صدقة يحيى فاضل

يمكن القول إن: «أهداف» السياسة الأمريكية نحو المنطقة العربية ظلت شبه ثابتة منذ بدء تفعيل هذه السياسة عام 1945م. أما «الوسائل»، التي تتبعها أمريكا لتحقيق هذه الأهداف، فهي تتغير من فترة لأخرى. والأهداف الأمريكية الحالية – بمضمونها المتطرف – تتعارض مع كثير من الأهداف العليا للأمة العربية والإسلامية... ويمكن إدراك هذه الحقيقة فور القيام بتحليل موضوعي سليم لمضامين هذه الأهداف. أما «الوسائل» فأغلبها سلبي الأثر بالنسبة للعرب، خاصة منذ زوال الاتحاد السوفييتي عام 1991م. ومعروف أن صداقة حقيقية، وتعاونا إيجابيا، بين الأمة العربية وأمريكا لن ينشأ، إلا إذا عدلت تلك الأهداف والوسائل... بما يضمن تحقيقها للمصالح المشتركة للأمتين العربية والأمريكية معا.

***

وهناك «مداخل» مبسطة، تساعد على فهم «السياسة»... والسياسة الخارجية لأي دولة بصفة خاصة. ومن ضمن هذه المداخل اعتماد تعريف «السياسة الخارجية» (لأي دولة) بأنها: الأهداف التي تسعى تلك الدولة لتحقيقها خارج حدودها – أو تجاه جزء أجنبي معين من العالم – و«الوسائل» (الإستراتيجية) التي تتبعها... لتحقيق تلك الأهداف.

لذا، فعندما نحاول معرفة السياسة الخارجية لدولة ما معينة تجاه جهة، أو منطقة، خارج حدودها، فإنه يمكن تلمس «الأهداف» المبتغاة، و«الوسائل» المتبعة، للوصول إليها. ومجموع ذلك هو: سياسة تلك الدولة نحو الجهة المعنية. وكثيراً ما يكون هناك تداخل بين الأهداف والوسائل... مما يجعل من الصعب أحياناً التمييز بين الغاية والوسيلة. وسنتبع هذا المدخل المبسط لمعرفة أهم ملامح السياسة الأمريكية الحالية نحو العالم العربي بصفة عامة، ومنطقة الخليج بصفة خاصة.

***

هناك، ولا شك، عدة أهداف رئيسية لهذه السياسة الأمريكية. وقد قام عدة كتاب أمريكيين وغيرهم، بمحاولة تصنيف وترتيب أهم هذه الأهداف، بحسب الأولوية والأهمية التنازلية، في نظر معظم الساسة الأمريكيين، لتصبح كما يلي:

- الهدف الأول: ضمان وصول النفط العربي إلى الولايات المتحدة بخاصة، وحلفائها الغربيين بصفة عامة، بأقل تكلفة ممكنة.

* أهم وسائل تحقيقه: محاولة التقليل من أهمية النفط العربي، وتقليص دوره، بالنسبة للغرب. وذلك للحيلولة دون أن يصبح العالم العربي المورد الوحيد للطاقة، التي يحتاجها الغرب، لما في ذلك من «خطورة» على المصالح الغربية – كما يقولون. فالولايات المتحدة وحلفاؤها تسعى دائماً نحو تنويع مصادر النفط، والبحث عن مصادر أخرى للنفط وبخاصة ما يعرف بالنفط الصخري، ورفع المخزون الإستراتيجي،... إلخ. إضافة إلى التلويح أحيانا باستخدام القوة المسلحة، إذا تعرضت «المصالح» الأمريكية لـ «الخطر»، أو أوقفت إمدادات النفط.

***

– الهدف الثاني: ضمان علاقة سلمية وطيدة مع دول المنطقة، لتحقيق المصالح الأمريكية المتنوعة بها.

– الهدف الثالث: إبعاد المناوئين للغرب عن المنطقة، ومحاولة تقليص أي نفوذ لهم بها، إلى أدنى حد ممكن.

– الهدف الرابع: مكافحة الإرهاب وما يسمونه بـ «التطرف الإسلامي».

* وتتبع أمريكا الوسائل التالية: لتحقيق الأهداف الثاني والثالث والرابع:

(1) إبعاد كل القوى المتطرفة والمعارضة للغرب عن المنطقة، وعن السلطة فيها.

(2) تأييد الدول الصديقة في مكافحتها للإرهاب والتطرف.

(3) استخدام كل الوسائل الممكنة، بما فيها القوة في محاربة الجماعات الإسلامية المتطرفة.

(4) اختلاق «أخطار» أحيانا لضمان استمرار الاعتماد على القوة الأمريكية، وتسليط الضوء على الأخطار المتوقعة على المنطقة، إلى حد المبالغة أحياناً.

5) التواجد السياسي والعسكري الأمريكي المكثف في المنطقة، وحولها. هذا إضافة للحشد العسكري الأمريكي بالمنطقة، من حين لآخر.

(6) محاولة تكوين تحالفات محلية موجهة ضد مناوئي الغرب، في إطار ما عرف سابقا بـ «الإجماع الإستراتيجي»، وغيره.

***

– الهدف الخامس: ضمان بقاء ورفاه وهيمنة «إسرائيل» وعدم المساس بها.

* الوسائل: لتحقيق الهدف الخامس هذا: تقوم الولايات المتحدة – كما هو معروف – بدعم إسرائيل مادياً ومعنوياً، دعماً كاملاً. وتقدم مصلحة إسرائيل على ما عداها (وحتى على المصالح الأمريكية أحيانا) في كثير من الحالات، ولو استلزم ذلك استخدام القوة الأمريكية ضد المناوئين لإسرائيل. بل إن الولايات المتحدة كثيرا ما تشن حروبا ساخنة وباردة نيابة عن إسرائيل.

ويلاحظ اتصاف هذه الأهداف والوسائل بخاصيتي الترغيب والترهيب، وتمحورها حول «النفط – الإسلام – إسرائيل». وهناك أهداف أخرى، دينية وثقافية واجتماعية...إلخ. ولكنها أقل أهمية من الأهداف الأهم المذكورة. وهذه الأهداف تعكس (ضمن ما تعكس) التناقض التقليدي المعروف في السياسة الأمريكية نحو المنطقة. من ذلك: أن الولايات المتحدة تلتزم بضمان بقاء وازدهار وسيطرة إسرائيل، وفي الوقت نفسه تسعى للاحتفاظ بعلاقات طيبة مع الشعوب العربية...؟!

ونترك للقارئ الكريم تحديد «مدى» نجاح هذه السياسة الأمريكية... آخذا في الاعتبار مدى «تحقق» كل هدف في أرض الواقع، والـ«تكلفة» المادية والمعنوية لما تحقق... علما بأن تكلفة تحقق الهدف السلبي (من وجهة النظر العربية) قد تكون (بالنسبة لأمريكا) باهظة في المدى الطويل.