GMT 23:00 2017 الثلائاء 26 ديسمبر GMT 1:06 2017 الخميس 28 ديسمبر  :آخر تحديث
فليتمثل به الفلسطينيون في نضالهم 

لا دعوة إلى الحرية أقوى من دعوة المسيح

عودة أبو ردينة - ترجمة عبد الاله مجيد

أتت رسالة المسيح ضد المحتل الروماني في مدينة السلام أقوى صرخة إنسانية – إلهية في هذه البرية تدعو إلى الحرية. إنها الصرخة التي على الفلسطينيين اليوم أن يصرخوها ضد محتلهم.

في عام 1949، نشرت صحيفة وول ستريت جورنال افتتاحية ذاع صيتها، ودأبت على نشرها في كل عام منذ ذلك الوقت. تتناول هذه الافتتاحية ميلاد المسيح والرسالة التي حملها إلى العالم، خصوصًا العالم المسيحي، وتصف موقف المسيح البطولي ضد الاضطهاد والتعسف الواقع على الشعب المحتل. تحتفظ رسالة المسيح بأهميتها اليوم إزاء محنة الشعوب المضطهدة في انحاء العالم، وخصوصًا الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال والظلم منذ نُشرت الافتتاحية أول مرة.

رسالة المسيح هذه موجهة ضد الظلم والعبودية والاضطهاد وازدراء حياة الإنسان. لنتذكر أن المسيح عاش ومات غير روماني، بل تحت الاحتلال الروماني. وتتسم المبادئ التي دعا إليها بأهمية كبيرة للشعب الفلسطيني اليوم، مثلما كانت مهمة عند المسيح قبل ألفي عام. وينبغي أن يذكّر الفلسطينيون العالم بما يمثله المسيح: فَاثْبُتُوا إِذًا فِي الْحُرِّيَّةِ الَّتِي قَدْ حَرَّرَنَا الْمَسِيحُ بِهَا، وَلاَ تَرْتَبِكُوا أَيْضًا بِنِيرِ عُبُودِيَّةٍ.

روما الحاكمة

لم تتأثر الافتتاحية بمرور الزمن، بل بقيت تحتفظ بأهميتها اليوم للفلسطينيين الذين يعيشون أوقاتًا عصيبة. وعلى الرغم من هذه الأوقات العصيبة والإحساس باليأس، أهم رسالة يمكن أن يوجهها الفلسطينيون هي أن يقولوا للعالم إنهم متمسكون برسالة المسيح، أي أن يكونوا احرارًا من الاضطهاد والتمييز ونير العبودية والاحتلال. أدناه افتتاحية وول ستريت جورنال:

"حين انطلق شاول الطرطوسي في رحلته إلى دمشق، كان العالم المعروف كله يعيش في عبودية. كانت هناك دولة واحدة، هي روما. وكان هناك سيد واحد هو تبيريوس قيصر.

في كل مكان، كان هناك نظام مدني لأن ذراع القانون الروماني كانت طويلة. وفي كل مكان كان هناك استقرار، في الحكم وفي المجتمع، لأن قادة الجحافل الرومانية كانوا يتكفلون بذلك.

لكن، كان ثمة شيء آخر أيضًا. كان هناك ظلم لاحق بالذين لم يكونوا أصدقاء تبيريوس قيصر. كان هناك جابي ضرائب يأخذ الحبوب من الحقول والكتان من المغزل لإطعام الجيوش أو إتخام الخزينة الجائعة التي كان قيصر بيت المقدس يتكرم منها بعطاياه على الشعب. كان هناك مسؤول عن تجنيد الشبان لحلبات السيرك، وجلادون لإسكات الذين منعهم الامبراطور من الكلام. فلِمَ وُجِد الانسان إن لم يوجد لخدمة قيصر؟"

نورٌ في العالم

تتابع الافتتاحية: "كان الاضطهاد يطال من يجرؤون على التفكير بطريقة مختلفة، أو يسمعون أصواتًا غريبة أو يقرأون مخطوطات غريبة. استُعبد من لا تنتمي قبيلته إلى روما، واحتُقر من كانت ملامح وجهه غير مألوفة. والأهم من ذلك كله، عمّ الازدراء لحياة الإنسان. فماذا يعني للقوي انسان أكثر أو انسان أقل في عالم مزدحم؟

فجأة، كان هناك نور في العالم، ورجل من الجليل يقول "اعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله". قدم الصوت القادم من الجليل ليتحدى قيصر مملكة جديدة كل انسان فيها يستطيع أن يمشي مرفوع الرأس، ولا يركع إلا لله: "بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ". وأرسل هذا الإنجيل الذي يبشر بمملكة الانسان إلى أقصى نهايات العالم.

هكذا، جاء النور إلى العالم وخاف البشر الذين يعيشون في ظلام، وحاولوا إسدال ستار ليستمر الانسان في الاعتقاد أن الخلاص يكمن بيد القادة.

لكن، شاع لبعض الوقت في اماكن مختلفة أن الحقيقة تحرر الانسان على الرغم من أن أهل الظلام ساءهم ذلك وحاولوا إطفاء النور. قال الصوت: النُّورُ مَعَكُمْ زَمَانًا قَلِيلًا بَعْدُ، فَسِيرُوا مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ لِئَلاَّ يُدْرِكَكُمُ الظَّلاَمُ. وَالَّذِي يَسِيرُ فِي الظَّلاَمِ لاَ يَعْلَمُ إلى أَيْنَ يَذْهَبُ".

دعوة إلى الحرية

تضيف الافتتاحية: "في الطريق إلى دمشق، كان النور ساطعًا. لكن الخوف استبد ببولس الطرطوسي أيضًا. كان يخشى أن يأتي ذات يوم قياصرة آخرون، أنبياء آخرون، يقنعون الإنسان أنه ليس إلا خادمًا لهم، وأن يتنازل البشر عن حقهم الطبيعي من الله مقابل حساء فيتخلون عن حريتهم.

ربما يحدث أن يسود الظلام من جديد في الأرض، وأن تُحرق الكتب ولا يفكر البشر إلا في ما يأكلون وما يرتدون، ولا ينجبون إلا قياصرة جددًا وأنبياء كاذبين. ثم يحدث ألا ينظر البشر إلى السماء ليروا حتى نجم شتاء في الشرق، ومرة اخرى لن يكون نور في هذا الظلام.

هكذا تحدث بولس، حواري ابن الانسان، لأخوته الغلاطيين بكلمات سنتذكرها في كل عام من أعوام ربه: فَاثْبُتُوا إِذًا فِي الْحُرِّيَّةِ الَّتِي قَدْ حَرَّرَنَا الْمَسِيحُ بِهَا، وَلاَ تَرْتَبِكُوا أَيْضًا بِنِيرِ عُبُودِيَّةٍ".

باختصار، لا دعوة إلى الحرية والتحرر أقوى من دعوة المسيح. هي دعوة جاءت من قلب أرض وشعب مظلومين حيث بدا الأمل مفقودًا. وهذه ينبغي أن تكون رسالة الفلسطينيين إلى العالم: نريد الحرية والتحرر وإنهاء الاضطهاد والاحتلال.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار