GMT 0:05 2015 الإثنين 17 أغسطس GMT 9:06 2015 الثلائاء 18 أغسطس  :آخر تحديث

«ربيع» العراقيين يهزم نظام المحاصصة و... التقسيم؟

الحياة اللندنية

جورج سمعان

إنها الفرصة الأخيرة أمام العراقيين. التظاهرات الشعبية فتحت باب التغيير الجدي. زخم الشارع وضغوطه وفّرت لرئيس الوزراء سلاحاً لم توفره له المؤسسات، لا السياسية ولا العسكرية ولا الإدارية. ووقوف المرجعية في النجف وراء موجة الاحتجاج قدم سلاحاً إضافياً وحاسماً. المهم عدم التراخي أو التلكؤ في تنفيذ الإصلاحات. مراكز القوى متجذرة في مواقع كثيرة. تكاد تكون وحدها عماد النظام القائم. والأهم والأخطر أن لها شارعها وميليشياتها المسلحة أيضاً. ولها مرجعيتها في الداخل والخارج. ولا يمكنها أن ترضخ أو تقدم رأسها بلا مقاومة. وقد أطل بعضها قبل يومين في ساحة التحرير بسلاحه وشعاراته الدينية ومحاولة التشويش الأمني على المتظاهرين. والذين لم يجرأوا على مقاومة إجراءات الحكومة وقرارات مجلس النواب بدأ بعضهم يطل برأسه للحديث عن دستورية هذه الإجراءات. ذلك أن إلغاء مناصب نواب الرئيس يستدعي تعديلاً دستورياً، وأن هذا الأمر يتطلب استفتاء شعبياً، ومثل هذا الأمر لا يبدو متعذراً بل مستحيلاً في هذه الظروف. يكفي أن «الدولة الإسلامية» تسيطر على محافظات سنية بأكملها، فضلاً عن أعداد اللاجئين إلى كردستان أو مناطق أخرى داخل البلاد وخارجها.

 

لكن بقاء نواب الرؤساء في مواقعهم أو خروجهم منها ليس هو العنوان. الجوهري في الإصلاحات هو مضمون الشعارات التي رفعها الشارع: توفير الخدمات ومحاربة الفساد ومحاكمة بعض كبار المسؤولين من الطبقة السياسية التي حكمت البلاد منذ عام 2003 إلى اليوم. وإقامة دولة المواطنة والدولة المدنية بعدما فشلت الدولة الدينية بأحزابها وقواها المختلفة. وإصلاح القضاء والمؤسسات الأمنية وأجهزة الاستخبارات لوقف التفجيرات، على حد ما نادى الشيخ عبد المهدي الكربلائي، ممثل المرجع الأعلى السيد علي السيستاني. التعجيل في تطبيق هذه الإصلاحات كفيل بنقل النظام القائم على المحاصصة إلى نظام ديموقراطي يحل الكفاءة مكان الطائفة والمذهب والعرق والقوة الحزبية والمحسوبية والارتهان لقوى خارجية تناصر فئة على أخرى.

 

التفاؤل بتغيير جذري في العراق يظل مقروناً بموجة واسعة من الحذر، والخوف من الفشل. القوى السياسية التي ماشت حزمة الإصلاحات وعيونها على غضب الشارع، هي نفسها موجودة في مواقع مؤثرة. كفتها راجحة في البرلمان. ولها شارعها أيضاً وميليشياتها وسلاحها ومراكز هيمنتها في المؤسسات والإدارات عموماً. ولها مرجعيتها. معظم الميليشيات التي تؤلف «الحشد الشعبي» وجهتها الدينية ولاية الفقيه في إيران وليس في النجف. وهذه لن تستسلم أو تقف على الحياد أمام دعوات تنادي بتجريدها من السلاح وحلها. صحيح أن السيستاني هو من نادى بفتوى «جهاد الكفاية» لمواجهة «داعش»، لكنه طالب بأن ينخرط المتطوعون في المنظومة العسكرية الرسمية وتحت عباءتها لئلا ينفردوا ببناء قوة رديفة كما هو حاصل اليوم. لذلك، يناديهم النجف بعدم التدخل في السياسة وعدم التدخل في التظاهرات والانصراف إلى قتال «الدولة الإسلامية». كما أن السيد مقتدى الصدر دعا إلى ضربهم، وهدد بتظاهرات مليونية لمواجهتهم، بعد مشاركة بعضهم في ساحة التحرير بسلاحه!

 

لا يخفى أن هذا الحراك الشعبي الذي تهيمن على واجهته القوى الشيعية يخفي صراعاً بين هذه القوى المؤتلفة في التحالف الوطني. ثمة حسابات ستصفى في الطريق إلى الإصلاحات. لكن المحرك الأساس الذي دفع الناس إلى الشارع هو القضايا المطلبية الخاصة بالخدمات. وهي نفسها التي حركت الشارع مطلع عام 2011، لكن سطوة رئيس الوزراء نوري المالكي يومذاك قمعت الحراك في مهده. ولم تعوزه الذرائع، كان كافياً اتهام المتظاهرين بأنهم من فلول البعث والنظام السابق. مثلما فعل بحراك المحافظات السنّية وساحات الأنبار حيث ضرب الناس بالحديد والنار تحت شعار مواجهة الإرهاب و «القاعدة». ما يخشاه المتفائلون بالتغيير أن يأتلف المتضررون من الإصلاحات، وهم لا يقتصرون على المكون الشيعي. موجودون في كل المكونات، حتى داخل المؤسستين الدينيتين الرسميتين. رئيس الوزراء نفسه حذر من أن «هناك أحزاباً عرقلت الإصلاحات وأخرى أيدتها». لكن الاعتماد اليوم يظل على الجمهور الشيعي. فأهل السنّة يرزحون تحت نير «داعش» وليست هناك قيادة أو زعامة راجحة يمكنها أن تختصر كل أصواتهم وقواهم المختلفة. علماً أن رئيس البرلمان كان أول المرحبين بقرارات الحكومة. كما أن الكرد منهمكون بتصفية خلافاتهم السياسية التي أنعشها قرب نهاية ولاية رئيس الإقليم مسعود بارزاني، فضلاً عن انشغالهم أيضاً بالحرب على «دولة البغدادي»، والوضع المتفجر بين تركيا وحزب العمال الكردستاني وما يواجهه الأكراد السوريون...

 

إذا تحقق الإصلاح الحقيقي ينفي الكثير من تظلم أهل السنّة. فإلغاء المحاصصة - وهو منطلق الإصلاح كما قال العبادي - واعتماد الكفاءة في إشغال المناصب من الحكومة إلى باقي الإدارات الرسمية والعسكرية والأمنية، يطويان صفحة التشكي من الإبعاد والتهميش والتفرد بالقرارات. وإصلاح القضاء الذي اتهم بمحاباة الحكومة السابقة ورئيسها وبتنفيذ رغباتهما، يعيد إلى هذه السلطة استقلالها، ويبعدها عن سيل الاتهامات بشراكتها في اضطهاد مكونات لحساب أخرى. لعل العقبة الكبرى هي في سوق المفسدين أمام العدالة. لن يكون سهلاً رفع الحصانة النيابية عن نواب ووزراء ورؤوس كبيرة أعضاء في البرلمان الذي يتشكل من كتل هؤلاء المتهمين بالفساد. ولا يحتاج بعضهم إلى حماية خارجية لرفع سيف العدالة عنهم. يتمتعون بهامش كبير للمقاومة وحتى تهديد التوجه الحكومي وعرقلة الإصلاحات... إلا إذا لعبت التسويات دورها ودُفع برؤوس وموظفين ليكونوا ضحايا بديلة من كبار المتهمين.

 

المتفائلون بإمكان سقوط صيغة النظام السابق وتقاسم البلاد والعباد، يستندون إلى تجربة العام الماضي عندما أُزيح المالكي عن سدة رئاسة الحكومة. فعلى رغم كتلته الكبيرة في البرلمان والدعم الذي تلقاه من طهران، لم يستطع مقاومة رغبة القوى الشيعية الأخرى وعلى رأسها المرجعية في النجف، فضلاً عن رغبة الأميركيين الذين اشترطوا لمواجهة «داعش» تغيير السلطة في بغداد. والأميركيون اليوم يرحبون بخطوات العبادي، ولكن عليهم ألا يغالوا في التفاؤل وفي قدرته على تمرير كل إصلاحاته. يجب ألا تسقط من الحساب قوة الآخرين والتأثيرات الإقليمية والدولية. إيران المعنية الأولى بما يجري قد لا تكون راغبة أو هي ليست قادرة علناً على الأقل، على مواجهة هذه الموجة. لا ترغب بالتأكيد في ضرب مراكز القوى التي تعتمد عليها في إدارة العراق. لكنها من جهة أخرى لا يمكنها الوقوف في وجه ما تراه غالبية الشيعة ومرجعيتهم في النجف مصلحة وطنية في إعادة تصويب النظام وإسقاط صيغته السابقة، فضلاً عن أن ثمة صراعاً سياسياً داخل الجمهورية الإسلامية على وقع تداعيات الاتفاق النووي وكثير من القضايا الإقليمية. ولا شك في أن أطرافاً في طهران ترغب في رؤية عراق مستقر ما دام أن كلمتها تظل مسموعة لدى مختلف القوى الشيعية ولا خوف تالياً على مصالحها في هذا البلد. كما أن ظروف مواجهة «داعش» والحركات الجهادية تعزز هذه الرغبة. وسبق لها أن تخلت عن المالكي اقتناعاً أو استجابة للضغوط. ولا مصلحة لها في بقاء جارها كرة ملتهبة بين يديها.

 

هل ينجح «ربيع» العراق في تفادي المنزلقات التي انتهى إليها الربيع في ربوع عربية أخرى؟ العراقيون أمام مفترق مصيري. أثبت نظام المحاصصة أنه الوجه الآخر لتسلط فئة أو مكون على شركائه في الوطن استقواءً بغلبة الديموغرافيا أو بغلبة السلاح. هذه حال لبنان وحال العراق اليوم، وحتى اليمن إلى ما قبل «عاصفة الحزم». إسقاط المحاصصة إسقاط لحروب أهلية لا نهاية لها إلا بالتقسيم. أن يرى رئيس هيئة أركان الجيوش الأميركية الجنرال رايموند أوديرنو تقسيم العراق حلاً لإنهاء الصراع بين الشيعة والسنّة ليس دعوة جديدة. هذا المشروع تداولته وما زالت دوائر أميركية وغربية كثيرة. نادى به من زمن وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسينجر. وقد لا يكفي العراقيين إسقاط النظام القائم منذ 2003. يجب رفع الأيدي الخارجية التي تتصارع في الإقليم ويسعى بعضها إلى حشد القوى لمحاربة «دولة الخلافة». فلا يكفي هؤلاء أن يلقوا المسؤولية على أهل العراق وأهل سورية بدعوتهم إلى توحيد صفوفهم لمواجهة الإرهاب. مواجهة هذا الوحش تبدأ برفع أيديهم مثلما تبدأ بالسعي إلى الدولة المدنية وترسيخ مبدأ المواطنة بدل المذهب والعرق. أليس لأهل السنّة مصلحة في دفن المحاصصة وإزاحة «داعش» وضرب «دويلات الإرهاب»؟ أليس للكرد مثلما لشركائهم في الوطن مصلحة مماثلة، ومصلحة إضافية في الخروج من وطأة الصراعات الإقليمية على إقليمهم؟ هل يفرض العراقيون إرادتهم وينجح «ربيعهم» في السباق مع المتضررين في الداخل والخارج من أصحاب مشاريع التقسيم والحروب الأهلية؟
 


في أخبار