوى تجديد الفقه، قدمت اقتراحًا بتغيير مسار الاجتهاد ليبدأ من الكلّي الثابت إلى التفاصيل الفرعية المتغيرة. في الوقت الراهن، يستنبط الفقيه أحكامه وفتاواه انطلاقًا من الاسئلة التي توجه اليه في القضايا الفرعية. وارى كثيرًا من أجوبة المسائل الفرعية متعارضة مع المنظور الكلي للدين. لهذا يتساءل الناس: هل يُعقل أن يمنع الاسلام المرأة من قيادة سيارة أو من تولي الوزارة؟ أليست قيمة العدل والمساواة أساسية في الدين وحاكمة على فروعه؟ ومثلها الفتاوى التي تدعو إلى حجب حرية التفكير والتعبير والكتابة. كيف تنسجم هذه الفتاوى مع "حفظ العقل"، احد المقاصد العليا للتشريع؟ كيف يمكن حفظ العقل من دون حرية تفكير ومن دون حرية تدفق المعلومات والنقد والنقاش المفتوح؟ وكذا الاحكام الخاصة بتداول المال والبنوك.
 
وما اقتراحك في هذا الأمر؟
 
اقترحت تغيير مسار الاجتهاد بحيث يبدأ من تعريف مقاصد الشريعة، أي الاغراض التي من اجلها شرع الدين. وقال قدامى الفقهاء إنها ضروريات خمس تتلخص في "حفظ النفوس والأموال والأعراض والعقول والأديان". ثم نضع امامنا اسئلة مثل ما هي الوسائل التي تؤدي إلى حفظ هذه الضروريات؟ وما هي العوامل التي تؤدي إلى اضعافها او تدميرها؟ وبناء على تشخيصنا تلك العوامل، نضع السياسات العامة والاحكام الفردية. فكل ما يؤدي إلى حفظ المقاصد الخمسة يأخذ حكم الواجب او المستحب، وكل ما يؤدي إلى إضعافها يأخذ حكم الحرام أو المكروه. ولو اتبعنا هذه الطريقة فنجد ضمان حرية الاعتقاد والتفكير والتعبير في قائمة الواجبات، ومثلها الاستثمار في التنمية والصناعة وانتاج العلم، ومثلها التفاعل والعمل مع أمم العالم غير المسلمة من أجل صيانة البيئة الكونية واجتثاث الفقر ومكافحة الأوبئة. خلاصة القول إننا بحاجة إلى فهم جديد للدين، منسجم مع الافق التاريخي لعالم اليوم، فهم يجعلنا أكثر قدرة على المساهمة في عمران الأرض وصناعة مستقبل العالم. 
 
كلمة اخيرة لإيلاف
 
اشكرك شخصيا واشكر الاعزاء في ايلاف، سيما اخي الكبير الاستاذ عثمان العمير الذي احتفظ له بالكثير من الود والذكريات الطيبة، وأشعر ان ابتعاده عن الشأن العام خسارة للبلد، فهو من نوع الاشخاص الذين يدركون عمق القضايا ونهاياتها، ولا يتوقفون عند السطح، ولا يؤخذون بمظاهر الاشياء. 
 
​​

 


في أخبار