GMT 9:53 2017 الثلائاء 3 يناير GMT 2:56 2017 الخميس 5 يناير  :آخر تحديث
من صناعة القرار في عالم النفط الى هندسة العلاقات السياسية

تعيين تيلرسون للخارجية ينبئ بإدارة أميركية غير اعتيادية

عبد الاله مجيد

مفاجئ اختيار دونالد ترامب رئيس إكسون موبيل ريكس تيلرسون وزيرًا للخارجية، لكن هذا راكم في موقعه خبرات ومهارات ربما يتفوق بها على من سبقه في هذا المنصب، خصوصًا في السياستين العراقية والروسية.

إيلاف: بعيدًا عن السياسة، يتفق الجميع على أن دونالد ترامب لن يكون رئيسًا تقليديًا للولايات المتحدة، وبالتالي لا غرابة في أن تكون تعييناته في مناصب حساسة في إدارته غير تقليدية ايضًا. على رأس هذه التعيينات اختيار ريكس تيلرسون، رئيس إكسون موبيل التنفيذي، وزيرًا للخارجية. 

فمن الوهلة الأولى، ربما يبدو اختيار تيلرسون غريبًا لقيادة الدبلوماسية الأميركية، ولا سيما أن العديد من وزراء الخارجية السابقين تمتع بتاريخ في الإدارة الحكومية والعمل الدبلوماسي. لكن مراقبين يؤكدون أن خبرة تيلرسون في صناعة النفط والغاز أعدته خير إعداد لمهمات كبيرة ومعقدة ينهض بها من يتولى وزارة الخارجية. 

مهمات متشابهة

على الرغم من انعدام خبرة تيلرسون في العمل الدبلوماسي، فإن قيادته أكبر شركة نفطية في العالم تعبر عن براغماتية ونظرة إلى العالم سترشدانه في توجيه بوصلة السياسة الخارجية الأميركية، في حال المصادقة على تعيينه طبعًا. 

لكي تقوّم الشركة النفطية المخاطر المحتملة على أي مشروع تريد تنفيذه تقويمًا وافيًا، يجب أن تعرف سمات البلد الجيوسياسية بكل دقائقها، من مناخها السياسي الحالي على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، إلى مسارها على المدى البعيد. ويجب أن تعرف شركة النفط معرفة كاملة تضاريس الأرض التي ستمر فيها أنابيبها وتُحفر آبارها، والأطراف المحلية أو الخارجية التي قد تتنازع السيطرة عليها. 

في أثناء رئاسته إكسون موبيل في السنوات العشر الماضية، أدى تيلرسون دورًا لا يختلف عن دور وزير الخارجية، وعُومل بهذا الصفة في بلدان لشركته مصالح معها. وعمل تيلرسون مع شركات نفط وطنية عدة، كثيرًا ما تتحول ساحات صراع بين سياسيين متنافسين بسبب علاقاتها المتينة مع حكومات بلدانها. واكتسبت شركته خبرة واسعة من احتكاكها المباشر بالأوضاع السياسية المعقدة في بلدان مثل العراق وروسيا، ستكونان على رأس أجندة وزير الخارجية الاميركي الجديد. 

الخبرة العراقية

يدشن تيلرسون عمله وزيرًا للخارجية متمرسًا بمتاهات السياسة العراقية. ففي عام 2009، نالت إكسون موبيل حقوق استثمار حقل غرب القرنة-1 في جنوب العراق. لكن حكومة بغداد سرعان ما تخلفت عن تسديد التزاماتها المالية بموجب عقد الخدمة الموقع بينها وبين إكسون موبيل. ونتيجة ذلك، قررت الشركة المخاطرة بالتعامل مع حكومة إقليم كردستان من دون موافقة بغداد. وعلى الرغم من احتجاجات نوري المالكي، رئيس الوزراء وقتذاك، فان الشركة كانت تعرف انه لن يغامر بعرقلة عملها لمعاقبتها على التعامل مع إربيل. 

وبتعامل إكسون موبيل مع حكومة إقليم كردستان، لم تُغضب الحكومة العراقية فحسب بل تحدت سياسة الادارة الاميركية أيضًا. يُضاف إلى ذلك أن مشروعات الشركة في إقليم كردستان واجهت تهديدًا من تنظيم الدولة الاسلامية "داعش" وتعرضت لمخاطر بسبب الخلاف بين بغداد واربيل حول مناطق نفطية متنازع عليها.  هذه كلها خبرات سلحت تيلرسون بمعرفة واسعة بالتحديات التي تنتظر وزير الخارجية الاميركي الجديد في العراق. 

يعرف روسيا جيدًا

ليس سرًا أن تيلرسون أقام علاقة قوية مع روسيا منذ تعيينه نائب رئيس إكسون موبيل في عام 1998، وبالتحديد مع الرئيس فلاديمير بوتين، وايغور سيتشين رئيس شركة روسنفت الروسية العملاقة. اتبع تيلرسون في تعامله مع روسيا طريقته المعهودة في إقامة مشروعات مشتركة مع شركات النفط الوطنية. وحين تولى تيلرسون رئاسة إكسون موبيل، واصل استراتيجيته هذه في قطر والامارات وروسيا.  لكن عندما فرضت الولايات المتحدة عقوبات ضد روسيا في عام 2014، تضررت مشروعات إكسون موبيل مع روسنفت بمنعها من مواصلة تنقيبها في المياه الروسية العميقة والقطب الشمالي. 

في السنوات التي اعقبت ذلك، قررت إكسون موبيل خرق العقوبات ضد روسيا. وفي الوقت نفسه، أظهر تيلرسون أن مصالحه في روسيا تجارية محضة. السؤال المطروح الآن هو كيف سيُترجم موقف تيلرسون من روسيا إلى عمل دبلوماسي وقرارات في السياسة الخارجية. فخبرته من العمل مع روسيا منحته معرفة عميقة بمفاصل البلد واحتياجاته وتكتيكات حكومته وطريقة عمل الكرملين. وابدى تيلرسون استعدادًا لمواجهة ألاعيب موسكو والتفاهم معها عند الضرورة. ومن المتوقع أن يعتمد السياسة نفسها وزيرًا للخارجية، ربما مع مجال اوسع للمناورة في التصدي لمطالب الكرملين. وعلى الرغم من أن موسكو ربما تحاول استدراجه إلى إلغاء العقوبات، فانه لن يفعل ذلك من دون مقابل. وتاليًا، ستكون لخبرة تيلرسون الروسية أفضلية لكنها لن تكون حلًا سحريًا للمشكلات، وستبقى للولايات المتحدة اعتباراتها الاستراتيجية التي يجب أن تراعيها.  

المسألة الإيرانية

من المجالات التي ليس لتيلرسون خبرة فيها مستقبل العلاقات الأميركية مع إيران. فالعقوبات ضد ايران منعته من التعامل معها وحالت دون تمكنه من اقامة العلاقات نفسها التي اقامها مع روسيا والعراق. لكن الأرجح أن البراغماتية ستكون سيدة الموقف في مفاوضات تيلرسون مع طهران.

وكان ترامب حمل على الاتفاق النووي مع ايران بوصفه كارثة، لكن محللين يرون أن الانسحاب من الاتفاق سيكون بالغ الصعوبة، ومن شأنه أن يثير ردات فعل سلبية، ليس من ايران وحدها بل من حلفاء الولايات المتحدة مثل فرنسا. 
من المتوقع أيضا أن يرى وزير الخارجية فائدة في الحفاظ على توازن للقوى في المنطقة لضمان سلامة الممرات البحرية وتفادي إشعال نزاع في مضيق هرمز. ومن المؤكد تقريبًا أن يتعامل تيلرسون مع الاتفاق النووي بواقعيته المعهدة آخذًا في الحسبان أن الحفاظ على الاتفاق هو في مصلحة إيران. 

تأثير في النفط والتجارة

على الرغم من أن تيلرسون لن يكون مسؤولًا عن السياسة الطاقية أو التجارية، فإن كلمته ستكون مسموعة بوصفه قطبًا من أقطاب الإدارة يحظى بثقة الرئيس. وكان تيلرسون أكد أن آفاق اعتماد الولايات المتحدة على مواردها النفطية الذاتية وتحقيق أمنها الطاقي إنما هي حلم سياسي، وأن الولايات المتحدة ستكون دائمًا جزءًا من النظام العالمي.

وقال إن افضل طريقة لضمان إمدادات الطاقة إلى الولايات المتحدة هي ضمان استقرار الامدادات العالمية ونموها، لأن تعطيل هذه الامدادت في أي مكان ستكون له تداعياته في كل مكان. ويعكس هذا الموقف فهمه التجارة الدولية والأسواق النفطية، ومن المرجح أن يستند إليه في تحديد أهداف السياسة الخارجية والتعامل مع الأزمات أيضًا. 

باختصار، خبرة تيلرسون على رأس أكبر شركة نفطية في العالم ستحدد شكل تفاعلاته مع زعماء العالم وتؤثر في مسار السياسة الخارجية الأميركية. وعلى الرغم من أن تيلرسون خيار غير تقليدي لمنصب وزير الخارجية، فإنه سيتولاه بمعرفة واسعة للقوى المحركة في عدد من أكثر مناطق العالم اضطرابًا. وفهمه للنظام العالمي وتكامله يثير تساؤلات عن مآل خطط الرئيس المنتخب لانعزالية الولايات المتحدة وانكفائها على نفسها. 
 
اعدت "ايلاف" هذا التقرير بتصرف عن موقع "ريل كلير وورلد". الأصل منشور على الرابط الآتي:
http://www.realclearworld.com/articles/2016/12/29/an_oilmans_guide_to_foreign_affairs_112157.html
 


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار