|
عدنان حسين
لن يجد كويتي واحد نفسه مضطراً للتسوّل في الشوارع والساحات و«المولات»، بل لن يتراجع حتى عشرة كويتيين في مستواهم المعيشي إلى خطر الفقر أو إلى ما دونه، إذا ما أطفأت بلادهم الديون المترتبة لها على العراق، فالكويت خيرها «واجد» ودينها على العراق لا يعادل سوى جزء ضئيل من هذا الخير، لكن الكويت ليست جمعية خيرية بالطبع.
في المقابل فإن عدد الشحّاذين والمعدمين والأيتام والأرامل وذوي العاهات الذين خلّفهم صدام حسين وحروبه في العراق لن يقلّ فردا واحدا إذا ما أطفأت الكويت ديونها، ولن يزداد فردا واحدا إذا لم تفعل ذلك، فالعراق هو الآخر خيره «واجد» للغاية. والدين المترتب عليه للكويت لا يعادل سوى جزء أضأل من الضئيل من هذا الخير الذي يتكدس الآن بمليارات من الدولارات لا تعرف الحكومة العراقية ماذا تفعل بها، مع أن حاجة العراق ماسّة تماما إلى كل دولار لمعالجة الأوضاع المزرية التي خلّفها صدام وحروبه العبثية المدمرة.
مشكلة العراق الآن ليست في أنه مدين للكويت وسواها، وليست في أن الكويت لا تطفئ دينها. في العراق عدد لا يُحصى من المشاكل التي يتراوح حجمها ومداها ودرجة خطورتها بين الكبير والصغير، ومشكلة الدين الكويتي هي واحدة من أصغر هذه المشاكل، وإذا أعطاها البعض (من العراقيين) حجما أكبر فلأسباب سياسية بالتأكيد.
للوهلة الأولى يبدو إلغاء الدين الكويتي في صالح العراق، لكنني أرى أيضا مصلحة للعراق في عدم إطفاء هذا الدين. فهذا الدين ناتج عن سلسلة من مغامرات أقدم عليها حاكم عراقي جاء من قاع المجتمع العراقي (الواقع أن حزب البعث ضمّ على الدوام في صفوفه حثالة المجتمع العراقي وسقط متاعه)، وناتج أيضا عن خضوع الكويت لإرهاب وابتزاز هذا الحاكم. وسيكون في صالح العراق ألا يحكمه من جديد مغامر أرعن مثل صدام حسين، وألا تذعن الكويت وسواها لإرهابه وابتزازه. وعليه يبدو أن من الأسلم أن تُحل «مشكلة» الدين الكويتي على العراق بإطفاء نصفه، وإقامة مشاريع مشتركة بقيمة هذا النصف، (تقرير الشال الأخير قدّم اقتراحا باستثمار قيمة الدين كاملة في هذه المشاريع)، أما النصف الآخر فتلتزم الدولة العراقية بسداده كاملا بشروط ميسّرة، كأن يُقسّط على مدى طويل من دون فوائد وبدفعات رمزية (دينار واحد أو عشرة في الشهر)، لكي تظل القضية تذكرة وعبرة للأجيال العراقية اللاحقة ولحكام العراق القادمين بأنّ في تاريخ بلادهم كانت ثمة مغامرات، واحدة منها غزو الكويت، ارتكبها حاكم اسمه صدام حسين، وظل العراق وشعبه يدفعان ثمنها الباهظ أمدا طويلا.
|