GMT 6:00 2017 الجمعة 3 فبراير GMT 9:46 2017 السبت 4 فبراير  :آخر تحديث
صاحب نظرية السيادة الأميركية

من يتبع من: ترامب أم... بانون؟

د عودة ابو ردينة

خاص بايلاف من نيويورك: في نوفمبر 2015، كان ستيفن ك. بانون، الرئيس التنفيذي لموقع برايتبارت نيوز وقتذاك، يستضيف إذاعيًا فضائيًا عضو مجلس النواب عن الحزب الجمهوري راين زنك، الذي وقف ضد خطة الرئيس الأسبق باراك اوباما لإعادة توطين بعض السوريين في الولايات المتحدة.

قال زنك: «علينا أن نضع حدًا لتدفق اللاجئين حتى نستطيع التحقق من سيرتهم». فقاطعه بانون قائلًا: «لماذا السماح بدخولهم أصلًا؟»، قائلًا إن التحقق من سيرة اللاجئين القادمين من بلدان مسلمة يكلف مالًا ووقتًا. وتساءل: «ألا يمكن استخدام هذا المال في الولايات المتحدة؟ ألا يجب أن نتمهل بعض سنين في شأن أي نزوح من تلك المنطقة من العالم؟».

السيادة الأميركية

في السنوات التي سبقت استئثار بانون باهتمام العالم بوصفه كبير المخططين الاستراتيجيين لترامب، كان يصوغ رؤية شعبوية نارية لإعادة بناء صورة الولايات المتحدة ودورها في العالم. تقدم تصريحاته السابقة على موقع برايتبارت ومنابر محافظة أخرى خريطة طريق للأجندة الخلافية التي خضَّت واشنطن وهزت أركان النظام العالمي خلال الأسبوعين الأولين من ولاية ترامب. 

الآن، يتحرك بانون بسرعة نحو مركز السلطة في البيت الأبيض لتحويل أفكاره إلى سياسة عامة، مساعدًا في توجيه أكبر القرارات التي تتخذها الإدارة الأميركية الجديدة: الانسحاب من اتفاقية تجارية كبرى؛ منع دخول الزوار من سبعة بلدان مسلمة؛ ومنع موقت لدخول اللاجئين الجدد. جميعًا، في ما يبدو صدى لحديثه مع زنك.

 

ستيف بانون، أحد كبار مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب

 

كانت النتيجة غضبًا عارمًا من جانب الديمقراطيين، وعدم ارتياح بين كثير من الجمهوريين، واحساسًا متزايدًا بالتوجس في العالم من أن ترامب يعتزم تقويض عالم يتمحور حول اميركا منذ 70 عامًا. ويعكس هذا الإحساس بالاضطراب الذي رحب به مؤيدو ترامب، بوصفه دليلًا على أن الرئيس الجديد ينفذ تعهده بهز واشنطن، ذلك النوع من التغيير الذي كان بانون يدعو إليه منذ زمن طويل.

فهذه النظرة إلى العالم التي طرحها بانون في مقابلاته وخطاباته خلال السنوات الماضية ترتكز بالدرجة الأساسية على إيمان بانون بـ«السيادة» الأميركية. وقال بانون إن على الدول أن تحمي مواطنيها بالحد من الهجرة، القانونية وغير القانونية، والانسحاب من الاتفاقيات متعددة الأطراف.

في الوقت نفسه، كان بانون قلقًا لأن الولايات المتحدة و«الغرب اليهودي-المسيحي» يخوضان حربًا ضد أيديولوجيا اسلامية توسعية، ويخسرانها بسبب عدم فهمهم ماهيتها. وقال بانون إن هذه المعركة تستحق غض الطرف عن الخلافات والصراعات مع بلدان مثل روسيا.

صوت لليمين البديل 

لا يُعرف حتى الآن إلى أي مدى سيكون بانون قادرًا على تنفيذ أجندته. فتحركاته السياسية المبكرة تعرقلت بسبب الفوضى الإدارية. لكن نظرته إلى العالم تدعو إلى إحداث تغييرات أكبر مما أُحدث بالفعل. في السابق، كان بانون يتساءل بصوت عالٍ عمّا اذا كان البلد مستعدًا للسير وراءه. والآن سيعرف.

سأل بانون في مقابلة اذاعية أخرى في مايو الماضي، قبل أن ينضم إلى حملة ترامب: «هل ما زالت تلك العزيمة موجودة، ذلك التصميم الذي شهدناه في ساحات المعارك... مقاتلين من أجل شيء أكبر من ذواتنا؟ فهذا هو من أكبر الأسئلة المطروحة في هذا البلد».

وبانون (62 عامًا) ضابط سابق في البحرية ومصرفي سابق في غولدمان ساكس، جمع ثروة بعد شراء حصة من عائدات برنامج «ساينفيلد» التلفزيوني الكوميدي. وفي السنوات الخمس عشرة الماضية، انتقل إلى الصناعة الترفيهية والإعلام المحافظ حيث أنتج افلامًا عن رونالد ريغان وسارة بايلن، ثم تولى دورًا قياديًا في موقع برايتبارت. هناك، عزز بانون دوره بوصفه صوتًا من أصوات اليمين البديل، أي الحركة اليمينية المتطرفة التي استقطبت عنصريين بيضًا ووجدت في الموقع موطنًا لها. كما أقام بانون علاقة وثيقة مع ترامب بمقابلة رجل الأعمال ـ المرشح في برنامجه ثم الانضمام إلى الحملة في اغسطس 2016 رئيسًا تنفيذيًا لها. الآن، أصبح بانون واحدًا من أقوى الرجال في اميركا، وهو لا يخشى أن يقول ذلك.
 
أنا كرومويل!

مع استمرار الاحتجاجات في أنحاء البلاد على قرار ترامب في شأن المهاجرين، أعاد تشكيل مجلس الأمن القومي وأناط ببانون دورًا لا سابق له في مجال الأمن القومي (جيني ستارز، واشنطن بوست). وفي مقابلات مع الصحافيين منذ انتخاب ترامب، تجنب بانون التواضع التقليدي المعهود من موظفي الرئيس في التسبيح بحمده. وقال في مقابلة مع مجلة هوليود ريبورتر في نوفمبر: «دك تشيني، دارث فايدر، الشيطان، هذه هي القوة»، عاقدًا مقارنات بينه وبين هذه الرموز.

في المقابلة نفسها، قارن بانون نفسه بمستشار قوي من مستشاري الملك هنري الثامن في انكلترا ـ مستشار ساعد في تدبير خطوة هزت العالم وقتذاك: انفصال كنيسة انكلترا عن الكنيسة الكاثوليكية. قال بانون لمجلة هوليود ريبورتر: «أنا توماس كرومويل في بلاط آل تيودور».

لاستكشاف نظرة بانون إلى العالم، راجعت صحيفة واشنطن بوست ساعات من المقابلات الإذاعية التي أجراها بانون في أثناء استضافته برنامج برايتبارت الإذاعي، فضلًا عن كلمات ألقاها ومقابلات أُجريت معه منذ عام 2014. في تصريحاته العلنية، كان بانون يطرح فكرة أساسية تقول إن ترامب سيكف لاحقًا عن أن يكون محور حملته.

وفي حين أن آخرين رأوا العالم يتعافى من آثار الأزمة المالية في عام 2008، رآه بانون يزداد انقسامًا على أساس طبقي. فالنخب التي سببت الأزمة، أو على الأقل فشلت في منعها، تصعد الآن. الآخرون يلهثون وراءها.

قال في كلمة ألقاها في عام 2014 أمام مؤتمر في الفاتيكان، بحسب تسجيل حصل عليه موقع بازفيد: «الطبقة الوسطى والعمال والنساء في العالم تعبوا مما يمليه عليه ما نسميه نحن حزب دافوس»، أي المنتجع السويسري الذي يستضيف الملتقى السنوي لأصحاب الثروة والسطوة في العالم. واتهم بانون الحزبين الرئيسيين بالمسؤولية عن هذا النظام، وشرع يفرض آراءه على قيادة الحزب الجمهوري التي لم تكن مستعدة لقبولها.
 
لا تكونوا مثل جوليفر

قال بانون مرارًا إن ما يريده هو «السيادة»، في الولايات المتحدة وفي حليفاتها التقليدية في أوروبا الغربية. واشاد في واحد من برامجه الأولى على اذاعة برايتبارت، في مطلع نوفمبر 2015، بالحركة المتنامية من أجل خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي. وقال إن البريطانيين انضموا إلى الاتحاد الاوروبي بوصفه اتحادًا تجاريًا لا أكثر، لكنه تنامى إلى قوة جردت البريطانيين من السيادة "في كل ناحية مهمة من نواحي حياتهم".

ودعم بانون حركات مماثلة في بلدان أوروبية أخرى للخروج من الاتحاد الاوروبي. وردد ترامب هذه المواقف في أيامه القليلة الأولى رئيسًا، وهذا تغيّر لافت في السياسة الأميركية. فبعد عقود من بناء تحالفات متعددة الأطراف ضمانة للسلام أشار البيت الأبيض الآن إلى أنه ربما يقوضها.

في كلمته في الفاتيكان في عام 2014، صور بانون ذلك عودة إلى ماضٍ أفضل. وقال: "أعتقد أن الدول القوية والحركات القومية القوية تصنع جيرانًا أقوياء، وهذه هي في الحقيقة اللبنات التي بُنيت بها أوروبا الغربية والولايات المتحدة، واعتقد أنها ما يمكن أن يدفعنا قدمًا".

في حالة الولايات المتحدة، أبدى بانون شكوكه في الاتفاقيات التجارية متعددة الأطراف قائلًا إنه تنازل عن السيطرة. وفي مقابلة إذاعية في نوفمبر 2015 اتفق عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الجمهوري جيف سيشينز، مرشح ترامب لمنصب المدعي العام، مع بانون. قال: "يجب ألا نقيد أنفسنا كما فعل جوليفر في بلاد ليليبوت بخيوط كثيرة بحيث لا يستطيع المرء أن يتحرك، وهذا ما نحن سائرون اليه، وهو ليس ضروريًا". 

حلول اقتصادية!

من الحلول التي قدمها بانون: على الولايات المتحدة أن تسعى إلى عقد اتفاقيات تجارية ثنائية مع بلد واحد في كل مرة، بدلًا من اتفاقيات متعددة البلدان، مثل الشراكة العابرة للمحيط الهادئ التي أيدها اوباما. وهذا ما اقترحه بانون على ترامب نفسه حين ظهر المرشح في برنامجه في نوفمبر 2015، إذ قال بانون: "ترامب يحيل اتفاقية إلى مجلس الشيوخ، وينال موافقة ثلثي أعضاء المجلس على اتفاقية تجارية ثنائية كهذه مع تايوان أو اليابان. ويسوق حجته قائلاً انها لهذه الأسباب اتفاقية جيدة. هكذا كان يريد الآباء المؤسسون".

في مارس 2016، قال بانون إن استعادة السيادة تعني خفض الهجرة. وفي برامجه الإذاعية انتقد برنامج التأشيرة الفدرالي الذي يجيز للشركات الأميركية أن تملأ شواغر تقنية بعمال أجانب.

قال: "إن اباطرة الشركات التكنولوجية التقدميين في سيليكون فالي يريدون امتلاك قدرة غير محدودة لطواف العالم واستقدام أشخاص إلى الولايات المتحدة، فكليات الهندسة مليئة بأشخاص من جنوب آسيا وشرق آسيا، جاؤوا هنا لأخذ هذه الوظائف. وفي هذه الأثناء، لا يستطيع الطلاب الأميركيون الحصول على شهادات في الهندسة، هم لا يستطيعون دخول هذه الكليات فكلها طلاب أجانب. وحين يتخرجون لا يستطيعون الحصول على عمل".

وتساءل بانون مرات: "أليست لدينا مشكلة مع الهجرة القانونية؟ 20 في المئة من هذا البلد مهاجرون. أليس هذا هو قلب المشكلة النابض"، في إشارة إلى المشكلة المتمثلة في أن الاميركيين المولودين في بلدهم لا يستطيعون إيجاد فرص عمل ورواتب عالية.
 
تراجع شامل

شكا بانون في برنامج آخر من برامجه الاذاعية لترامب أن العديد من رؤساء الشركات التكنولوجية في سيليكون فالي هم من جنوب آسيا أو آسيويون. وكانت هذه من الحالات النادرة التي ردّ فيها ترامب، المتجاوب عادة مع افكار بانون، على الهواء بالقول: "ما زالتُ أُريدهم أن يأتوا، لكني أُريدهم أن يمروا بالعملية الاصولية".

لم يُدخل ترامب حتى الآن تغييرات على برنامج اصدار التأشيرات لذوي المهارات العالية. وقال المتحدث باسم البيت الأبيض شون سبايسر هذا الاسبوع إن إدارة ترامب ربما تعيد النظر في البرنامج. وحتى عندما كان بانون يدعو إلى تراجع شامل عن التحالفات متعددة القوميات، فإنه حذر من إقامة تحالف جديد لا يضم إلا مجموعة ثانوية من بلدان العالم.

قال بانون: "الغرب اليهودي ـ المسيحي في حرب، لكن الغرب لا يفهمها على ما يبدو". واعلن بانون في الفاتيكان في عام 2014، حين كان تنظيم الدولة الاسلامية "داعش" يحقق مكاسب على الأرض، أن حربًا عالمية تختمر. وكل يوم نرفض فيه النظر إلى ذلك على حقيقته، وحجمه، وشراسته، سيكون يومًا نندم لأننا لم نتحرك فيه".

لم يعطِ بانون تفاصيل تُذكر عن آليات الحرب التي يعتقد أن على الغرب خوضها. لكنه قال إنها ملحة بما فيه الكفاية لإعطائها الأولوية على صراعات وهموم أخرى. 

روسيا ثانية

سُئل في الفاتيكان عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فرد ردًا ذات وجهين: "أعتقد أن بوتين وأزلامه حكومة لصوص حقًا، وهم قوة إمبريالية تريد التوسع"، لكن هناك بحسب بانون مخاوف أكبر من روسيا، ويوجد شيء يستحق الاعجاب في دعوة بوتين إلى احتضان القيم التقليدية.

وأوضح بانون: "غير إني اعتقد أن في البيئة الحالية حيث نواجه خلافة جديدة محتملة شديدة العدوانية فإن هذا حقًا موقف، وأنا لا أقول إننا نستطيع أن نضع روسيا في مرتبة ثانوية من حيث الاهمية، لكني اعتقد أن علينا التعامل مع الأهم ثم المهم". وإذا نجح بانون، فإن مقارنته بتوماس كرومويل في انكلترا قد تكون في محلها. 

قال ديارميد ماكالوك، استاذ التاريخ في جامعة اوكسفورد في بريطانيا: "المماثلة، إذا كانت ستنجح، هي أن لدى بانون أجندته التي سيحاول أن يستخدم ترامب في تنفيذها، وسيحاول استغلال السلطة التي منحه إياها ترامب، من دون أن يلاحظ سيده ذلك دائمًا".

لكن... كرومويل أُعدم لاحقًا بعد أن انقلب الملك هنري الثامن عليه. وقال ماكالوك انه بالنسبة إلى رجل كهذا، تكون السلطة دائمًا هشة، "فهي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على جميل الملك".


 


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار