GMT 19:42 2017 الخميس 19 أكتوبر GMT 4:54 2017 الجمعة 20 أكتوبر  :آخر تحديث
ثقافة التعتيم مازالت سائدة في الإدارات والوزارات

إنتقادات في تونس لعدم تطبيق قانون "النفاذ الى المعلومة"

مجدي الورفلي

مجدي الورفلي من تونس: يمثّل حقّ النفاذ للمعلومة في تونس أحد الملفّات المثيرة للجدل، فرغم إقرار الدستور التونسي لهذا الحقّ، وتبني البرلمان لقانون يضمنه، وإنتخاب هيئة تُسمى بـ"هيئة النفاذ للمعلومة" وتمثل الجهة التحكيمية والرقابية لكل ما له علاقة بحق الولوج الى المعلومة، إلا انه على أرض الواقع، مازالت ثقافة التعتيم وحجب المعلومة هي السائدة نوعيًا خاصة من الجهات الحكومية، وفق ما تؤكّده جمعيات ومنظمات ناشطة في المجال.

تؤكد جمعيات ومنظمات ناشطة في مجال الدفاع عن حقّ النفاذ الى المعلومة في تونس، على ان الهوة بين الجانب النظري القانوني والجانب العملي الفعلي كبيرة في علاقة بالتعاطي الرسمي مع مطالب الحصول على المعلومة او الوثائق الإدارية في ظل عدم الإنطلاق الفعلي لعمل هيئة النفاذ للمعلومة، فيما تؤكّد الحكومة انها ماضية في تكريس ذلك الحقّ الدستوري الذي يُعتبر من أهم الحقوق التي تحصّل عليها التونسيون بسقوط نظام زين العابدين بن علي في 2011.

مؤخرًا، إنتقدت النقابة التونسية للصحافيين تأخر نشر الحكومة لمشروع قانون المالية وموازنة الدولة لسنة 2018 وقد إعتبرت عدم نشره مسا من حق الصحافيين والمواطنين على حد السواء في النفاذ إلى المعلومة، ولكن بعد إصدار النقابة لذلك البيان الذي إطلعت عليه "إيلاف" نشرت رئاسة الحكومة مشروع قانون المالية وموازنة الدولة لسنة 2018 وأكدت انه لم يكن لها نشره للعموم قبل إحالته على البرلمان.

كما أثبت تقرير أصدرته نقابة الصحافيين، في سبتمبر الماضي ان حجب المعلومة من أكثر الإنتهاكات التي يتعرّض لها الصحافيون في تونس، حيث بلغت 53 بالمائة من جملة الشكايات التي تقدم بها الصحافيون، وهو ما جعل النقابة تعتبر ان قانون النفاذ الى المعلومة يبقى حبرا على ورق، وطالبت الوزارات والمؤسسات العمومية باتباع نهج الشفافية في ما يتعلق بموازناتها المالية وكل ما يتعلق بالوثائق التي من حق المواطن والصحافي الاطلاع عليها.

السلطات لا تريد للقانون أن يُفعّل

عضو المكتب التنفيذي لنقابة الصحافيين التونسيين محمد ياسين الجلاصي إعتبر في تصريح لـ"إيلاف" انه على المستوى التشريعي وقع سنّ قانون يمكن وصفه بالأكثر تطورًا في العالم بالإضافة إلى تركيز هيئة النفاذ للمعلومة التي ستسهر على تطبيق ذلك القانون، ولكن عمليًا، يرى الجلاصي، ان تونس مازالت في مرحلة انتقالية من الانغلاق على المعلومة الى الانفتاح التدريجي في تمكين الصحافيين والمواطنين من حق المعلومة التي ينصّ عليها الدستور والقانون، كما ان هيئة النفاذ الى المعلومة التي تُعتبر الجهة التي تفرض تطبيق القانون لم تنطلق بعد في العمل فعليّا.

وتابع عضو المكتب التنفيذي لنقابة الصحافيين قائلا "قانون النفاذ للمعلومة يستوجب إجراءات خاصة لتفعيله على ارض الواقع، وأهمها تخصيص مكلف بالنفاذ الى المعلومة في كل الإدارات والمنشآت التابعة للدولة، كما انه ينقصنا في تونس قانون خاص بتصنيف المعلومات والملفات باعتبار ان قانون النفاذ للمعلومة يتضمن استثناءات خاصة لحجب المعلومات والوثائق التي لها علاقة مثلا بمجال الامن القومي، وهو ما يستوجب تحديد معايير واضحة بخصوص خطورة المعلومة من عدمها".

وخلص الجلاصي إلى القول إنّ السلطات والإدارة في تونس لا تريد لحق النفاذ الى المعلومة ان يُفعّل بإعتماد ممارسات قديمة متخلّفة في ظل غياب إرادة سياسية لتفعيل ذلك الحق الدستوري.

وذكّر الجلاصي بما يُعرف بـ"المنشور عدد 4" الذي أصدره رئيس الحكومة في وقت سابق الذي رأى فيه توجهًا للالتفاف على قانون حقّ النفاذ للمعلومة.

يُذكر ان رئيس الحكومة يوسف الشاهد اصدر منشورًا للموظفين العموميين يلزمهم بالامتناع "عن الإدلاء بأي تصريح أو مداخلة وعن نشر أو إفشاء معلومات أو وثائق رسمية عن طريق الصحافة بدون الاذن المسبق والصريح من رئيسه المباشر أو رئيس الهيكل الذي ينتمي إليه".

ولكن بعد ضغوطات كبيرة من نقابة الصحافيين ومنظمات المجتمع المدني المحلية والدولية وقع التخلي عن العمل بالمنشور عدد 4 الذي أثار إصداره جدلاً كبيرًا في تونس.

المعلومة ومكافحة الفساد

"مركز يقظ" لدعم وإرشاد ضحايا الفساد أصدر تقريرًا نهاية الشهر الماضي بخصوص تطبيق الوزارات ورئاستي الحكومة والجمهورية لقانون النفاذ الى المعلومة، ووفق التقرير الحديث للمركز، فـ22 وزارة في تونس لم تحترم مقتضيات قانون حق النفاذ إلى المعلومة، من بينها، رئاسة الحكومة التونسية ووزارة التعليم العالي ووزارة التربية، كما ذكر التقرير ان الهياكل القضائية ورئاسة الجمهورية من أكثر الجهات حجبًا للمعلومة.

هندة الفلاح مديرة "مركز يقظ" لدعم وإرشاد ضحايا الفساد، أكدت في تصريح لـ"إيلاف" ان النفاذ للمعلومة اساس مكافحة الفساد التي تعمل عليها المنظمة بإعتبار ان بعد التبليغ عن الفساد ينطلق المركز في البحث عن طريق الإتصال بالوزارات والإدارات العمومية لطلب وثائق ومعلومات بخصوص الملف الذي تشوبه شبهة فساد، ولكن تلك الطلبات تجابه في غالب الأحيان بالتجاهل وعدم الردّ.

ورأت ان "عديد الإدارات والوزارات لم تستوعب بعد ان للمواطن العادي حقّ طلب وثائق ومعلومات"، حيث يجد المركز الذي تديره "صعوبات كبيرة في الولوج الى المعلومات، كما ان عديد الوزارات التي لا تحرك ساكنًا امام مطالبها المتكررة للحصول على معلومات او وثائق".

ومن بين تلك الهياكل وفق هند الفلاح، مؤسسة رئاسة الجمهورية التي ترفض حتى تسجيل مطلب للحصول على معلومة.

وإعتبرت الناشطة التونسية انه رغم إقرار قانون يمكن القول إنه يحترم المعايير الدولية ويمثل إستثناء مقارنة بدول المنطقة، فإن الإشكال في تطبيقه خاصة ان هيئة النفاذ للمعلومة المفترض ان تسهر على تطبيقه لم تنطلق بعد في عملها الفعلي، ولكنها في المقابل تقول إن المركز يسعى الى نشر ثقافة حقّ النفاذ للمعلومة خاصة لدى الإدارة التي لم تتأقلم بعد مع التغيّرات التي حصلت في تونس، ومن بين المشاريع التي سينفّذها المركز وفق مديرته تنظيم دورات تكوينية لإداريي البلديات في ما يخصّ حقّ النفاذ للمعلومة.

يذكر ان البرلمان التونسي صادق على قانون النفاذ للمعلومة في مارس 2016 وسط جدل صاخب بخصوص كثرة الاستثناءات التي نصّت عليها النسخة المقدّمة من الحكومة، والتي يمكن ان ترفض خلالها الإدارة مد المواطن او الصحافيّين بالمعلومات، ولكن بعد ضغوطات من المجتمع المدني وقع تبني مشروع قانون حظي بقبول كل الأطياف في تونس، واُعتبر "سابقة تشريعية في المنطقة".

الهيئة تستعد للإنطلاق في العمل

رئيس هيئة النفاذ الى المعلومة عماد الحزقي يرى في تصريح لـ"إيلاف" أن القانون التونسي في مجال النفاذ للمعلومة من اكثر التشريعات تطورا في المنطقة وفي العالم باعتبار أنه أوجد آليات قضائية لتطبيق الحق في المعلومة كما انه منح الهيئة التي يترأسها العديد من الصلاحيات التي تمكّنها من القيام بدورها كجهة تحكيمية ورقابية لكل ماهو متعلّق بالنفاذ للمعلومة.

اما على المستوى العملي، فقد إعتبر رئيس هيئة النفاذ الى المعلومة ان تكريس ثقافة نشر المعلومة يستوجب إرداة سياسية ووقتا وعملا على تغيير العقليات والقطع مع الموروث الثقافي والسياسي القائم على احتكار المعلومة والتعتيم عليها.

وأكد ان هيئة النفاذ الى المعلومة تواصل العمل حاليا على استكمال بعض الجوانب الترتيبية واللوجستية والمادية وذلك للإستعداد للانطلاق في نشاطها الرسمي قريبا جدّا وستكون أهم دعائم حماية حق المواطنين في الحصول على المعلومة وضمان حقهم في النفاذ إليها.

وتختصّ هيئة النفاذ الى المعلومة بالبت في الدعاوى المرفوعة لديها في مجال النفاذ إلى المعلومة والقيام بالتحريات اللازمة في حال رفض الإدارة توفير معلومات، كما تتولى الهيئة متابعتها الالتزام بإتاحة المعلومة من الإدارة الى طالبها، سواء كان مواطنا او صحافيّا.

كما تعمل الهيئة التي وقع إنتخابها من طرف البرلمان فييوليو الماضي، على نشر ثقافة النفاذ إلى المعلومة بالتنسيق مع الهياكل والمجتمع المدني من خلال القيام بأنشطة تحسيسية وتكوينية لفائدة العموم.

تغيير العقليات

وزير العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الانسان مهدي بن غربية إعترف ضمنيًا في تصريحات إعلامية بالهوة بين النظري والواقع في علاقة بحق النفاذ الى المعلومة، حيث اعتبر ان التحدي الأهم بعد إصدار القوانين وتركيز هيئة النفاذ الى المعلومة هو تغيير العقليات والسلوكيات لقبول جملة المفاهيم الجديدة التي ارساها الدستور والخارطة الجديدة للحقوق والحريات التي تضمنها من بينها حق النفاذ الى المعلومة.

لكنه في المقابل أكد ان الحكومة حريصة على استكمال تركيز هيئة النفاذ الى المعلومة واستكمال إطارها الترتيبي وتمكينها من الموارد المالية واللوجستية اللازمة للانطلاق في تحقيق مهامها في احسن الظروف، ووفق الوزير، تم احداث لجنة قيادة لتكريس حق النفاذ الى المعلومة عبر اعداد مشروع أمر حكومي ومشروع منشور تفسيري لمقتضيات القانون لتعميمه على الوزارات والإدارات العمومية.

يذكر ان الفصل 32 من دستور تونس ينصّ على ان الدولة تضمن الحقّ في الإعلام والحقّ في النفاذ الى المعلومة، كما يقرّ الفصل ذاته ان الدولة تسعى الى ضمان الحقّ في النفاذ الى شبكات الإتصال.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار