«إيلاف» من الرباط: من البديهي أن تستمزج" إيلاف المغرب" متصفحي الموقع، بخصوص مستقبل علاقات التعاون والشراكة الاستراتيجية، بين بلادهم والجمهورية الفرنسية، غداة التغيير السياسي الذي حدث أخيرًا في بلاد الغال، بعدما سكن رئيس جديد قصر الإليزيه، من خارج العائلتين الحزبيتين الكبيرتين (اليمين واليسار) تناوبتا على حكم فرنسا منذ تأسيس الجمهورية الخامسة على يد الرئيس الراحل شارل ديغول.

وللمرة الاولى في تاريخ الاستحقاقات الرئاسية الفرنسية، لم تراهن الرباط بكامل ثقلها على مرشح دون آخر؛ فقد بدا واضحًا وخاصة قبل أشهر أن المعركة ليست محسومة لصالح اليمين أو اليسار، لذا آثرت الرباط الترقب ريثما تنجلي الغيوم.

بدأ التفكير في أسلوب التعامل مع الوافد الجديد على القصر الرئاسي، وكيفية الارتقاء معه بالعلاقات التقليدية بين البلدين إلى مستويات أمتن تفرضها المتغيرات السياسية على الصعيدين الإقليمي والدولي.

ويدرك المغاربة والفرنسيون على السواء، أنه مهما يكن لون الرئيس، فإنه مجبر، بحكم المصالح المشتركة، على الحفاظ على العلاقات التاريخية التي جمعت فرنسا والمغرب، في السراء والضراء. لا يمكن لفرنسا أن تفرط في محميتها القديمة، حيث تركت ثقافتها ولغتها وعاداتها وأسلوب إدارتها ونخباً متعلقة بها؛ بل رسخت حضورها فيها على كافة المستويات ، بعد استقلال المغرب عنها عام 1956؛ كما أنه لا يمكن تصور المغرب، خارج عن المجرة الفرنسية؛ ليس من باب التبعية والارتباط بالأجنبي، وإنما بسبب تداخل المصالح.

ويجب التذكير في هذا السياق، أن العلاقات بين الرباط وباريس، عرفت أزمات وتوترات كثيرة بعضها ظل طي الكتمان، وأخرى خرجت إلى العلن

ومن المعروف أن فرنسا عاقبت المغرب على وقوفه إلى جانب الكفاح المسلح، الذي خاضته الجزائر ضدها، ومارست اول فعل قرصنة جوية بإقدامها على اختطاف طائرة مدنية كانت تقل زعماء الثورة الجزائرية، الذين ينعتون بـ "الأحرار الخمسة" ضمنهم الرئيس الراحل أحمد بنبلة من الأجواء التونسية. واعتقلت ركاب الطائرة العائدين من ضيافة الملك الراحل محمد الخامس. شكل الحادث في حينه صدمة كبرى في العالم العربي.

وفي منتصف الستينيات، حدثت أزمة أخرى عميقة بين البلدين، جراء اختطاف الزعيم اليساري المهدي بنبركة يوم 29 أكتوبر 1965 بقلب العاصمة باريس، وفي واضح النهار، في سياق مؤامرة اتضح ضلوع عناصر منفلتة من استخبارات البلدين فيها، حيث حامت الشكوك القوية &حول تورط &الجنرال الراحل محمد أوفقير، الذي طلبت فرنسا تسليمه ليمثل أمام القضاء ؛ لكن الملك الحسن الثاني رفض التسليم، فتردت &العلاقات &الثنائية زمنًا، لتعود إلى &أوجها في عهد الرئيس الأسبق فاليري &جيسكار ديستان منذ عام 1974 إلى غاية 1981 بداية ولاية الرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتران، الذي لم تخلُ مدة حكمه الطويلة (14 سنة) من مشاكل وأزمات وفترات عسل.

وبالنظر إلى موقع الرئيس في النظام الفرنسي ودور الملك في المغرب، فإن الخلاف بينهما يؤثر على كثير من &أوجه التعاون المشترك.

ومع ذلك، لا بد من التأكيد ان الملك الراحل الحسن الثاني، غلب دائمًا جانب الحكمة في ارتباطه الإشكالي بفرنسا. يضطر أحيانًا للتنازل عن كبريائه، لكيلا يتسبب في اضرار لبلاده.&

والكتاب العنيف في إيذائه للملك الراحل، الذي حرره الصحافي جيل بيرو يعتبر مثالاً صارخاً لحملة شرسة غير بريئة استهدفت شخص ملك المغرب. يتذرع الرؤساء أنها تندرج ضمن إطار حرية التعبير المكفولة للفرنسيين. لذلك تكررت نفس الممارسة مع الملك محمد السادس، مع فارق أن العاهل المغربي لم يولِ أهمية كبرى لما كتب عنه في فرنسا تاركًا إياه لحكم قانون النسيان والزمن &.

يرأس فرنسا حاليًا رئيس مغاير بكل المقاييس. ينتمي إلى جيل جديد من السياسيين الشباب، خريجي المعاهد العليا المتخصصة في التدبير العقلاني. فكيف سيكون حال علاقة المغرب معه؟ هل ستشهد مزيداً من الارتقاء نحو آفاق ابعد أم أنها ستظل على واقعها إن لم تتراجع بفعل مفاجآت؟

على هذا السؤال أجاب &حوالي 78 في المائة من المستطلعين معبرين عن&تفاؤلهم بالمستقبل على اعتبار أن البلدين الحليفين &يواجهان جيلاً جديدًا من المشاكل والتحديات الاقتصادية تلزمهما بتكثيف التعاون بينهما، بشرط ان تتخلى فرنسا عن نزعة الاستئثار بكل ما في المغرب من فرص اقتصادية &وأن لا تغتاظ من تنويع المغرب لعلاقات التعاون والشراكة مع فاعلين اقتصاديين ومستثمرين آخرين، أفراداً ودولاً .لا يعقل ان تسمح الدولة الفرنسية لرأس مالها الوطني ليبحث عن الأسواق النافعة له في الخارج، بينما تنزعج &إذا ما مارس المغرب نفس الحق، مستفيدًا من مبدأ المنافسة الذي يحكم اقتصاديات العالم المعاصر.

هذا هو الجانب الذي تتخوف منه نسبة قليلة من المغاربة. يرون ان العلاقات مع فرنسا قد يصيبها عطب على المدى المتوسط، تماشيًا مع قوانين العولمة الاقتصادية وتعدد الاختيارات المتاحة امام صانع القرار في المجال الاقتصادي.
لا بد من التأكيد على أن ثقل الماضي وضرورات الحاضر، يدعمان العلاقات المغربية - الفرنسية. فقد تغيّرت فرنسا وبالتالي ستتخلى حتماً عن نظرتها التقليدية لمستعمراتها السابقة لاستبدالها بمعاملة براغماتية قائمة على المنفعة المشتركة والتكافؤ .

وتدرك فرنسا أن المغرب لا يريد الابتعاد عنها إذ ليست له مصلحة في ذلك، بل له فوائد سياسية على الأقل، على اعتبار أن مرتكزات السياسة الخارجية في فرنسا لن تتغير جذرياً حتى ولو انتخب شعبها، لا قدر الله، رئيسًا من اليمين أو اليسار المتطرف؛ بدليل تجربة حكم &الرئيس ميتران الذي &قاد في فترة تحالفًا من الاشتراكيين والشيوعيين؛ لكن الروابط بين باريس والرباط استمرت بإيقاع متغير دون تسجيل قطيعة تامة.

وأخيرًا، إذا كانت فرنسا قد دشنت مع الانتخابات الرئاسية الأخيرة، مرحلة جديدة في تطورها السياسي ، مفتوح على احتمالات شتى ضمنها مراجعة أسس الجمهورية الخامسة في افق اعتماد نظام مختلط يوسع صلاحيات برلمان مقلص وفاعل مع الحد من صلاحيات الرئيس؛ فإنه يتوجب على المغرب أن يأخذ العبرة من حاميته القديمة. والخطاب موجه هنا إلى نخب فرنكوفونية لا تريد التخلي عن ولعها بالنموذج الفرنسي في كل شيء، سواء على مستوى تدبير الحياة الشخصية أو تنظيم المجتمع.

ويبدو ان غالبية&المستطلعين متفائلة&بالمستقبل( 81,82%)، لكن لا بد من الانتباه إلى ان 18,18%، هم أقل تفاؤلاً وأكثر واقعية في نظرتهم .