GMT 23:00 2017 السبت 7 يناير GMT 15:06 2017 الأحد 8 يناير  :آخر تحديث
يحول المنطقة من مرتع لعدم الاستقرار إلى مجتمع مزدهر

تقرير أولبرايت - هادلي: إستراتيجية جديدة للشرق الأوسط

إيلاف- متابعة

إيلاف - متابعة: نشرت « مجموعة عمل استراتيجية الشرق الأوسط التابعة لمجلس الأطلنطي»، برئاسة مادلين أولبرايت (وزيرة خارجية الولايات المتحدة السابقة) وستيفين هادلي (مستشار الأمن القومي السابق)، تقريرها النهائي بعنوان « تقرير أولبرايت - هادلي: إستراتيجية جديدة للشرق الأوسط». ويحتوي على توصيف للوضع في الشرق الأوسط والمشاكل التي تواجه المنطقة، كما يقترح خطوات وإجراءات عملية وفق استراتيجية معينة لإنجاز عملية تغيير حقيقي في هذه المنطقة.

واقترح التقرير نهجًا استراتيجيًا جديدًا، وبموجبه يجب على قادة وشعوب المنطقة أن يتحملوا المسؤولية الكاملة عن رسم رؤية إيجابية جديدة لمجتمعاتهم، وفي الوقت نفسه، تعمل الأطراف الخارجية، مثل الولايات المتحدة، على المساعدة في حل الصراعات العنيفة، التي تقف حالياً في طريق تحقيق أي رؤية للمنطقة.

وينص النهج الاستراتيجي الجديد على أجندة عمل من شقين، ينفذا معاً؛ وستأخذ القوى الخارجية زمام المبادرة جنباً إلى جنب مع الجهات الفاعلة الإقليمية في الحد من الحروب الأهلية والتخفيف من المعاناة الإنسانية، وكذلك التخلص من وجود تنظيم داعش في العراق والشام في الأراضي التي استولى عليها. وفي الوقت نفسه، ستعمل الجهات الإقليمية الفاعلة، بدعم من قوى خارجية على استغلال الثروة البشرية غير المستغلة إلى حد كبير، وبالأخص المواهب البشرية غير المستغلة من الشباب والنساء.

ويمثل هذا التقسيم المكمل للجهود بين الجهات الفاعلة الخارجية والداخلية ميثاقاً لمنطقة الشرق الأوسط، وهو يلغي الافتراضات القديمة بأن البلدان والشعوب يجب أن يختاروا ما بين الأمن ومجتمعات أكثر انفتاحاً. وتتخذ البلدان في المنطقة مزيداً من الخطوات لتحسين حكمها وحياة شعوبها، حيث كلما زادت شرعيتها، كلما توقعت مزيداً من الدعم من الولايات المتحدة الأميركية ومن شركائها عبر الأطلنطي.

 تحقيق الأمن والسلام

ويتطلب الشق الأول، مع تركيزه على القضايا الأمنية من أعلى إلى أسفل، جهداً كبيراً من قبل القوى الخارجية في التعاون الكامل مع تلك الجهات الإقليمية الفاعلة، الراغبة في المشاركة في هذا الميثاق؛ وعلى الرغم من كون المهام المطلوبة شاقة، إلا أنها قابلة للتنفيذ، وهي تبدأ بدول المنطقة الأربع الغارقة في الصراع الأهلي.

ويبدأ التقرير في سوريا، حيث توفر الانتهاكات الإنسانية لنظام الأسد بيئة مناسبة للتجنيد في داعش؛ ويجب الحد من هذه الانتهاكات –عسكرياً إذا لزم الأمر- ومن المحتمل أن يثبت العمل العسكري ضروريته، ويجب تعزيز قوى المعارضة لحماية المدنيين من نظام قاتل وقتال تنظيم داعش والقاعدة، وذلك بدعم خارجي متنامٍ؛ ويجب الإسراع في هزيمة تنظيم داعش في سوريا، والبدء في عملية المصالحة وإعادة إعمار البلد المدمر؛ وكذلك يجب استخدام الجهد العسكري الداعم كوسيلة ضغط لدفع النظام وداعميه الخارجيين باتجاه الحل السياسي.

وسيدعم عنصر حيوي لهذا الحل الجهود المبذولة من الأقل على الأعلى، حيث سيتم إشراك المجموعات المدنية المحلية والسوريين، الذين اضطروا ليحكموا أنفسهم على المستويات المحلية بسبب انهيار الدولة. وإذا كان على البلد البقاء ككيان واحد، فإنه يتوجب على الحكومة السورية المعاد تشكيلها توفير المزيد من الحكم الذاتي والموارد، التي تمكن المحافظات والحكومات المحلية من تحمل مسؤولية أكبر تجاه مواطنيها، وإعطائهم حرية أعظم لتقرير مستقبل بلادهم. وهذا هو نموذج جديد للحكم الوطني، والذي يعد ذا أهمية، ليس فقط للدول الخارجة من حرب أهلية، ولكن أيضاً لدول المنطقة التي تسعى لتعزيز شرعيتها، ولمزيد من الدعم لشعوبها.

