GMT 0:05 2013 الإثنين 9 ديسمبر GMT 5:38 2013 الإثنين 9 ديسمبر  :آخر تحديث

مانديلا: "الأسود" الذي نشر البياض

الإتحاد الاماراتية

عبدالله بن بجاد العتيبي

  الإنسان بذاته، بقدراته وإمكاناته، بخياراته وقراراته، ليس للونه ولا عرقه ولا جنسه أي دورٍ في حقوقه أو واجباته، في بروزه أو ضعته، وإنما هي كفاءته ومقدرته على التعلم والتدرب ومن ثم على التغيير والتطوير، ونيلسون مانديلا يقف شامخاً بتاريخه ونضاله وحياته ورمزيته العالمية شاهداً ودليلاً. وليس أجمل من كلمة لمانديلا نفسه يقول فيها: "ولكنني فطنت بسرعة إلى ضرورة أن أشقّ طريقي بناء على ما أملك من قدرات وليس بحكم نسبي أو عرقي".

عظمة مانديلا ليست في أنه دخل السجن لمدة طويلة، فكثيرون في التاريخ القديم والحديث سجنوا مثله وأطول منه وخرج بعضهم خامل الذكر، وتحول بعضهم- وهو الأنكى- لمجرمٍ لم يتعلم من السجن سوى بشاعة الانتقام ودمويته، بل هي عظمة تتجلى في مجمل تجربته، وتبرز أكثر في رؤيته الإنسانية بعد خروجه من السجن وحرصه وإصراره على رفض أي مظاهر انتقام أو كراهية كما في تصرفه كرجل دولة يبحث عن الاستقرار والمستقبل، كما قدرته على أن يتجاوز ببلاده كل عناصر التخلف الضاربة الجذور واستلال إحن الماضي القريب.

لم يهتف يوماً بشعار "إتمام الثورة" ذلك الشعار الغريب والمفهوم الخطير الذي غرقت فيه أمم وشعوب ودول، وسقط ضحيته أفراد كثر من قبل ومن بعد، من الثورة الفرنسية وصولاً لانتفاضات الجمهوريات العربية قبل ثلاثة أعوامٍ. لقد كان مانديلا خائفاً، ولكن ليس من خصومه بل من محبيه وأتباعه، وكان منصفاً ومتسامحاً مع كل رموز نظام "الأبارتايد"، الذين آذوه وآذوا بلاده وشعبه بنظامهم العنصري المقيت، لوعيه العميق بأن استقرار الفوضى هو أفظع ما قد يحيق ببلاده، فقد كان خائفاً من الفوضى أن تستقر في بلاده، وقد كان كل شيء مهيأً لها لتنتشر في طول البلاد وعرضها، ولكنّه بكل حكمة وأناةٍ أصرّ على رؤيته مع بداية ظهور بوادر تلك الفوضى، لقد أصرّ على مستقبل وطنٍ يجمع كل الأعراق والثقافات ورفض بإصرار أن يتمّ إيذاء البيض من مواطني جنوب أفريقيا، وهو كان يرى بوضوح مصير الدول الأفريقية التي اختارت محاربة البيض واضطهدتهم وطردتهم بعد الاستقلال كيف آلت بها الأحوال إلى تخلف وصراعات لا تنتهي.

زعيمان كانت لديهما ذات الرؤية فيما يتعلق بطبيعة العلاقة مع الاستعمار بعد رحيله، أولهما تاريخياً هو المهاتما غاندي حين قال إنه يريد الإنجليز أن يخرجوا من بلاده، ولكن ليس كأعداء بل كأصدقاء، والثاني هو الشيخ زايد حين اتفق مع الإنجليز على الرحيل مع التأكيد على بقاء بعضهم ضمن معاهداتٍ تضمن تقديم المساعدة لتطوير البلاد، لقد كانت رؤية الزعماء الثلاثة بعيدةً وصائبةً وحصدت النجاح.

كعادة العظماء قاد مانديلا بنفسه دعوته لشعبه للمسامحة والمصالحة، وسامح والتقى بكثيرٍ ممن أساؤوا إليه وسجنوه وحاربوه، وأكد لشعبه أن "الشعب الشجاع لا يخشى المسامحة، من أجل السلام".

ولضمان استقرار الدولة، وكبرنامجٍ عمليٍ لرؤيته في أن التسامح شرط رئيس في أي تنمية مستقبلية تحتاجها البلاد، فقد أطلق مانديلا "لجنة الحقيقة والمصالحة"، بحيث يلتقي الجلاّدون والضحايا في مكان واحد، ويتحدثون لبعضهم عن التعذيب والسجون والإذلال بكل صراحة، ثم يتصالحون وهي تجربة رائدة استفادت منها دول أخرى على رأسها المملكة المغربية، حين أطلق الملك محمد السادس تجربةً مماثلةً كانت فاتحة عهده، وقد آتت ذات الأكل الطيبة وأدت لنفس النتائج.

لم يكن مانديلا في مسيرته الطويلة يتبنى ذات الرؤية التي انتهى إليها بعد انتصاره، بل لقد مرّ بشكلٍ طبيعي بمراحل متعددةٍ تفاوتت اهتماماتها واختلفت مجالاتها، وأحسب أن من الخطأ اعتبار سجنه أو طول مدة سجنه هي قيمته الأصلية، لقد كانت عظمة رؤيته بعد السجن أكبر، وحينما أصبح رئيساً منتخباً أثبت بقراراته وبرامجه الداخلية والخارجية وعلاقاته ووساطاته نفسه كقائدٍ محنكٍ، وحين خرج من الرئاسة وأخذ يجول العالم محاضراً وناصحاً وصل مرحلة العظمة. واحدة من مشكلات انتفاضات جمهوريات العالم العربي أنها لا تملك أحداً يشبه مانديلا لا في رؤيته ولا في قدرته على تحمل مرارات القيادة، ودفع تكاليف المواقف والقرارات التي لا ترضي عامة الناس، فحين كان مانديلا صريحاً وصارماً في مواجهة بعض الساخطين من شعبه وتحمّل كل الشتائم والتشكيك والاتهام، فإن غالب النخب السياسية العربية في تلك الجمهوريات، كانت أجبن من مواجهة الجماهير، بل إنها وعلى العكس كانت تصوغ مواقفها على ما يرضي تلك الجماهير، وحين تتحول الجماهير قائداً والنخب مقودةً تنتهي الدول.

واحدة من غرائب تيارات الإسلام السياسي في العالم العربي بجماعاته ورموزه وناشطيه وحقوقييه أن يحتفوا بشخصٍ مثل مانديلا هم على النقيض منه، فهم يؤمنون بحرية تختلف عن حريته، فحريتهم هي التي توصلهم للحكم وليست التي تخرجهم منه، وحريتهم هي لهم وحدهم دون خصومهم، وتصرفهم بعد الاستيلاء على السلطة يقف على النقيض من تصرفه، فهو سعى لاحتواء الجميع في الدولة، وهم أرادوا الاستحواذ على الدولة لهم وحدهم، وهو كان متسامحاً. وهم كانوا متعصبين. وهو فتح مؤسسات الدولة لخصومه السابقين من البيض، وهم غدروا بكل من تحالف معهم أو ساعدهم، وهو رفض العنف وشعاراته وأيديولوجياته، وهم تبنوا العنف وشعاراته وأيديولوجياته. وفي النهاية لا شيء يجمع بينهم وبينه إلا الادعاء المحض لأجل توظيفه كترسٍ في عجلة حملاتهم الدعائية.

ككل العظماء، كان مانديلا قادراً على أخذ الحكمة من بيئته التي نشأ فيها من مجلس السلطان في المنطقة التي نشأ فيها ومن محامٍ زميلٍ لا يحمل شهادةً علميةً اسمه (غور) ففي الأول يقول: "ولا زلت أذكر الحكمة التي كان يرددها السلطان من أن القائد كالراعي يسير وراء القطيع، فيدع أكثرها رشاقة يتقدم وبقية القطيع تتبع دون أن تدرك أنها توجّه من الخلف"، وفي الثاني يقول: "تعلمت من غور أن نيل الشهادة في حد ذاته ليس ضماناً لنيل الزعامة والقيادة، وأن الشهادة لا تعني شيئاً ما لم يثبت المرء جدارته وقدرته بين الناس وفي وسط المجتمع".

أخيراً، ففي 15 ديسمبر 2013 ستكون جنازة مانديلا جنازةً عالميةً وثقافيةً وشعبيةً لا دولية فحسب، وسيحزن العالم على رحيل رمزٍ للتسامح ورجل دولة كان وسيظل أنموذجاً للحكمة والواقعية.

 

في أخبار