GMT 0:04 2013 الجمعة 22 نوفمبر GMT 1:58 2013 الجمعة 22 نوفمبر  :آخر تحديث

القاعدة في لبنان

الرأي الكويتية

جاسم بودي 

 هل يغير الانفجار الانتحاري الإرهابي الذي ضرب السفارة الإيرانية في بيروت حسابات كل الأطراف المتورطة حاليا في لبنان؟ أم أن هذه الأطراف تعتقد أنها في منأى عما تحاول تصديره إلى هناك؟ أو أن لهيب لبنان «المحترق» (لا سمح الله) سينحصر داخل حدوده؟ والأهم من ذلك كله، لماذا تصر دول قريبة وبعيدة على تدمير شيء جميل اسمه لبنان وكأن جماله يؤذيها فعلا كما قال الرائع الراحل نزار قباني؟
قد تكون الاسئلة السابقة عبارة عن سؤال واحد عمليا. قد تكون بعض الدول مسؤولة بشكل كامل عن الاجابات، أو بشكل جزئي، وحتما حتما يتحمل بعض اللبنانيين مسؤولية ما يحصل كي لا يصبح «التدخل الخارجي» شماعة يعلقون عليها كل أخطائهم، خصوصا أولئك الذين يعتبرون بلدهم ممرا لا مستقرا، أو الذين رهنوا قرارهم لهذا الطرف الإقليمي أو ذاك، أو الذين فتحوا كل خطبهم التعبوية ووسائل إعلامهم لتكريس العنصر المذهبي أساسا لكل الصراعات التي تدور في المنطقة... ومع ذلك لا يمكنني إلا أن انظُر إلى الوضع الداخلي اللبناني اليوم إلا بعيون العامل الخارجي.


أختصر بالحادثة التالية. قبل سنوات جمعني لقاء صدفة بمجموعة سياسية لبنانية من مختلف الطوائف وبينهم رؤساء سابقون ومسؤولون كبار. دار الحديث بداية عن الكويت وكيف أن المحتل العراقي في 1990 لم يجد كويتيا واحدا يتعامل معه (بالمعنى السياسي والقانوني والأخلاقي) فقلت إن النظام السياسي الكويتي بعلاقاته المتفردة بين الحاكم والمحكوم ووجود ثروة وإدارة جيدة نوعا ما لإدارتها والمستوى المعيشي والوشائج الاجتماعية والطبيعة الهادئة للكويتيين ومستويات الأمن والاستقرار ومعدلات التطور المالي والاقتصادي كلها عوامل لم تسمح بانقسامات حادة سياسيا وطائفيا سمحت بفتح الباب للخارج كي يحتل مكانا في الداخل رغم ان الأوضاع السياسية الداخلية لم تكن في أفضل حالاتها.


بدأ السياسيون اللبنانيون حديثهم من النقطة الكويتية أيضا فقالوا إن لبنان بعكس الكويت، حيث جرى تضخيم الخلافات الداخلية فيه حتى وصلت كل مجموعة سياسية وطائفية (أو تم ايصالها) إلى قناعة بأن الدولة ليست لها وأن حقوقها يمكن أن تتحصل من خارج الدولة، وأن وجودها داخل لبنان مهدد من الطرف الآخر وأن استجداء الحماية آنذاك من الفلسطيني أو الإسرائيلي أو السوري أو العربي أو الأميركي هو الأمر الوحيد الذي يضمن بقاءها... وصار لبنان ساحة لحروب الآخرين بواسطة اللبنانيين أو مباشرة. ثم طرح هؤلاء سؤالا مهما: هل كان مطلب تخلي رئيس الجمهورية عن صلاحية أو اثنتين لرئيس الحكومة، ومطلب منح البرلمان ورئيسه سلطات أكثر، ومطلب توزيع المناصب العليا بشكل أكثر توازنا وعدلا يستحق حربا لمدة 17 سنة وأكثر من مئة ألف قتيل ومئتي ألف جريح وآلاف المفقودين والمعاقين وتدميرا للبنى ما زالت آثاره قائمة حتى الآن؟
طبعا لا يحتاج المرء إلى عناء كبير ليدرك أن المطالب الإصلاحية لا تنتج حربا أهلية طاحنة انتهت بتدوير بعض المناصب والوظائف والصلاحيات. بل إن حروب الآخرين على أرض لبنان كفيلة بتغذية كل شيء، من النعرات الطائفية مرورا بالاشتباكات والسيارات المفخخة وأخيرا وليس آخرا انتحاريي «القاعدة» المفخخين. تغيرت طبيعة الخلاف السياسي في لبنان ولم تتغير مسيرة السقوط إلى الهاوية. تغيرت أيديولوجيات حرب 1975 لمصلحة أيديولوجيات أخطر أو بالأحرى لمصلحة عصبيات أبشع لها امتدادات إقليمية واسعة تساهم في صب الزيت على نار الانقسامات الطائفية والمذهبية القاتلة.
الصورة الحقيقية في لبنان اليوم هي التالية. مطالب سياسية شكلية لمختلف الأطراف تتعلق بالنفوذ والسلطة، واندماج فعلي حقيقي في صراعات المنطقة ومشاريعها الاقليمية. كل الأطراف ، بنسبة أو بأخرى، متورطة عمليا في الخريطة التي ترسمها قوى إقليمية كبرى ومستعدة لتنفيذ «أوامر عمليات» هذه القوى في صراعها مع «الشيطان الأكبر» أو تقاربها مع الشيطان نفسه. هذا هو الواقع أما التفاصيل فكثيرة بدءا من المحاولات الدائمة للسيطرة على مواقع النفوذ في لبنان نفسه، مرورا بالمشاركة في محاربة المشروع الأميركي في المنطقة بعد حرب العراق أو تأييد هذا المشروع، وبالمشاركة في دعم الثورة ضد النظام السوري أو إرسال قوات للمحاربة مع النظام السوري، وانتهاء بدخول «القاعدة» إلى لبنان سواء من خلال الاستدراج أو بدعم خارجي أيضا وتحت مظلة طائفية.
عندما اندلعت حرب 1975 في لبنان أطلق الرئيس المصري الراحل أنور السادات شعاره الشهير: «ارفعوا أياديكم عن لبنان»، وبما ان أحدا لم يرفع يده بل اتسع نطاق التدخل واصبح خطرا جدا ويهدد بالانتشار إلى مختلف الدول التي تلعب بالورقة الطائفية، ندعو هنا الى شعار آخر هو «ضعوا أياديكم في لبنان»، ونقصد هنا أيادي الخير طبعا لأن هذا البلد الجميل بطبيعته وبرسالته وتعدده وغناه الحضاري ضرورة للعرب قبل غيرهم فعدوى التطرف والتعصب باتت تنتشر اليوم في شوارعنا الخليجية أيضا، ومواجهة المشاريع المذهبية للآخرين في المنطقة لا يكون بتشجيع المشاريع المذهبية المقابلة لاننا سنخسر قبل غيرنا، بل يكون بمد أيادي الخير والوسطية والاعتدال إلى لبنان لمساعدته على النأي بنفسه ما أمكن عن حريق المنطقة ولهيبها ومشاريعها.


لنكن صريحين أكثر، إذا كانت أطراف إقليمية ترى أن التدخل الإيراني في سورية ولبنان يقوي طرفا على آخر ويغذي النعرات المذهبية ويعتبر تجاوزا على السيادة اللبنانية، فإن الرد الحقيقي يكون بتقوية خطوط الاعتدال داخل الطوائف كلها وتحديدا داخل الطائفة الشيعية الكريمة، أما عكس ذلك فيحقق مآرب الآخرين ويدخلنا في لعبتهم التي لا تشبهنا ولا نريدها أن تشبهنا. وليتذكر أصحاب الذاكرة القصيرة أن سياسات ما سمي بـ«العزل» لبعض المجموعات اللبنانية في بداية الحرب الاهلية أدت إلى لجوء هذه المجموعات إلى خيارات «انتحارية» في السلوكيات والعلاقات. العزل هو ما يريده المشروع الكبير للمنطقة تمهيدا للفرز والتقسيم.
القاعدة اللبنانية القائمة على التعدد والتحضر والتسامح والديموقراطية وتقبل الآخر. القاعدة اللبنانية القائمة على الموهبة الفردية والنجاح والتألق الدولي واحتلال مقاعد وثيرة في عوالم المال والفن والثقافة. القاعدة اللبنانية القائمة على التجدد واستثمار الطاقات الشابة والتفاعل الايجابي مع أحدث ما ينتجه العالم وأهم ما ينتجه العالم... هذه القاعدة هي التي يفترض أن ندعمها ونحصنها ونشجعها لأنها الدرع الواقية من ممارسات «القاعدة» وغيرها من أحزاب وتيارات ترفع الرايات الطائفية والمذهبية فوق العلم اللبناني.
لبنان المستقر المتطور المتقدم. لبنان العمران والفكر والحريات والثقافة والتعددية. لبنان الجميل ضرورة لاستقرار العرب بمن فيهم أهل الخليج، ولبنان التوتر والفتن المذهبية المتنقلة والحروب بالواسطة خطر على استقرار العرب بما فيهم دول الخليج. نريد لبنان قاعدة للتوسع في المنطقة ولا نريد لـ«قاعدة» المنطقة أن تتوسع في لبنان... ومن لبنان.


 

في أخبار