وبحسب التقرير، يجب على الجيش الوطني في العراق -مع الدعم الكامل من الفاعلين الخارجيين- أن يتولى زمام المبادرة في هزيمة تنظيم داعش، حيث ربما يؤدي ترك هذه المهمة للميليشيات الشيعية إلى تسريع دوامة السقوط في العراق، فيجب أن تركز الحكومة العراقية مرة أخرى، مع الدعم الخارجي القوي والتشجيع، على المصالحة وتحقيق الاستقرار. وسيستلزم هذا الأمر تلبية الاحتياجات الإنسانية، والتغلب على التوترات الطائفية، واستعادة الحكم المدني الفعال، وتحفيز الانتعاش الاقتصادي في المناطق المحررة. ويعتمد بقاء العراق كدولة واحدة إلى حد كبير على النظر للحكومة باعتبارها ضامناً أكثر مصداقية للمصالح العربية السنية من تنظيم داعش. وسوف يتطلب أيضاً، كما في حالة سوريا، نموذجاً جديداً للحكم، يوفر استقلالاً متزايداً ومواردَ للمحافظات والحكومات المحلية؛ ويتوجب على الجهات الفاعلة الخارجية الضغط على الحكومة في بغداد وحكومة إقليم كردستان لحل الخلافات بينهما؛ كما يجب أيضا التصدي للفساد المستشري، ويمكن لسلطة الحكم المحلي أن تقدم مرة أخرى جزءاً رئيسياً من الحل، جنباً إلى جنب مع الدعم القوي للقادة الذين وضعوا أنفسهم في خطر شخصي، من أجل مواجهة الفساد والمصالح الخاصة.

ويضيف التقرير:« في ليبيا، يفرض التاريخ دوراً قيادياً على شركائنا الأوروبيين؛ ومع ذلك، سوف يُتطلب من القيادة الأميركية دفع أوروبا المنقسمة حالياً وحشد الفاعلين الخارجيين - بمن فيهم العديدون من الشرق الأوسط- لتوفير دعم موحد لحكومة الوفاق الوطني، بدلاً من توفيره للفصائل الإقليمية».

أما في اليمن، فيجب - بحسب التقرير- على الأطراف الخارجية الفاعلة إقناع المملكة العربية السعودية بإعطاء الأولوية لحل سياسي للصراع. وفي الوقت نفسه، يجب أن تتوقف العمليات العسكرية الحوثية قرب وعبر الحدود السعودية. فمثل سوريا، أصبح اليمن كارثة إنسانية، تتطلب جهود التخفيف من الخارج ومن الفاعلين الإقليميين على حد سواء، ويجب كذلك أن تستمر هناك جهود مكافحة الإرهاب ضد فرع تنظيم القاعدة.

الحد من الحروب الأهلية

وأكد التقرير ضرورة العمل على الحد من الحروب الأهلية عزيمة قوية، ولكن يجب أيضًا أن يتعامل الشق الأول من هذه الاستراتيجية مع عدد من المهام الأخرى في انتظار تطبيق حل الدولتين كحل مستقر ومستدام للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، حيث يجب أن تستمر مهمة بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية المستقبلية، بل ويتم تسريعها، إلى جانب تشجيع إسرائيل على تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني مع السلطة الفلسطينية.

وفي ما خص تركيا تتطلب التغييرات السياسية داخلها بالتوازي مع المصالح المشتركة مع الولايات المتحدة حواراً استراتيجياً أكثر قوة بين أنقرة وواشنطن؛ ويعتبر هذا الأمر بالغ الأهمية، ليس فقط لمعالجة المسائل ذات الاهتمام المشترك، مثل تدفقات اللاجئين وتنظيم داعش ونظام الأسد، ولكن أيضاً لحل القضايا الراهنة في العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وتركيا، بما في ذلك العلاقات مع الأكراد السوريين.

ودعا التقرير الى ردع التدخل الإيراني في العالم العربي، حتى في الوقت الذي يتم فيه إشراك طهران بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك (مثل الإتفاق النووي عام 2015). ويجب أن يطمئن أصدقاء الولايات المتحدة وشركاؤها إلى أن الولايات المتحدة تعارض الهيمنة الإيرانية، وأنها ستعمل معهم لمنع ذلك.

وفي ما خص اللاجئين، أكد التقرير أنه يجب أن يتحرك الدعم للاجئين من توفير الاحتياجات الأساسية نحو دعم دمجهم الاقتصادي في البلدان المضيفة، وتمكين قدرتهم على العودة إلى ديارهم؛ وتحتاج المنطقة إلى نهج مختلف تجاه مساعدة ودعم اللاجئين والنازحين داخلياً، حيث يعتبر البالغون غير القادرين على تجميع المدخرات، والأطفال غير المنتسبين في التعليم هم الأقل احتمالاً للعودة إلى أوطانهم وإعادة بنائها. وتعتبر تلك الدول التي تتحمل العبء الأكبر من نزوح اللاجئين مثل الأردن ولبنان وتركيا جديرة بالمساعدة القوية والمستدامة؛ فتعاطفهم ودعمهم للاجئين السوريين هو في الصالح العام العالمي. ومع ذلك، فإن الأعباء ثقيلة، وتحتاج إلى المساعدة الخلاقة. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تساعد المدفوعات النقدية للاجئين بدلاً من المساعدات العينية على تحفيز الاقتصادات المحلية، والتخفيف من الاستياء على المستوى المحلي. وخلافاً للمعتقدات الشعبية القائمة، فإن منح اللاجئين الإجازة القانونية للعمل في الاقتصادات المحلية، يمكن أن يؤتي بفوائد ضخمة لقاعدة الضرائب المحلية، وينتج نمواً اقتصادياً عاماً.

إطلاق الإمكانات البشرية والاقتصادية في المنطقة

يؤكد الشق الثاني من المقاربة الاستراتيجية الجديدة التي عرضها التقرير على التحول السياسي والاقتصادي، ويتطلب إصلاحات عميقة للدول في المنطقة؛ وهي مهام صعبة تتطلب تشجيعاً قوياً من القوى الخارجية الداعمة، والآن إذا لم تتحرك الدول الإقليمية بحزم نحو عقد اجتماعي عصري، والذي يُمَكن بدوره المواطنين ويكرس المساءلة، فإن الاستثمار الذي يتم القيام به في رأس المال البشري في المنطقة لن يؤتي ثماره، كما من الضروري ترسيخ العديد من الخطوات المترابطة لمثل هذا العقد الاجتماعي العصري.

ويضيف التقرير:« أن الخطوة الأكثر أهمية هي تطوير رأس المال البشري في المنطقة -بما في ذلك الشباب والنساء- وذلك لضمان أن يكون التغيير مستداماً؛ والتعليم هو مفتاح للحل، فلابد من القيام باستثمار استراتيجي في تعليم جيد مناسب للقرن الحادي والعشرين، وإحدى المهام المتعلقة بهذا الأمر هي دعم وتسهيل الإصلاحات التنظيمية لتخفيف القيود، من أجل تحقيق أكبر قدر من التجارة والاستثمار والتكامل الاقتصادي، مع التركيز بشكل خاص على أصحاب المشاريع؛ كما ويتوجب على الحكومات تمكين وتحفيز مشاركة المواطنين في حل المشكلات المدنية. ويستطيع الشرق الأوسط أيضاً أن يجني أرباحاً هائلة من إنشاء صندوق التنمية الإقليمية لإعادة الإعمار والإصلاح. ويعدّ غياب مثل هذه المؤسسة -التي من شأنها أن تشمل المشاركة من داخل وخارج المنطقة- أمراً ملحوظاً».

ويراهن التقرير على شعوب الشرق الأوسط -تلك الشعوب التي تكافح ضد البطالة والبطالة المقنعة والعمالة غير الكافية والبخس بها- التي تكون أبعد ما يكون عن الفوز المؤكد، إلا أن أيام قيام القوى الخارجية بمحاولة تدبير وحتى إملاء الواقع السياسي في المنطقة قد انتهت. وكذلك النظام السياسي الإقليمي للحكومات التي تطلب الطاعة مقابل العمل في القطاع العام وهيئات الدولة ذات الصلة؛ والمطلوب من زعماء الشرق الأوسط شاقٌ جداً، وبالتالي يجب على الجهات الخارجية أن تكون قوية في دعمها وتشجيعها؛ ولكن الخيار واضح: وضع أساس لنظام جديد للشرعية السياسية، أو الاستسلام للأزمة التي لا تنتهي، ولعدم الاستقرار والإرهاب. فإما تمكين المواطنين أو مشاهدة السلطة تؤول إلى أيدي المجرمين والإرهابيين.

ويرسم التقرير -رغم التحديات- مساراً واضحاً لشعوب الشرق الأوسط لبناء مستقبل جديد يحول منطقتهم من مرتع لعدم الاستقرار والعنف إلى مجتمع للدول مستقر ومزدهر. ولا يوجد شيء في أو حول الشرق الأوسط مدان بالفشل، أو لم تتغلب عليه المناطق الأخرى. فأطروحة الصراعات القديمة المستعصية المتجذرة في الدين والعرق هي على النحو الخاطئ في الشرق الأوسط كما كانت في أوروبا. وعلى العكس من ذلك، هناك الكثير في المنطقة -وابتداءً بشعوبها- ما يوحي بالأمل، لكن الأمل كاستراتيجية ليس أكثر من كونه تعبيرًا ساخرًا؛ فالنهج الاستراتيجي الجديد الذي نقترحه يمكن، إذا تم تنفيذه، أن يوفر وسيلة للخروج من الصراع الحالي.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار