GMT 12:15 2017 الجمعة 17 مارس GMT 4:01 2017 السبت 18 مارس  :آخر تحديث
رسائل في اتجاهات مختلفة لإيران وواشنطن وآسيا

نظرة معمقة إلى جولة الملك سلمان الآسيوية

ترجمة عبدالاله مجيد

يقرأ بين سطور الجولة الملكية السعودية في دول آسيوية أن زيارة الصين تشي بأن السعودية بدأت تصوغ مقاربتها الجيوسياسية في المنطقة، وفق معايير جديدة.


إيلاف من لندن: بدأ استقبال الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز في إندونيسيا في فبراير الماضي، بعد غياب الملوك السعوديين عن هذا البلد نحو 50 عامًا.

وحضر الملك سلمان ووزراؤه لتوقيع عقود تجارية تراوح قيمتها بين 20 و25 مليار دولار، بحسب تقارير صحفية مختلفة.

وتأتي هذه الزيارة في أعقاب صفقة أخرى قيمتها 6,5 مليارات دولار تتعلق بمصفاة نفط في وسط جاوا. وهي خطوة تلائم الطرفين لأن السعوديين يستخدمون خبرتهم ومعارفهم من خلال عملاق النفط السعودي «أرامكو».

وتريد الحكومة الإندونيسية أن توسع شركة النفط والغاز المملوكة للدولة. ويمكن أن تستفيد الشراكة السعودية - الإندونيسية في مجال الطاقة من خطة شراكة سابقة بين شركة بترامينا ومؤسسة الكويت البترولية في عام 2014 لم يُكتب لها النجاح. وهكذا، يرى البلدان منافع تجارية وجيوسياسية من شراكتهما.
 
تحديات اقتصادية

العمل مع أكبر بلد مسلم في العالم خطوة منطقية من الناحية الجيوسياسية بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية التي تواجه تحديات اقتصادية: طلب مرتفع على الطاقة في الداخل، تقترن به رغبتها في الحفاظ على موقعها المربح بوصفها أكبر مصدّر للنفط والغاز في العالم. 

يعزز العمل مع قطاع النفط والغاز الإندونيسي ليس فقط فرص الاستثمار المستقبلية لـ«أرامكو»، بل النفوذ السعودي إقليميًا وعالميًا أيضًا.

تكمن بين ثنايا العقود التجارية مع اندونيسيا خطط لمواصلة الإستثمار والتجارة في البنية التحتية والتعليم والثقافة والتنمية الاسلامية والهندسة والطيران. فالسعودية تستثمر في أنحاء العالم بتمويل تعليم اللغة العربية والتربية الاسلامية، وإندونيسيا من المشمولين بهذه المبادرات. وما قد يعنيه ذلك للبلد المسلم الذي فيه أقلية مسيحية تشكل حوالى 10 في المئة من عدد سكانه. وتتركز مناطق المسيحيين خارج جزيرة جاوا الرئيسية، وفي جزر أخرى مثل شمال سومطرة وفلوريس وتيمور الغربية.

شراكة مختلة

شملت الجولة الآسيوية التي يقوم بها العاهل السعودي زيارة سلطنة بروناي والصين واليابان بعد توقفه في ماليزيا. وفي هذه المحطات الآسيوية بلدان أغلبية سكانهما من المسلمين ولديهما مصالح نفطية وغازية (بروناي وماليزيا)، ثم يعتبران قوتين آسيويتين اقليميتين/دوليتين. 

الحاضر على خلفية الزيارة أمر اساس: الشراكة السعودية - الأميركية ليست مؤكَّدة مثلما كانت في السابق ولو أن زيارة ولي ولي العهد الأمير سلمان بن عبد العزيز الى الولايات المتحدة الأميركية، ولقاءه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعادا النبض الى هذه العلاقات التي شهدت فتورًا خلال عهد باراك أوباما.

وقد ساعد الاستقرار الذي تعيشه السعودية في رسم الاستراتيجية الجيوسياسية الاميركية القائمة على دعم الحلفاء الأساسيين خلال السنوات التي تلت الحرب الباردة، وحدث الكثير منذ ذلك الوقت.

من وجهة النظر الأميركية، تسبب دور مواطنين سعوديين في هجمات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة في تردي هذه الشراكة، على الرغم من محاولات تركيز الاهتمام على أماكن أخرى في العراق. وساعدت ثورة الغاز الصخري في الولايات المتحدة على تقليل الاعتماد على استيراد النفط والغاز من الخليج العربي.

جذب الاستثمارات

في السعودية، يُعالج الاعتماد التاريخي على قطاع النفط والغاز. في أوائل العام الحالي، أُعلنت المملكة استثمار زهاء 50 مليار دولار في مشروعات للطاقة المتجددة، تتضمن استثمار الطاقة الشمسية وطاقة الريح، بسبب هبوط أسعار النفط وتوافر إمدادات جديدة واستهلاك الطاقة في الداخل، والحرص على استقرار المملكة على المدى البعيد. 
 
تريد السعودية استدراج استثمارات أجنبية مباشرة، ومن المتوقع أن تؤدي اليابان دورًا في خطط الطاقة المتجددة. 

تاريخيًا، كانت لليابان مصلحة كبيرة في الحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط بسبب المستويات العالية لما تستورده من نفط المنطقة. وكان الهدف من زيارة الملك استعراض الفرص واستباق المخاوف الناجمة عن نشوء شراكة تجارية صينية ـ ايرانية. ففي عام 2016، زار الرئيس شي المنطقة ووقع عقودًا مع ايران. وكانت الزيارة الصينية مهمة لبلد يعاني آثار العقوبات والعزلة.

ومن المنظور الصيني، مد جسور مع السعودية وإيران على السواء يلائم خططها العالمية لمبادرة «حزام واحد، طريق واحد» التي تهدف إلى تعزيز مصالح الصين الجيو-استراتيجية في عموم البر الأوروبي – الآسيوي.
 
تسمم العلاقة

زيارة الصين رسالة سعودية جيوسياسية واضحة الى الولايات المتحدة الأميركية مفادها اهتزاز «العلاقة الخاصة» مع الأميركيين على ضوء المقاربة الجيوسياسية الاقليمية التي انتهجتها إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، والتي ساهمت في تسميم العلاقات.

وتبدو القيادة السعودية الحالية عازمة على انتهاج سياسات حازمة تجاه الصراعات الإقليمية مع إيران، في وقت كانت إدارة أوباما تحاول بناء تقارب مع إيران.  وتسعى السعودية إلى مد جسور مع السنّة في المنطقة من خلال الاستثمار والتعليم. كما تضع نصب عينيها أن روسيا تقدمت عليها الآن بوصفها أكبر منتج للنفط في العالم، وأن صادرات النفط الاميركية ترتفع بفضل استكشاف الغاز الصخري.
 
عالم مختلف

يواجه ترامب عالمًا يختلف جذريًا عن العالم الذي واجهه سابقوه من الرؤساء. وتجسد ولاية أوباما آمال الربيع العربي التي انتهت بكارثة سورية. 

لم تكن السعودية من مؤيدي الربيع العربي، وقد يُجهض الاتفاق مع ايران. ولم تقل أهمية النفط المستورد بالنسبة إلى الولايات المتحدة. والعمل من أجل الاستقرار الاقليمي أشد تعقيدًا. وعادت روسيا لاعبًا عسكريًا، والصين مستثمِرا مهما، بينما تدير إيران سلسلة من الحروب بالوكالة في أنحاء المنطقة.

يجب النظر إلى الجولة الآسيوية في اطار ما يُسمى رؤية السعودية 2030. فالمملكة تعرف أن عليها أن تدبر اقتصادها مع تخفيف اعتمادها على النفط، وتنويع الاقتصاد والمضي قدمًا في معالجة البطالة بين الشباب… وهو مسار تبدو السعودية ماضية فيه بحزم.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار