GMT 16:30 2017 الأحد 8 يناير GMT 13:43 2017 الجمعة 13 يناير  :آخر تحديث
يناير.. ثورة كأنها لم تكن (3ـ 3)

السيسي.. رئيس "شبه دولة" لا بديل له

إعداد: ابتسام الحلبي من بيروت

لا تحتمل مصر ثورة ثالثة، لكن الجوع لن يمهل المصريين كثيرًا، خصوصًا أنهم يعيشون في شبه دولة، رئيسها لا يعرف دهاليز السياسة، ورغم الأزمة الاقتصادية الخانقة وعودة التعذيب، وسيطرة الإحباط على الشباب، إلا أن المصريين ليست لديهم نية لخوض ثورة ثالثة، ويعتقدون أنه ليس لديهم بديل مدني لرئيسهم عبد الفتاح السيسي. هذا ما انتهى إليه ملف مجلة "نيويوركر" في الحلقة الأخيرة عن الأوضاع في مصر، الذي حمل عنوان "ثورة مصر الفاشلة".

لغز مقتل ريجيني 
في 3 فبراير 2016، عثر على جثة الطالب الإيطالي جوليو ريجيني (28 عامًا)، في حفرة بجانب الطريق الصحراوي بين القاهرة والإسكندرية. كان ريجيني يُجري بحثًا في أطروحة حول نشاط العمالة المصرية، وآخر مرة رآه أصدقاؤه فيها كانت يوم 25 يناير، أي في الذكرى السنوية الخامسة للثورة.

بعدما انتشرت القصة، تغيّرت التفاصيل باستمرار. في البداية، إدّعت الشرطة أن ريجيني توفي في حادث سيارة، لكنّ مكتب النائب العام كشف أنه أصيب بكسور في العظام وكدمات، وأنّ ثمة آثاراً لحروق سجائر وطعنات في وجهه وجسمه.

السيسي قال إن مصر شبه دولة

بحسب تقدير أحد مسؤولي الطب الشرعي المصري، تعرّض ريجيني للتعذيب سبعة أيام تقريبًا. في أواخر مارس، أعلنت الداخلية المصرية أن أربعة رجال لقوا حتفهم في تبادل إطلاق نار مع الشرطة، وكان هؤلاء أفرادًا في عصابة إجرامية خطفت ريجيني. وعرض مسؤولون في الوزارة جواز سفر ريجيني وبطاقات تعريف أخرى، مدّعين أنها كانت في حوزة أفراد العصابة.

لكن سرعان ما انهارت هذه القصة بعد تحقيقات الصحافيين المصريين والأجانب، حتى اعترف المسؤولون المصريون علنًا بأن لا رابط بين العصابة والحادث. وبدا أن علامات التعذيب، إضافة إلى وثائق ريجيني التي تمّ دسّها بين مقتنيات العصابة، تشير إلى أن قوات الأمن مسؤولة على الأرجح عن وفاته.

كان بحث ريجيني حساسًا بشكل طفيف، ولا سبب منطقيًا لتعريضه للتعذيب. واحتجاجًا على ذلك، سحبت إيطاليا سفيرها من مصر.

وبينما كانت الأزمة تتفاقم، ألقى السيسي خطابًا بثه التلفزيون الوطني، إدّعى فيه أن مصر ضحية المؤامرات. قال: "لا تستمعوا إلى كلام أحد غيري". وانتقد أولئك الذين احتجّوا ضد الحكومة، ولام المصريين لعدم المساهمة بما فيه الكفاية في الصندوق الذي أنشئ لتخفيف حدة الأزمة المالية في البلاد، والمعروف باسم "صندوق تحيا مصر". 

وفي عرض يشبه الرياضيات العسكرية، أعلن: "إذا قام 10 ملايين من أصل 90 مليونًا من أصحاب الهواتف المحمولة في مصر بالتبرع بجنيه واحد كل صباح، سنحصل على عشرة ملايين كل يوم".

خلال هذه الفترة، انتقد عدد من مضيفي البرامج الحوارية البارزين الرئيس السيسي علنًا، علمًا أنّهم كانوا من أشد مؤيديه في العام السابق، مثل يوسف الحسيني، الإعلامي في محطة ONTV التابعة للقطاع الخاص، إذ قال في بث مباشر: "أعتقد أن الرئيس لم يعد يتواصل مع الناس".

جوليو ريجيني يعتقد أنه قتل تحت التعذيب

في الماضي، كان الحسيني مواليًا للسيسي، إلى درجة أن الرئيس عرض عليه عملًا، لكنّه نظر إلى الكاميرا اليوم، وقال: "سيدي، هل تزعجك الهتافات، ولا يزعجك القتل والتعذيب؟"، وبعد تكثيف الحسيني انتقاده السيسي، أوقف برنامجه موقتًا.

عودة التعذيب
يقول بيتر هسلر في "نيويوركر": "في الربيع الماضي، ناقشت قضية ريجيني مع أنور السادات، ابن شقيق الرئيس السابق، الذي تم تعيينه رئيسًا للجنة حقوق الإنسان في البرلمان (يترأسها حاليًا علاء عابد ضابط شرطة سابق، لديه سجل في جرائم التعذيب) مثل هذا التعيين إشارة إيجابية، لأن السادات يحظى باحترام المجتمع الدولي.

تحدث السادات عن مئات من حالات الاختفاء، حدثت منذ تولي السيسي السلطة. قال: "لا يقتصر الموضوع على ريجيني وحده، بل يطال المصريين كل يوم". 

في العام الماضي، ارتفعت حالات الاختفاء والتعذيب، وفي مصر اليوم أكثر من أربعين ألف سجين سياسي. أشار السادات إلى أنه في ظل الأنظمة السابقة، كان مستحيلًا تعذيب الأجانب حتى الموت، وهذا يعكس في اعتقاده انهيارًا في القيادة. قال: "ربما حدث ذلك بسبب ضباط شباب غير محترفين. ارتكبوا خطأ. لم يكن متعمدًا".

في أغسطس، استقال السادات من لجنة حقوق الإنسان، بسبب رفض الحكومة التعاون. وقال إن علاقة السيسي برجال الشرطة معقدة، "فهو لا يثق بهم، لكن عليه استخدامهم".

مافيا المليون رجل
في مصر تاريخ طويل من التوتر بين الجيش والشرطة، يزداد مع كل تغيّر في ميزان القوى. لم يثق مبارك يومًا بالجيش بشكل كامل، فالضباط الإسلاميون اغتالوا سلفه، فأعاد بناء وزارة الداخلية، باعتبارها حصنًا داعمًا له.

أصبحت الشرطة معروفة بوحشية عناصرها وسوء انضباطهم. وفي مصر، الخدمة العسكرية إلزامية للذكور، ويلتحق بالشرطة المجندون الذين حصلوا على أدنى مستويات في التعليم.

كان سلوك قوات الأمن أحد أسباب الثورة، لكنّ أيًا من الحكومات المتعاقبة لم يكن قويًا بما يكفي لفرض إصلاحات على وزارة الداخلية المصرية.

بحسب هيسلر: "أخبرني مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية: "ذات مرة، سألت السيسي: لماذا لا تفعل شيئًا حيال الشرطة؟" أجاب أنّه لا يستطيع فعل شيء، "لأنها مافيا المليون رجل".

في صيف 2013، اعتصم آلاف من أنصار مرسي في موقعين في القاهرة. وأخبرني وزير الدفاع الأميركي السابق تشاك هيغل أنه حذر السيسي مرارًا وتكرارًا من اتخاذ أي إجراءات عنيفة، لكنّ السيسي شدّد على الفرق بين الشرطة والجيش: "كان يقول إنهم يعملون مع الشرطة، لكنهم يحاولون منع الشرطة من أن تكون عنيفة جدًا"، مضيفًا أنّهم لا يستطيعون السيطرة على رجال الشرطة.

حتى في عهد مبارك، سعت كل مؤسسة إلى انتقاء مجال نفوذها الخاص، وهي دينامية صارت أكثر وضوحًا منذ الثورة. والتقليد المتعلّق بوحشية الشرطة راسخ جدًا، إذ تحوّل إلى نوع من الخلل التطبيقي. والسيسي كجميع القادة المصريين من قبله، يعرف أن الشرطة يمكن أن تفعل أشياء لا يُحسبُ مسؤولًا عنها بشكل مباشر.

صباح 14 أغسطس 2013، أزالت قوات الأمن الاعتصامات الموالية لمرسي مستخدمة القوة المفرطة. لم يكن المحتجّون سلميين تمامًا، فبعضهم كان مسلّحًا، وقُتل ثمانية من رجال الشرطة. لكن الغالبية العظمى من المتظاهرين كانت غير مسلحة، كما لم توجّه قوات الأمن تحذيرات كافية إلى المعتصمين، ولم تحدد لهم مخارج آمنة للمغادرة. تُقدر هيومن رايتس ووتش أن أكثر من ألف شخص قتلوا في ذلك اليوم.

مجزرة رابعة أنهت الثورة
نقل هيسلر عن وزير الدفاع الأميركي قوله، إنه اتصل بالسيسي، بعد ما وصفه بـ"المجزرة"، وأعرب السيسي لنظيره الأميركي عن شعوره بالأسف الشديد لما حصل، وتمنى لو أن الأمر لم يصل إلى هذا الحدّ، فهو لا يريد أن يحصل شيء كهذا في بلده. كما تحدث عن عائلته وزوجته، ووصف حزنهم بسبب الدماء التي أريقت.

أنهت المجزرة فعليًا مرحلةً من مراحل الثورة. وكما فسّر أحد الدبلوماسيين الأوروبيين، اختبر المصريون ألمًا عصبيًا أو ما يعرف بالنيورالجيا. وبعد أكثر من عامين من الاحتجاجات والعنف السياسي، بدا أنّ الجميع مصدوم ومنهك. 

في نهاية عام 2013 تقريبًا، سنَّت الحكومة قانونًا يحظر فعليًا أي تظاهرة من دون ترخيص مسبق، مع عقوبة أقصاها سنة واحدة سجنًا.

اليوم، ينخرط المواطنون في السياسة بطرائق غير متوقعة وغير عقلانية، وكأنه رد فعل على التشنجات المفاجئة المؤلمة. 

في أبريل، أعلن مجلس الوزراء أن السعودية ستستعيد جزيرتين غير مأهولتين في البحر الأحمر كانت وضعتهما تحت السيطرة المصرية في خمسينيات القرن الماضي. وبعد مفاوضات خاصة، وافق السيسي على ما ربما يصفه البعض بأنه عمل يستحق الثناء: انتقال سلمي للأراضي في منطقة الشرق الأوسط.

لكن، لم يكن هناك نقاش عام أو جدال في البرلمان، وبدا أن الإعلان تزامن مع حزمة المساعدات السعودية الجديدة. عندما ظهر السيسي على شاشة التلفزيون، كان دفاعيًا، وفشلت محاولته هذه المرة في الإشارة إلى فضل أمّه وتأثيرها في اتخاذه هذا القرار (صرّح أن أمّه علّمته ألا يأخذ ما ليس له). فنظّم ناشطون وصحافيون اعتصامًا أمام نقابة الصحافيين في وسط القاهرة، شارك فيه المئات، في تظاهرة اعتبرت الأكبر منذ تولي السيسي الرئاسة.

