GMT 14:56 2018 الجمعة 6 يوليو GMT 15:21 2018 الجمعة 6 يوليو  :آخر تحديث
خلال المؤتمر الدولي الثاني للموسيقى في عالم الإسلام بأصيلة 

خبراء: الحروب تهدد الإرث الثقافي بالمنطقة العربية

عبدالله التجاني

أصيلة : شكل "صون الثقافات الموسيقية وانتقالها في عالم الإسلام" موضوع نقاش طويل بين الخبراء والعلماء في مجال الموسيقى الإثنولوجية، أجمعوا فيه على أهمية الحفاظ على الإرث الموسيقي والثقافي العربي والإسلامي، كما حذروا من المخاطر والتهديدات التي تطرحها الإضرابات والحروب على هذا التراث.

وشددت عدة مداخلات علمية في اليوم الأول من المؤتمر الدولي الثاني للموسيقى في عالم الإسلام، الذي انطلقت أشغاله الخميس، بمدينة أصيلة (شمال المغرب) على أن الإرث الموسيقي العربي في حاجة ماسة إلى جمعه وأرشفته وفق المعايير الدولية المعتمدة في التخزين وصيانة هذه التسجيلات من التلف.

الأرشفة ضرورة

واعتبر جان دورينغ ، المستشرق الفرنسي وعالم الموسيقى الإثنولوجية، أن بناء الأرشيفات الصوتية للموسيقى العربية وصيانتها بشكل علمي "أصبح أمرا ضروريًا من أجل ضمان استفادة الجميع منها".

وقال دورينغ إن بناء أرشيف موسيقى عالم الإسلام والحفاظ عليه أمر ضروري من أجل "تفادي التهديدات التي تشكلها الحروب والتوترات بالمنطقة العربية على الإرث الموسيقي والثقافي الذي تزخر به دول المنطقة"، في إشارة إلى ما تعيشه اليمن وسوريا من حروب والعراق ولبنان من اضطرابات.

وأشار المستشرق الفرنسي في المؤتمر الذي تنظمه مؤسسة منتدى أصيلة ودار ثقافات العالم بفرنسا، ضمن فعاليات موسم أصيلة الثقافي الدولي في دورته الأربعين، إلى أن تكنولوجيا الإعلام والاتصال "تتيح وسائل قيمة كفيلة ببناء هذه الذاكرة المشتركة وستكون مسخرة للأجيال اللاحقة، وتساهم في قطع المسافات وإسقاط الحواجز والحدود وتحقيق الوحدة الثقافية"، وفق تعبيره.

أميركا حرقت إرث بغداد

من جهتها، قالت شهرزاد حسن، الخبيرة العراقية في علم الموسيقى الإثنولوجية، إن آلاف الأشرطة والتسجيلات التي توثق الإرث الموسيقي بالعراق جرى إحراقه في بغداد مع بداية الهجوم الأميركي على العراق إبان سنة 2003.

واتهمت الخبيرة في علم الموسيقى الإدارة الأميركية بالوقوف وراء إتلاف هذا الموروث الثقافي والموسيقي، محذرة في الآن ذاته، من فقدان العالم لما تزخر به اليمن من إرث موسيقي وحضاري بسبب الحرب التي تعيشها البلاد منذ سنوات.

وذهبت حسن إلى أن صون الموروث الموسيقي "لا بد منه خوفا من التلف، خصوصًا عند الفئات القليلة وسكان الأماكن النائية"، مؤكدة أن سكان هذه المناطق لا يهتمون بالتدوين، وأشارت إلى أن هذا الأمر "يجعل إرثها يفقد بسهولة وإلى الأبد"، كما دعت الى الاهتمام بتراث وأغاني الاقليات القومية المختلفة في عالم الإسلام.

المغرب واستحضار الهوية

من جانبة، سجل ياسر بوسلام، الباحث المغربي وأستاذ الموسيقى بفرنسا، بأن المغاربة كانوا على وعي بضرورة صيانة وحماية الموروث الثقافي والحضاري المغربي الأصيل من التأثير "الأوروبي الاستعماري من جهة، ومن التأثير المصري والمشرقي من جهة أخرى".

وأضاف بوسلام في مداخلة بالمناسبة، أن موقف المغرب الذي وصفه بـ"المتقدم" على باقي الدول الغربية، كان بمثابة "رد فعل على الاستعمار"، مشددا على أن الهوية الأمازيغية (البرابرة) كانت تعد "جزءاً لا يتجزأ من الهوية المغربية بعيدًا عن التوجهات العربية الشاملة".

وأفاد الباحث المغربي بأن نشوب الحرب ومواصلة نضال المغاربة من أجل الاستقلال تسببا في "انقطاع هذا المجال لكن النشاطات عادت لتسجل مرة أخرى"، وذهب إلى أن مؤتمر فاس في أربعينيات القرن الماضي "كان فرصة لاستعراض الوضع المتعلق بمحاكمة المعرفة النظرية للموسيقى العربية، وتلوين ما كان يعد أصيلاً".

حلم مركز

محمد بن عيسى امين عام مؤسسة منتدى اصيلة

أما محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، فسجل بأنه بعد عشر سنوات من تنظيم مؤسسة منتدى أصيلة ودار ثقافات العالم، المؤتمر الأول للموسيقى في عالم الإسلام، الذي استضاف على مدى ستة أيام أزيد من خمسين متخصصًا في تقييم التقاليد الموسيقية في عالم الإسلام، تتخذ الأفكار التي تم اقتراحها خلال هذه الدورة أهمية جديدة، اعتبارًا للرهانات الحالية التي يواجهها عالم الإسلام، معبرا عن أمله في أن يحتضن المغرب "مركزًا للبحث وصون هذا التراث الموسيقي".

كما أعلن شريف خازندار، رئيس دار ثقافات العالم في باريس سابقا، بأن أهمية المؤتمر تكمن في سعيه وراء "الحث على التفكير في الوسائل التي من شأنها النهوض بصون وانتقال هذه الموسيقات في عالم الإسلام"، لافتا إلى أن سلطة أبو ظبي للسياحة والثقافة، أنجزت بتعاون مع المكتبة الوطنية بفرنسا، رقمنة ونشر مجموع تسجيلات مؤتمر الموسيقى الغربية الذي انعقد في القاهرة سنة 1932.

في ذات السياق، دعا باسكال كورديريكس، المحافظ العام للمكتبات في فرنسا، إلى مضاعفة الجهود والموارد الصوتية بهدف إحداث قاعدة للأرشفة المشتركة وتحسين الولوج إلى التراث الموسيقي في عالم الإسلام، وصون التراث المشترك، مؤكدًا أن هذا الأمر يتطلب تضافر جهود الباحثين والخبراء المختصين، بالإضافة إلى توفير الدعم المادي والسياسي لهذه المشاريع الثقافية النبيلة.

وقدم عدد من المتدخلين الآخرين عروضًا قصيرة حول التجارب الموجودة في العالم العربي الخاصة بالأرشيفات الصوتية، ومن أبرزها مؤسسة "أمار" في لبنان، وراديو بودكاس "روضة البلابل"، ومعرض صوتي لمؤسسة "همبولدت" ببرلين، والخزانة الصوتية الوطنية بتونس، ومركز الثرات الموسيقي باليمن، معتبرين أن مؤتمر القاهرة للموسيقى العربية أثر في العديد من البلدان العربية ومن ضمنها المغرب.

أغاني المهد

وفي الجلسة المسائية، عرضت مجموعة من الباحثين مداخلات حول تجاربها الميدانية في دراسة وبحث "أغاني المهد" في مجموعة من الدول المختلفة بعدد من القارات، حيث أبرزت العروض التشابه الكبير على مستوى الإيقاعات والترانيم التي تستعين بها

الأمهات من أجل تهدئة الرضع وتسهيل نومهم المضطرب في سنواتهم الأولى.

وأجمع المشاركون على أن هذه الأغاني والأهازيج تنهل في العديد من البلدان من المرجعية الدينية، وأكدوا ان هذا الأمر "حاضر بقوة في أغاني المهد بالدول العربية والإسلامية التي شملتها الدراسات".

وحذر الباحثون والمختصون من اندثار هذا اللون من الأغاني بسبب التحولات الثقافية والاجتماعية التي تعيشها مجموعة من الشعوب، مطالبين بحفظها وصيانتها من الضياع عبر الارشفة والتوثيق، كما اعتبروا أن ارتفاع معدلات الهجرة نحو الحواضر وخروج المرأة إلى العمل من أكثر التحديات التي تهدد استمرار هذه الأغاني والحفاظ على انتقالها من جيل إلى آخر.

وتتواصل اليوم فعاليات المؤتمر الدولي الثاني للموسيقى العربية، المنعقد في إطار الدورة الأربعين لموسم أصيلة الثقافي الدولي، حيث سيناقش الخبراء المشاركون في التظاهرة إشكاليات الممارسة والإبداع الموسيقي في وضعية الهجرة والمنفى وقضايا الانتقال.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار