GMT 10:30 2016 الأربعاء 18 مايو GMT 20:41 2016 الإثنين 11 يوليو  :آخر تحديث
تحولات الربيع العربي رهينة الزمن

عبد الرحمن الراشد لـ"إيلاف": إعلام لا يتغيّر محكوم بالموت

أحمد العياد

إيلاف من الرياض: لا يخطر ببال أحد أن عبد الرحمن الراشد، الذي يهز عرش السياسة بمقالات هادرة في جريدة "الشرق الأوسط"، هو نفسه عبد الرحمن الراشد الهادئ المستكين الدمث. إنه سكون العاصفة دائمًا. سكن أربعين عامًا إلى أن عصف بلقب شخصية العام الإعلامية، فوقف على منصة التكريم في منتدى الإعلام العربي هامةً إعلامية عربية قلت نظائرها.

عبد الرحمن الراشد المخضرم المحنك في الإعلام يعرف من أين يؤكل كتف الخبر، فهو نفسه من اتهم التلفزيونات الغربية في عام 2008 بأنها هي من صنعت نجومية والد القاعدة أسامة بن لادن، إذ تقاطرت على بث مقاطع الفيديو التي كانت تروّجها القاعدة، وهو من حرص كل الحرص في أيامه في قناة "العربية" على إبراز تكلفة "الإرهاب" الإنسانية في برنامج "صناعة الموت".

بعد هذا التكريم الأخير، كتب مصرًا على أن الجائزة لا تخصه وحده، "لأن كل ما حققته كان عملًا جماعيًا، سواء في المطبوع أو التلفزيوني أو الوثائقي أو الرقمي والتواصلي (..) والمعارك التي خضتها بعضهم دفع حياته ثمنًا لها، تغمدهم الله برحمته. لم تكن وظيفة روتينية، ولم نكن في منافسة مهنية محترمة". والراشد علم من أعلام السعودية، بدأ العمل الصحافي، وهو بعد في المدرسة، ثم تعاون مع صحيفة الجزيرة السعودية، فعرف عنه إصراره على الوصول إلى هدفه. 

صار مديرًا لمكتب الصحيفة في واشنطن، دارسًا في الوقت نفسه الإنتاج السينمائي. وبعد واشنطن، شد رحاله إلى لندن، التي سبقه إليها صديقه عثمان العمير، الذي صار رئيسًا لتحرير "المجلة"، فكان نائبًا له. يقول الراشد في وصف "المجلة" إنها كانت تمثل تحديًا كبيرًا، لأن القارئ المتجه إلى شرائها عليه أن يجد محتوى مختلفًا يستحق عناء الشراء؛ لأنها بحاجة إلى موضوعات شاملة وعناوين متنوعة وفقًا لتبويبها وزمنها. 

بعد عامين، صار رئيسًا لتحريرها لعشرة أعوام، تميزت بالكثير من الحوارات السياسية، ربما أشهرها حواره مع الرئيس المصري السابق حسني مبارك في عام 1989. وكأن القدر مرسوم للراشد والعمير بأن يقتفي الأول أثر الآخر، انتقل الراشد إلى "الشرق الأوسط" رئيسًا لتحريرها، مستلمًا الزمام من العمير، في عام 1998. وفي عام 2000، ذاع صيت الراشد حين نشر حوارًا مع بشار الأسد، كان أجراه معه قبل 5 أعوام من وفاة أبيه حافظ.

للأسلوب "الراشدي" قصة، لا يعرفها أحد أكثر من عثمان العمير. يقول لعبدالله آل هيضة في "الشرق الأوسط": "لست مع أن يكون رئيس التحرير كاتبًا، لكن الراشد جمع بينهما ونجح، وكان ذلك عبر الناشرين هشام ومحمد علي حافظ"، اللذين طلباه إلى مكتبهما، وقالا: "نريد أن يكون الراشد كاتبًا في الشرق الأوسط"، وهو حينها كان رئيسًا لتحرير المجلة، بعد وفاة الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين، وقالا إنهما يعتقدان أن الراشد سيكون أحمد بهاء الدين في كتابة العمود الصحافي". يقول العمير: "أيدتهما، وبدأ العمود في عهدي، الراشد يؤكد أنه يفضل أن يكون كاتبًا على أن يكون رئيس تحرير، هو متشبع بتلك الفكرة".
 
"إيلاف" إلتقت عبدالرحمن الراشد، فكان اللقاء عابرًا، لكنه محمّل بنكهته الخاصة، وكان هذا الحوار:
 
مبارك فوزك بجائزة شخصية العام الإعلامية في حفل جائزة الصحافة العربية. ماذا تمثل لك هذه الجائزة بعد أربعين عامًا من العمل الإعلامي؟
من يعمل مثل من يدرس في مدرسة أو جامعة... فهذه الجائزة بالنسبة إليّ شهادة اعتز بها، وأشكر الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عليها.
 
قلت إن رؤية 2030 ليست خيارًا. كيف يمكن تحقيق هذه الرؤية وما معوقاتها، خصوصًا أنك تتحدث دائمًا عن الاستثمار في الإنسان، وهذا ما ترتكز عليه الرؤية؟.

صحيح. لا نحتاج الضرب في الرمل، كي نعرف أن يومًا سيأتي، فلا نجد فيه موردًا ماليًا من البترول. هذا الاحتمال أصبح أكثر وضوحًا وواقعية من أي يوم مضى، بوجود منتوجات البترول الجديد، كالزيت الصخري، والغاز الصخري أيضًا، وبدائل الطاقة المتجددة، التي أصبحت تسير على أربع عجلات وتوليد الطاقة من الرياح والشمس، كلها قادرة على هزيمة النفط.

باختصار شديد، السعودية مهددة أكثر من أي دولة أخرى في حال نضوب مواردها المالية، وحتى لو لم ينضب النفط. لهذا مفهوم رسم رؤية جديدة للمستقبل ضروري للأجيال الآتية ومسألة بقاء الدولة، وهناك أمر آخر، وهو أن عدد سكان السعودية في الستينيات كان زهاء 6 ملايين نسمة، بينما يفوق اليوم 25 مليونًا، وربما يصل إلى 40 مليونًا في نهاية عام 2030، أي إن هناك خطرًا حقيقيًا إذا لم تتبنَّ الدولة مشروعًا يبحث عن موارد أخرى بطريقة مختلفة.

أما في ما يخص الاستثمار في الإنسان السعودي، نأخذ مثال كوريا أو سنغافورة، فميزتهما في العقول الموجودة فيهما، لكن تهيئة الإنسان السعودي كي يكون على مستوى الخطة المقترحة برأيي هو التحدي الحقيقي.
 
في إحدى مقابلاتك ذكرت أن حركة المجتمع سريعة جدًا. من يقود التغيير: المجتمع أو الحكومة؟.

الحكومة يجب أن تقود... أن يكون لديها المشروع والخريطة. المجتمع جزء أساس من المخطط، لأن الحكومة لا تستطيع تنفيذ أية خطة تنموية من دون إشراك المجتمع السعودي وإقناعه، بمن فيهم العاملون خارج الإطار الحكومي. نرى في مشروع الرؤية توفير مساحة كبيرة للقطاع الخاص، أكثر من أي خطة تنموية سابقة، وأكبر من الخطط التنموية التي ظهرت في الدول العربية.
 
ليس متقدمًا
كإعلامي محترف في الإدارة الإعلامية، لماذا الإعلام الإيراني متقدم بخطوات على الإعلام السعودي خارجيًا؟
لا أتفق معك في هذه النقطة. الانفراج الذي حدث لإيران أخيرًا لا يرد إلى أن إعلامها عظيم، لكن إلى أن سياسة إيران تعتمد على إصرار لنحو أربعين سنة أوصلها إلى نقطة الاتفاق هذه. أما إعلام إيران نفسه فلا علاقة له بالانفراج السياسي مع الأميركيين، بل بالعكس، فالإعلام الإيراني ضعيف جدًا. الشيء الجديد الذي تطور في نشاط إيران الإعلامي هو أنها عززت حضورها في واشنطن. أعتقد أن هذا طبيعي نتيجة المصالحة التي حدثت مع الأميركيين.
 
في مقال لك بعنوان "غيّرت تاريخنا فهل تغيّر حياتنا" أثناء الثورات العربية في عام 2011، كتبت: "الثورات هدمت قلاعًا سيئة حكمت لعقود بالظلم والطغيان، فهل تنتهي حقبة الديكتاتوريات، ويبدأ عصر العدل السياسي المنشود؟". بعد 5 سنوات من الربيع العربي، هل بدأ عصر العدل السياسي المنشود؟
 
هذا سؤال لحظي. قبل تلك اللحظة كان سقوط القذافي أمرًا شبه مستحيل، وكذلك الانتفاضة على نظام أمني مطبق على كل الحياة في سوريا. شيء يشبه الخرافة. عندما نشاهد حوادث اليوم، ونضعها في سياق زمني تاريخي مستقبلي طويل، لا في سياق خمس أو عشر سنوات مقبلة فحسب، نسأل: هل ما حدث سيكون له أي تأثير في عام 2040 أو ما بعده؟، أعتقد نعم سيكون هناك تغيير هائل. العالم كله تغيّر، أميركا الجنوبية تغيّرت، معظم أفريقيا تغيّر، جنوب شرق آسيا معظمه تغيّر، ووسط آسيا. كل هذه العوالم تغيّرت، إلا العالم العربي، الذي بقيّ جامدًا حتى الآن، ويجب أن يتغيّر إلى الأفضل، سواء بخطوات بطيئة، أم بصدمات مؤلمة وحروب مروعة، كما حدث في عام 2011. الإجابة عن هذا السؤال متروكة للزمن.
 
قلت في مقابلة تلفزيونية إن الصحف تؤثر في صناع القرار والإعلاميين والنخب أكثر من القنوات الفضائية. لمن يكتب عبدالرحمن الراشد؟، للقارئ العادي أم لصانع القرار؟.

أنا أكتب لعموم القرّاء المهتمين بالحوادث حولهم، بينهم صانع قرار أو مؤثر في صانع القرار أو مؤثر في مؤثر بشكل عام. المهم تسويق الأفكار وإحياء النقاش الإيجابي.
 
لا تخافوا التغيير
التحول القادم هو الذهاب نحو إنتاج البرامج على "يوتيوب". كيف ترى مستقبل التلفزيون؟
التلفزيون مثل الصحف، وسيلة إعلامية قديمة، والخطأ أن نرى التلفزيون شاشة نقيسها بحجم البوصات، أو أن نرى الجريدة ورقًا مطبوعًا فحسب. الصحيفة محتوى مقروء، والتلفزيون محتوى مرئي، سواء وصلك هذا المحتوى على صحيفة أو تلفزيون أو على شاشة موبايلك أو جهازك المكتبي، فهو في النهاية محتوى. من أكبر المواقع وأكثر حسابات التواصل رقمًا وتأثيرًا لا تزال وسائل الإعلام التقليدية. محنتها ليست الوصول إلى الجمهور، بل تعويض حصتها الإعلانية المتناقصة.

لا اتفق مع حالة الفزع والخوف من التغيير، ولا مع القول إن التغيير سيقتل الصحف والقنوات الفضائية. التغيير سيكون في الأدوات والوسائل، والصحف والقنوات الفضائية القادرة على استيعاب التغيير ستكون أقوى من قبل. أما التي لا تتغير فمحكوم عليها بالموت. في هذا الإطار، هناك العديد من القنوات التي استفادت من المنصات الحديثة، وتستطيع مشاهدتها من اليوتيوب، كـ"العربية وإم بي سي وروتانا"، حتى لو كنت في البرازيل.

وصحف مثل الشرق الأوسط والحياة، وحتى أصغر جريدة في العالم العربي، صارت أو ستتحول إلى صحف رقمية أكثر من ورقية. أما "إيلاف" التي افتتحت الرقمية، فهي الآن صحيفة إلكترونية، وليست موقعًا إلكترونيًا فقط. بسبب وسائل الاتصال يتغير العالم. عقولنا وعاداتنا وثقافاتنا، لا وسائل الإعلام وحدها.
 
ما زلت في داخل المشهد السياسي من خلال كتابتك اليومية للمقالات لكنك خارج العمل الإعلامي. لماذا؟
أنا حاضر في الساحة الإعلامية، بدلًا من وجودي كإداري إعلامي موجود من خلال مقالاتي، أو من خلال الأفلام الوثائقية التي أشارك في صناعتها. خلعت فقط قبعة الإعلامي الإداري.
 
ذكرت في أحد لقاءاتك الصحافية أن منصبك كمدير لقناة "العربية" كان سبب عزوفك عن الظهور التلفزيوني. تركت "العربية"، لكن العزوف مستمر. لماذا؟

الظهور التلفزيوني يحتاج لياقة وتدريبات. للأسف ليست عندي لياقة كافية للظهور في التلفزيون بعد.
 
أثق في أحمد العيسى
لطالما تحدثت عن التعليم، وأثنيت على كتاب الوزير الحالي للتعليم أحمد العيسى، وقلت إنه عرض المشكلة التعليمية بشكل لم نستطع تقديمها في كل مقالات النقد الماضية. هل العيسى قادر على حل إشكاليات التعليم المتوارثة؟

أنا أقرأ لأحمد العيسى ككاتب، وأعرفه كصاحب نظرية في التعليم، وليس عندي أدنى شك في جودة أفكاره. لكن هل هو كإداري قادر على إحداث تغيير؟ الوقت لا يزال مبكرًا للحكم عليه، والتحديات أمامه كثيرة في وزارة فشل معظم من سبقه في إصلاحها. مع هذا، لا بد من أن ينجح، لأن التعليم مفتاحنا إلى النجاح وخشبة النجاة. أعرف أن عند الوزير العيسى الرؤية الواضحة، وعسى أن تكون لديه العزيمة والإمكانات. سوف ننتظر ونرى.
 
كيف تنظر الآن إلى قناة العربية بعدما تركتها؟
قناة العربية مؤسسة كبيرة، سواء عمل فيها عبدالرحمن الراشد أو خرج منها. إنها مؤسسة قائدة للإعلام الكبير، قادرة على شن الحروب، وتهيمن على مساحات ضخمة من الناحيتين الجغرافية والديموغرافية. إنها مؤسسة مهمة جدًا، وفيها يعمل أفضل الإعلاميين العرب، وتأثيرها مستمر دائمًا.
 
كلمة أخيرة لـ"إيلاف" بمناسبة مرور 15 عامًا على تأسيسها؟
أنا من أقرب الناس للصديق عثمان العمير، ناشر "إيلاف" ورئيس تحريرها، وتعلمت معه ومنه الكثير. يتميّز بأنه رائد في الإعلام العربي، صاحب أفكار جديدة، وليس فقط ممارسًا إعلاميًا. عندما رحل من الرياض إلى لندن، شكل حالة صحافية سعودية نادرة، سبقه إليها المهاجرون اللبنانيون الهاربون من الحرب. افتتح مكتب جريدة الجزيرة في لندن. وفي كل مكان تولاه عثمان العمير يبدأ شيء جديد. هو ضد التقليد ومع التغيير. وعندما أطلق "إيلاف" افتتح بها عهد الصحف الرقمية قبل 15 عامًا. حينها كانت القوانين والنظم تمنع الكلمة المنشورة من غير التراخيص، لكن "إيلاف" الصحيفة، و"إيلاف" الفكرة، شجعت الآخرين على السير في الدرب نفسه.

 


في أخبار