صحافيون في السجون
وحسب وجهة نظر المجلة الأميركية، فإن "نقابة الصحافيين في مصر تموّلها الدولة، السلطات المصرية قادرة على استخدام هذه المؤسسة لمصلحتها. في عهد السيسي، سُجن العشرات من الصحافيين وأصحاب المدوّنات، إلا أن معظمهم من الشباب غير المنتسب إلى النقابة، أو غير المدعوم. 

وفي أثناء الجدل حول الجزيرتين، توسّعت الحملة ضدهم، وهرب بعض الصحافيين، الذين تعرّضوا لمضايقات السلطات، إلى داخل مبنى النقابة، فاتّهم ثلاثة من أعضاء مجلس النقابة بإيواء هاربين من العدالة.

عندما قابلت خالد البلشي، أحد أعضاء مجلس الإدارة المتّهمين، قال لي إنه كان ليبراليًا، لكنه لم يعتبر نفسه يومًا من المنشقّين، "وإذا حصلت على فرصة عدم التعرّض للسجن، فسأستغلها. لطالما قلت ما أريده، لكن بطريقة متأنية. غير أننا نتعامل اليوم مع نظام مجنون".

وصل متأخرًا إلى موعدنا، لأنه كان يوقع على أوراق المحامي في حال حدث له أي شيء. وبعد أشهر من لقائنا، حكم عليه وعلى العضوين الآخرين بالسجن عامين، وهو قرار قيد الاستئناف حاليًا.

جرت محاولة لتنظيم احتجاج آخر على مسألة الجزيرتين في 25 أبريل. عصر ذلك اليوم، اتجهت نحو النقابة. كانت الشرطة في كل مكان، وكان هناك شرطي بملابس مدنية، تتدلى من جيبه الخلفي أصفاد بلاستيكية، ومجموعة من النقابة وعشرات الرجال يتسكّعون في الشوارع. تحدثت مع حسام خليل، وهو صحافي يبلغ 27 من العمر، يكتب في موقع "الحياة نيوز"، فقال لي إنه كان هناك محتجًا لا مراسلًا، "ويجب أن يحظى الناس بفرصة لإبداء الرأي".
 
كان من المقرر أن تبدأ التظاهرة في أقل من نصف ساعة، لكن الشرطة حصّنت الشارع أمام النقابة. وكان برفقة حسام المحاسب بكر أحمد الذي صرّح بأنه لا يهتم حقًا بموضوع الجزيرتين: "أنا هنا لدعم حسام لأنه صديقي".

وبينما كنا نتحدث، تحرّك بشكل مفاجئ أكثر من 20 شرطيًا يرتدون ملابس مدنية، وقاموا بالتحقق من بطاقات التعريف، ودفعوا الشباب نحو سيارات الشرطة. عندما رأى الضابط جواز سفري الأجنبي، طلب مني المغادرة. بعد عشر دقائق، حاولت الاتصال بهاتف حسام، لكنه كان خارج الخدمة، فافترضت أنه محتجز. 

يسقط حكم العسكر
تلقيت رسالة من صحافي مصري يعلمني بأنّ التظاهرة نقلت إلى ميدان المساحة، وهو مكان غامض في الجيزة قرب النيل. وصلت بينما كان الشباب يترجّلون من السيارات على أطراف الساحة. وسرعان ما اندمجوا في كتلة تتألف من 300 شخص تقريبًا، هاتفين: "يسقط حكم العسكر!".

استغرق الأمر سبع دقائق قبل ردّ الشرطة، إذ أطلق عناصرها الغاز المسيل للدموع ورصاصًا صغيرًا لصيد الطيور على المتظاهرين الذين فرّوا في كل اتجاه. ركضت مع مجموعة اتجهت شرقًا نحو شارع سكني، حيث توقفنا بسبب مشهد مرعب: شرطي بلباس مدني، تعلو وجهه ملامح الغضب، يصرخ ويركض في اتجاهنا شاهرًا مسدسه نحونا. ماذا كان يصرخ؟، على من صوّب سلاحه؟، لماذا كان يجري عكس اتجاه الحشد؟... أسئلة تضاف إلى ألغاز طريقة عمل الشرطة المصرية. 

جنبًا إلى جنب مع عشرات آخرين، التصقنا بجدار إلى أن ابتعد الشرطي المجنون. على بعد مبنيين من ميدان المساحة، كان كل شيء هادئًا، فاقتربت من أربعة شبان افترضت أنّهم كانوا مشاركين في الاحتجاج. لكنّ أسئلتي أربكتهم، ففي المخطط الواسع والفوضوي للمدينة، كانت التظاهرة صغيرة، إلى درجة أن هؤلاء الرجال لم يلاحظوها حتى. 

ابتهجوا حين أدركوا أنني أجنبي، وسألني أحدهم "هل يمكنك مساعدتنا في ترجمة هذا؟"، وسلّمني ورقة مطبوعة أرسلتها دائرة الهجرة والتجنيس الهولندية ردًّا على طلب تأشيرة، تضمّنت جملة واحدة باللغة الإنكليزية، مفادها: "على الأرجح لن تعود إلى بلدك الأم بسرعة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى الوضع المحلي أو العام في بلدك الأم / مكان إقامتك المعتاد / أو ضعف علاقاتك الاجتماعية هناك".

في وقت متأخر من ذاك المساء، تلقيت اتصالًا من حسام ليطمئنّ إذا كنت بخير. اعتقلته الشرطة أكثر من ست ساعات، ثم أفرجت عنه. وكان بكر محتجزًا بعد مع 300 آخرين. بعد ثلاثة أيام، مثل بكر أمام القاضي، فحكم عليه بالسجن لمدة عامين.

في الاعتقال، وجد بكر أنه من الصعب الخضوع للاستجواب كسجين سياسي، في حين أنّه لم يرتكب أي عمل احتجاجي، ولم ينتمِ إلى أي تنظيم سياسي، حتى إنّه لم يتبنَّ آراء سياسية. فأملى عليه حدسه بأن يختلق ذريعة، فقال لضابط التحقيق إنه كان يجلب كمبيوترًا كان يجري إصلاحه بالقرب من النقابة. 

وبعد يومين، في أثناء تحقيق آخر معه، إدّعى أنه كان يستلم ثيابًا من الخياط ليرتديها بمناسبة زواج ابن عمّه. وفي وقت لاحق، قال إنّه اختلق قصّة جديدة، لأن المحققين بدوا غير راضين.

كما لم تعجبهم إجابات بكر عن أسئلة حول تاريخ تصويته في الانتخابات. فمنذ الثورة، ذهب إلى صناديق الاقتراع ثلاث مرات، وفي كل مرة أفسد صوته عمدًا. قال إنّهم سألوه إذا كان ينتمي إلى الإخوان المسلمين، أو إذا كان لديه أي أقارب في المنظمة، وأثارت إجابته بالنفي خيبة أمل لديهم. وسألوه إذا كان مسلمًا. عندما أجاب بنعم، سألوه: "إذًا لماذا لم تصوّت لمرسي؟، ألا تريد تطبيق الشريعة الإسلامية؟".

تغيير استراتيجية الحركات الإسلامية
وحول طريقة تعامل السيسي مع الحركات الإسلامية، يقول هيسلر: نجح السيسي في تصوير نفسه محاربًا للإسلام المتعصّب، في حين يدّعي الناشطون أن حملته ستولّد المزيد من المتشددين. لكنّ الروايتين قد تكونان غير صحيحتين. ليس هناك دليل على نوع التحرّك الواسع للمقاومة الدينية الذي نشأ في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، عندما شنّت الجماعات الإسلامية هجمات عنيفة في أنحاء مصر. 

قالت نانسي عقيل، مديرة معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط، الذي يحلل تقارير الإرهاب، إنّ أبناء الجيل السابق من المتطرفين المصريين صوّروا نضالهم دائمًا مستخدمين مصطلحات دينية. وأضافت أن ثقافتهم كانت تقليدية، وأنّهم كانوا يلقون الأسيد على النساء اللواتي لا يرتدين الحجاب. في تلك الأيام، هاجمت الجماعات الإسلامية الفنادق والنوادي الليلية التي تقدّم كحولًا، واستهدفت الأجانب بشكل رئيس.

الحركة الإسلامية الحالية لا تستهدف الأجانب أو السياح إلا نادرًا، باستثناء تفجير "متروجت"، أي الطائرة الروسية التي سقطت فوق سيناء، الذي كان يُقصد فيه بيان ضد السياسة الروسية في سوريا.

وقعت هجمات متفرقة على كنائس قبطية مسيحية، بما في ذلك تفجير حديث أودى بحياة أكثر من عشرين مصليًا في الكاتدرائية البطرسية في القاهرة. لكنّ الإرهاب بمعظمه ركز على الشرطة والجيش المصريين، أو غيرهما من الهيئات التي تمثل الدولة.

أخبرتني عقيل أنه في حين تستخدم المقاومة الحالية نموذج الإسلام الراديكالي المتطرّف، فأهدافها تميل إلى أن تكون سياسية لا دينية ولا ثقافية. وينسحب الأمر نفسه على تصريحات الإرهابيين، التي تركز في الغالب على القضايا غير المتعلّقة بالإسلام، مثل جزيرتي صنافير وتيران في البحر الأحمر. 

برأي عقيل، "تبدو الرسائل سياسية الآن صادرة من مجموعة سياسية". وتجدر الإشارة إلى أنّه لم يحدث أي عمل عنف في الصعيد التي كانت مرتعًا للإسلام المتطرّف منذ ثلاثين عامًا. في هذه الأيام، تحدث معظم الهجمات في سيناء، حيث يراوح العدد الإجمالي للمقاتلين بين 500 و1000 مقاتل، بحسب عقيل. وكذلك أخبرني حسن حسن، وهو زميل في معهد التحرير يجري دراسة عن داعش، أن نحو 600 مصري ذهبوا إلى القتال في سوريا والعراق، أي أقل من عدد الألمان الذين انضموا إلى داعش، وأقل كثيرًا من التونسيين. كما إن البلجيكي أكثر عرضة من المصري للانضمام إلى داعش بنحو ست مرات.

أضاف: "في مصر، الناس لا يلجأون إلى هذه المنظمات، فهم مطّلعون على الوضع أكثر من غيرهم". وأوضح أن داعش يجنّدون أشخاصًا من دول أجنبية، يميلون إلى أن يكونوا متعلمين نسبيًا، لكن لديهم سوء فهم للإسلام، ما يجعلهم أكثر قبولًا. في المقابل، التطرف الإسلامي الموجود في مصر بوصفه تقليدًا مزمنًا.

هزيمة الإخوان
وفقًا لهيسلر، بالنسبة إلى المصريين الذين دعموا السيسي ضد مرسي، كان فشل الإخوان فشلًا سياسيًا للجماعة الإسلامية. وعلّق دبلوماسي سياسي على هذا الموضوع قائلًا: "أعتقد أن الإسلاميين عانوا هزيمة سياسية أكثر مما أدركناه آنذاك. ففي مصر، الناس المتعلمون والمتقدّمون يميلون إلى الاعتقاد أن الولايات المتحدة هي التي أنشأت داعش وسيلة لزعزعة استقرار المنطقة. فأشرطة فيديو الإرهابيين كانت غير فاعلة، ففي عيون الكثير من المصريين، داعش يمثل أميركا لا الإسلام. والمساجد المصرية تبدو الآن هامشية".

تحت حكم السيسي، تمّ وضع قواعد جديدة صارمة تحدّد من يُسمح لهم بالخطبة في يوم الجمعة، وتزيح بشكل فاعل السلفيين والمتطرفين الآخرين عن المنابر. تقيم الحكومة خطبًا أسبوعية موحدة، وكان من بين الموضوعات لهذا العام "الإسلام هو دين للبناء والتشييد" و"المنتوجات الوطنية وأولويتها في البيع والشراء". وأقامت خطبة أيضًا حول الحفاظ على المياه والكهرباء. 

أخبرني الشيخ سيد الكومي، إمام مسجد جامعة عين شمس في القاهرة، أنه في خلال خطبة توفير الكهرباء أعلن أن المسجد سيستخدم 15 مروحة فقط من مراوح السقف وعددها 35 مروحة. وبدا من الصعب التصديق أن هذه هي الرسالة التي، قبل بضع سنوات فقط، نتج منها آلاف الطلاب المتظاهرين العازمين على تغيير الأمة.

في عام 2013، بعد المجزرة، قابلتُ الأئمة والمؤمنين في أكثر من عشرين مسجدًا في جميع أنحاء القاهرة. في ذلك الوقت، كانت أقلية من الشيوخ مناهضة للانقلاب. في ربيع هذا العام، زرتهم مجددًا، ووجدت أن آراءهم لم تتغيّر، لكنهم رأوا أن لا نفع في تورطهم في السياسة. خلافًا للناشطين مؤيدي الديمقراطية الذين كانوا أكثر عرضة لتلمّس أزمة وجودية في ظل المناخ السياسي الحالي.

لكنّ للإسلام وسائل أخرى محتملة غير السياسة، والآن بدا أنّ الأئمة يركّزون على مجتمعاتهم. ولفت الشيخ أحمد السيد، إمام مسجد العزيز بالله، الذي يصلي فيه السلفيون، إلى أنه وسط الكساد والفقر لا يحاول البعض إلا الاستمرار في العيش. في عام 2013، بدا كأنّ الشيخ أحمد يتعرّض للضغط، فسمعته يلقي خطبة تحمل رسالة واضحة تدعو إلى المقاومة. لكن في هذا العام، بدا أكثر استرخاء وفلسفة. وخلال إحدى خطب الجمعة، قال للمصلّين: "لو كانت السعادة تنبع من السلطة، لكان الوزراء سعداء".

شبه دولة
أزيح اثنان من أكثر الأئمة معاداة للسيسي قابلتهما في عام 2013، من منصبهما. في السنوات التي تلت، حصل كل منهما على إعادة تكليف ديني بعد دفع رشوة صغيرة للسلطات. فاجأني ذلك، ففي الوقت الحاضر لا يمكن لناشط في مجال حقوق الإنسان أن يحل مشكلة سياسية بسهولة. قال لي الإمامان إن لا أحد من أصدقائهما المقربين أو زملائهما مسجون، في حين أن لدى الناشطين قوائم طويلة كتبوا فيها أسماء رفاقهم المسجونين. لكن بدا أسهل على الأئمة أن ينأوا بأنفسهم. وقال لي أحدهما إن الموجة التالية من التغيير ستحدث بسبب الاقتصاد، ولن يتوافر للناس طعام، وسوف ينزلون إلى الشوارع.

حين سألت إن كان هذا يعني أنّه من غير المرجّح أن يطلق الأئمة المعادون للسيسي مقاومة مستقبلية، أومأ برأسه موافقًا. وأضاف: "لن يبدأوا بها. لكن، إن حدثت فسيشاركون".

في هذا العام، شارك السيسي علنًا في بعض لحظات الصدق غير المعتادة. قال في خطاب على التلفاز في مايو: "إلقِ نظرة فاحصة على بلدك. هذه شبه دولة، وليست دولة حقيقية".

بعد خمس سنوات من التحرير، الإنجاز الرئيس للثورة هو الهشاشة، لا الإصلاح. في كلّ مرة يُعرى وهم ما، يتبيّن أن مصر دولة بلا مؤسسات حقيقية، يقودها رجل لا يُعتبر سياسيًا حقيقيًا.

رغم المشكلات في البلد، يبقى احتمال الانهيار التام بعيدًا. خلافًا لسوريا والعراق، تملك مصر شعورًا قويًا بالاتحاد، فهي أقدم دولة على وجه الأرض. وحقيقة أن الإسلام المتطرف لا يجذب المصريين اليوم، على الرغم من كل الذي أصابهم، يعد عاملًا إيجابيًا آخر.

يشير بعض المحللين إلى أن مبارك أصبح أقل عسكرية في طريقة تفكيره مع مرور الوقت، وربما السيسي - الذي يبدو غير ضعيف أمام الفساد - سيتطوّر بطرائق إيجابية. فحتى أشدّ منتقديه يخشون البدائل. في هذا السياق، قال لي أنور السادات: "سواء كان السيسي الخيار الأمثل أم لا، ليس لدينا أي خيار سوى أن ننجّحه، فمصر لا تستطيع تحمّل ثورة ثالثة". 

وفقًا لدبلوماسي أوروبي، يمكن السيسي بسهولة مواجهة أي حركة ضده، كما فعل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أخيرًا، إذ في إمكانه أن يُناشد الناس ويقول إنّه يؤيّد النظام. عندئذ، ستسير الأمور جيدًا.

السيسي مستمر والشباب الضحية 
من المرجح أيضًا أن يناشد السيسي المسؤولين الأميركيين مساعدته. فبعد فوز دونالد ترامب في الانتخابات، كان أول زعيم أجنبي يتّصل ليهنّئه. يقول حسام خليل: "إذا غادر السيسي الآن، سيتولى شخص ما من المؤسسة العسكرية إدارة البلاد". وتوقع أن يحكم السيسي ولايتين، مدة كل منهما أربع سنوات، وبعد ذلك يأمل انتخاب رئيس مدني، وهو هدف متواضع للغاية لشاب كاد ينال عقوبة السجن بسبب تظاهره إلى الشارع.

لكنّ الخط الفاصل بين توقعات اليوم ومتطلبات الغد ليس مستقيمًا دائمًا، ولا يمكن التنبؤ به. في مصر، مستحيل أن نتصور كيف يمكن التجربة الثورية أن ترسخ في نفوس أكثر من خمسين مليونًا، تقل أعمارهم عن ثلاثين عامًا.

في مايو، توقف حسام عن العمل، لأنه شعر بالاكتئاب والذنب، إذ كان سبب مشاركة بكر في الاعتصام. وتابع جلسات محاكمة بكر، وحاول تعزية أمه الأرملة. 

في أوائل يونيو، قبل رمضان، تمّت تبرئة بكر والمتهمين الآخرين بشكل غير متوقع. وبعد الإفراج عنه، قابلته في مقهى في وسط المدينة. بدا متعبًا وهزيلًا، لكنه قال إنه كان محظوظًا في السجن، فهو لم يتعرّض للتعذيب مثل غيره. وقال إن بعض الحراس كانوا من المجندين الشباب الذين بكوا عندما رأوا أقرانهم يُقتادون سجناء.

سألته عمّا تعلّمه، كان رده متماسكًا بشكل مدهش: "تعلمت أنه على الرغم من تمتّعي بحق، وهو حقي الأساسي، هناك ثمن يجب دفعه، وعليّ أن أدفعه، كما فعل آخرون، وتعلمت أيضًا أن الظالم يشعر بالخوف دائمًا".


أعدّت "إيلاف" هذا التقرير بتصرّف نقلًا عن "نيويوركر". المادة الأصلية منشورة على الرابط الآتي:

http://www.newyorker.com/magazine/2017/01/02/egypts-failed-revolution?mbid=nl_161228_daily&CNDID=31115831&spMailingID=10134301&spUserID=MTMzMTgzMTU4MzUxS0&spJobID=1062412909&spReportId=MTA2MjQxMjkwOQS2


 


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار