GMT 0:05 2013 الخميس 17 أكتوبر GMT 0:23 2013 الجمعة 18 أكتوبر  :آخر تحديث

تنازلات إيرانية مشبوهة في جنيف لتخفيف العقوبات الدولية

الشرق الاوسط اللندنية

 هدى الحسيني

 
أكثر مما كان متوقعا، خرجت إشارات مختلطة ومتناقضة من طهران تعكس «وجهي» إيران اليوم؛ الرئيس حسن روحاني، الذي منذ انتخابه يعبر في كل مناسبة عن الرغبة في التقارب مع المجتمع الدولي ويدعي أنه مفوض كي يقوم بهذا التصرف، والمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي الذي، فعليا، يحرك كل السلاسل في طهران. بشكل جماعي، يلاحق النظام صفقة تخفف عن إيران الضغوط الاقتصادية التي تراكمت نتيجة السياسة النووية التي تنتهجها. تريد إيران التوصل إلى صفقة لا تعيد عقارب الساعة إلى الوراء بالنسبة لقدراتها النووية، بل الإبقاء على البنية التحتية النووية، حتى لو كانت وتيرة التقدم بطيئة.

ولهذا السبب بالذات وضعت إيران شرطا قبل التفاوض وهو أن شحن اليورانيوم المخصب حتى نسبة 20% خارج البلاد، «خط أحمر» ليست إيران على استعداد لعبوره، رغم أن هذا كان مطلبا أساسيا من المجتمع الدولي لتحييد تهديد الأسلحة النووية الإيرانية. إن 20% من التخصيب تعد مسافة قصيرة من إنتاج اليورانيوم المخصب بدرجة كافية لإنتاج سلاح دمار شامل.

البيان حول التخصيب والخط الأحمر الذي أدلى به عباس عراقجي نائب وزير الخارجية الجديد، وكبير المفاوضين حول «النووي الإيراني»، جاء بعد حملة علاقات عامة مكثفة ومنسقة تنسيقا جيدا من قبل الحكومة الإيرانية الجديدة التي توجتها رحلة روحاني إلى الأمم المتحدة وما أحاطها من ترحيب ودهشة من جانب الأميركيين.

من المؤكد أن خامنئي رفض بشكل واضح «المبادرة الهاتفية» بين روحاني والرئيس الأميركي بارك أوباما.

الإشارات المتناقضة الصادرة عن طهران كانت واضحة خلال ترشيح روحاني للرئاسة وتكثفت منذ تسلمه السلطة. وتعكس حكومته الجديدة حدود سلطة روحاني التي سمح له بها خامنئي؛ مثلا محمد جواد ظريف دبلوماسي محنك، وتضم الحكومة عددا من البراغماتيين والمهنيين، ومع ذلك لا تزال وزارة الدفاع من حصة قائد سابق للحرس الثوري بعدما انتقلت من أحمد وحيدي إلى حسين دهقان. تبوأ دهقان عدة مناصب حساسة ورفيعة المستوى في السابق، وساهم في الثمانينات في تأسيس حزب الله في لبنان بصفته ميليشيا قوية، وتدريب مقاتليه، ولعب دورا أساسيا في النشاط السري الإرهابي، ثم إنه على دراية وثيقة بمختلف مشاريع الأسلحة النووية التي انطلقت فيها إيران خلال السنوات الماضية. كما شغل دهقان عام 1983 منصب قائد قوات الحرس الثوري الإيراني في لبنان (في ذلك العام نفذت عملية انتحارية ضد قوات البحرية الأميركية أدت إلى مقتل 241 من تلك القوات)، كما أن دهقان كان في أوائل الثمانينات أحد كبار مسؤولي الحرس الثوري في سوريا. علاوة على ذلك، فإن الأمين الجديد للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني فُرض فرضا على روحاني من قبل خامنئي، رغم أن الرئيس الإيراني كان يفضل شخصية أكثر اعتدالا. اختار خامنئي للمنصب الحساس علي شمخاني، لأنه على الرغم من أن حكومة روحاني توفر الواجهة للمناقشات حول السياسة النووية، فإن الاستراتيجية التي تقوم عليها تبقى في يد خامنئي والمجلس الأعلى للأمن القومي.. ثم إن شمخاني لعب دورا رئيسا وراء الكواليس في دفع محاولات إيران لبناء أسلحة نووية. واشتبك في الماضي مع روحاني حول هذه القضية عندما كان الاثنان في مراكز قيادية خلال رئاسة محمد خاتمي فيما بين عامي 1997 و2005.

من دهقان وشمخاني إلى الأساليب الإيرانية المعتمدة والمتعلقة بالأوضاع في سوريا.. بذلت إيران جهودا مكثفة لتعقيد النقاش حول «النووي» عبر محاولاتها إدخال «قضايا إقليمية» لا علاقة لها بالمعادلة وأولها سوريا. ومن المرجح أن تفعل الأمر نفسه في محادثات هذا الأسبوع في جنيف. هذا الربط مصطنع تماما، لكن الدافع إليه هو رغبة إيران المستمرة في توسيع الأطر المرجعية للمناقشة في سياق المفاوضات.

من ناحية أخرى، وبصفتها الداعم الرئيس و«الأفعل» لنظام الرئيس السوري بشار الأسد ووقوفها إلى جانبه بقوة، قال القائد العام للحرس الثوري الإيراني الجنرال محمد علي جعفري يوم السبت الماضي: «الغرب فشل في التدخل في سوريا، لأنه يعلم أننا نقدم دعما ماديا وعلميا ومعنويا لسوريا، بمعنى أنه خاف من إيران».

الإيرانيون رفضوا الشروط المتفق عليها دوليا، التي طلب الأميركيون من إيران القبول بها بوصفها أساسا لمشاركتها في مؤتمر «جنيف 2»، وتهدف إلى إيجاد حل سياسي للأزمة. تنطوي هذه الشروط على قبول الدعوة إلى تشكيل حكومة انتقالية في دمشق، وهذا ما تعارضه طهران بشدة، لأنه بالنسبة إلى قاسم سليماني قائد قوات «القدس»، بشار الأسد خط أحمر إيراني.

إن نهج إيران بالنسبة إلى سوريا، دليل آخر على التناقضات بين المواقف التي تعتمدها القيادة الإيرانية. وعلى الرغم من احتمال رفض إيران شحن مواد التخصيب إلى خارج البلاد، فإنه كانت هناك بعض التنويهات بأنها ستقدم مجموعة من المقترحات الجدية مثل التوقف على نسبة 20% من التخصيب، والسماح من دون قيود لعمليات تفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتفكيك منشأة التخصيب المحصنة بالقرب من مدينة قم. لكن حتى تفكيك هذه المنشأة عاد الإيرانيون وتجاهلوه. لذلك من الصعب أن نرى ما سوف يقدمونه على أنه برنامج ملموس لا يمكن العودة عنه بسهولة، إذ كثيرا ما غيرت إيران موقفها من عمليات التفتيش واعتمدت مواقف متقطعة بالنسبة للتخصيب.

في هذه المرحلة يحاول الإيرانيون وقبل كل شيء بناء الثقة؛ ليس بوصفها مقدمة لتحول جذري، والتوجه إلى مشروع للطاقة المدنية حقا، بل بصفتها غاية في حد ذاتها. والفكرة إقناع العالم - من دون إجراء أي تغيير في البرنامج النووي - بأن لديهم نوايا سليمة، وبالتالي ليس هناك ما يدعو إلى القلق، ولهذا لا يوجد سبب لمواصلة فرض العقوبات الاقتصادية ضدهم.. حتى إذا أمكن التوصل إلى بعض الإجراءات لبناء الثقة تؤدي إلى اتفاق من نوع ما في المستقبل القريب (روحاني تحدث بحماسة عن فترة تتراوح بين 3 و6 أشهر). الخطر أن مثل هذا الاتفاق لا يمكن أن يكون شاملا. وسيصبح الخطر النووي الإيراني أكثر حدة خارج دائرة الضوء خلال المحادثات الدبلوماسية.

أيا كان ما سيحدث، فإن المشاهد «المبتهجة» التي رأيناها في نيويورك، قد تنتقل أو لا تنتقل هذا الأسبوع إلى جنيف. هدف إيران التوصل إلى اتفاق محدود أو مؤقت يتطلب منها الحد الأدنى من التنازلات مقابل تحول كبير من قبل القوى الغربية بالنسبة لتخفيف العقوبات، ولا شيء أكثر من ذلك. وبعد ذلك ستستمر إيران في اللعبة نفسها التي جربتها واختبرتها بنجاح مع القوى الدولية لسنوات عديدة، مركزة جهودها على تقسيم مواقف هذه الدول ومنعها من اتخاذ موقف موحد ضدها.

لن ترفض إيران التعاون في المفاوضات، إنما من أجل اللعب على الوقت حتى وصولها إلى عتبة تصنيع الأسلحة النووية، التي تسعى فعلا للوصول إليها. الغريب، أن العنصر الثابت في السياسة الإيرانية في الوقت الحاضر هو الرسائل والإشارات المختلطة والمتناقضة التي تصدر من طهران. إنها تسلط الضوء على استراتيجية محفوفة بالمخاطر، إذا تحققت فقد تكون كارثة على الشرق الأوسط وتصبح كابوسا يهدد الأمن العالمي. ليس معروفا كم سيكلف العالم هذا الاتصال الهاتفي الذي شعر بعده الرئيس أوباما بأنه حقق إنجازا تاريخيا عجز عنه خمسة رؤساء أميركيين سبقوه!


 

في أخبار