GMT 0:00 2017 السبت 14 يناير GMT 1:43 2017 السبت 14 يناير  :آخر تحديث

عودة شريهان... مخاطرة منتظَرة!

الحياة اللندنية

 مايا الحاج 

غريب جداً أن يظلّ المشاهد وفيّاً لفنانٍ «غائب»، في زمنٍ لا شيء فيه ثابت على حاله. لكنّ المسألة هذه تغدو طبيعية في حالة أيقونة بحجم شريهان، الفنانة الجميلة التي حفرت مكانها في ذاكرة جيل امتدّ من مصر إلى آخر نقطة في العالم العربي.

توارت شريهان عن الأنظار نحو خمسة عشر عاماً. الجميع كان يتهامس عن سرّ مرضها. حياتها الجديدة بعيداً من الضوء. شكلها. وزنها الذي وصل إلى 36 كيلوغراماً. ابنتها لولوة. هل تشبهها؟ زوجها علاء الخواجة وضرّتها إسعاد يونس. هل صالحهما المرض؟... هكذا، ملأت شريهان الدنيا في غيابها كما ملأتها في حضورها، وشغلت الناس بحياتها الشخصية كما في أعمالها الفنية. لذا، فإنّ غيابها اتخذ معنى الحضور.

خلال سنوات الانكفاء، اكتفت «شيري»، كما يناديها زملاؤها في الوسط الفني، بمداخلة تلفزيونية مع عمرو أديب في برنامجه «القاهرة اليوم»، كشفت فيها عن ملابسات مرضها النادر الذي انتصرت عليه بأعجوبة. هي التي خاضت معركة سابقة مع الموت، إثر تعرضها لحادث سير أثار جدلاً كبيراً حينها، وكادت الكسور التي أصابت عمودها الفقري أن تُقعدها بقية حياتها على كرسي متحرّك، لولا أن كُتب لها الشفاء فعادت إلى جمهورها بأجمل استعراضاتها «فوازير حاجات ومحتاجات»، ثم مسرحيتها الأشهر «شارع محمد علي» مع فريد شوقي وهشام سليم.

وخلال «ثورة 25 يناير»، ظهرت شريهان فجأة في ميدان التحرير، وسط شبّان وشابات مصر. بدت مختلفة عن صورة «البنوتة» الجميلة التي التصقت بها طويلاً. خرجت بلا ماكياج، آثار العملية واضحة على خدها، شعرها الطويل معقود إلى الخلف، تهتف بصوت واحد مع الناس مُطالبةً بالتغيير. بدت كأنّها طلقت حياة النجومية التي عاشتها مذ كانت طفلة. وجميعنا يعرف أنها بدأت حياتها الفنية نجمة. فهي حين أرادت أن تُمثّل، أنتجت لها أمها مسلسلاً بعنوان «المعجزة» ثم فيلم «الخبز المرّ». وسمح لها وجودها بقرب أخيها، عازف الغيتار الأشهر عربياً عمر خورشيد، بمخالطة عظماء الفنّ. رقصت مرّة أمام عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش، وجلست على حجر أم كلثوم في إحدى بروفاتها مع خورشيد، فتشربت الموسيقى باكراً، ما ترك أثره لاحقاً في أعمالها. ومع أنها لم تكن تملك صوت المطربة، نجحت في استخدام صوت الممثل ودخل صوتها قلب المتفرّج الذي حفظ أغاني فوازيرها عن ظهر قلب، من «قلّك إيه قلّك آه» إلى «سوك عالموضوع»...

وخلال الأيام القليلة الماضية، عاد اسمها أخيراً ليحتلّ عناوين الصحف والمجلات. عودة شريهان إلى التلفزيون بعد عقدين من اعتزالها «القسري» شكلّت مفاجأة شغلت الرأي العام، واقعياً وافتراضياً. انقسم الناس بين مؤيد ومعارض. منهم من يريد لهذا الشوق أن ينتهي، ومنهم من يخشى أن تُعكّر هذه العودة صفو حنينه. ولعلّ كلمة حنين تأتي في سياقها الصحيح هنا، لأنّ شريهان وحدها، من دون كلّ نجمات جيلها، ارتبطت بزمنٍ معين، لا يخصّ المصريين فقط، بل يخصّنا جميعاً، إلى أي دولة عربية انتمينا. هكذا كانت فوازير شريهان التي عرضها التلفزيون المصري خلال أربع دورات (من عام 1985 حتى 1993) موعداً سنوياً لا يفوّته أحد. بل إنّ الإعادات كانت أيضاً تحظى بنسبة مشاهدة عالية جداً، فكأنّ التلفزيون في رمضان لا يكتمل من دونها.

أحدثت شريهان، التي اكتشفها استعراضياً المخرج الراحل فهمي عبد الحميد، ثورة تلفزيونية غير مسبوقة. ظهرت في الثمانينات، بعد زمن النكبات والهزائم والأحلام المجهضة، فشكلّت بجمالها الفرعوني الأصيل ودلعها الفطري وجسدها الرشيق، حلماً جديداً منح المشاهدين شيئاً من سعادةٍ مفقودة. صارت شهرزاد ينتظرها الناس، من موسم رمضاني إلى آخر، للاستماع إلى حكاياتها والاستمتاع برقصاتها. سافرت بالمشاهدين «حول العالم»، فأخرجتهم من هول الواقع إلى دهشة الخيال. هكذا استحالت شريهان، العشرينية الساحرة، ملهمة الشابات وفتاة أحلام الشباب.

دخلت عبر الشاشة الصغيرة كلّ بيت مصري وعربي، وغدت صورتها حاضرة في مخيلة محبيها من شبابٍ صاروا اليوم كهولاً وأطفالٍ باتوا شباباً. وعلى رغم أحداث عصيبة جعلت من حياة شريهان تراجيديا مؤلمة، ظلّ اسمها مرادفاً للفرح والبهجة.

وهي حين أطلّت أخيراً في حفلة أقامتها شركة «العدل غروب» للإعلان عن عودتها الرسمية إلى الفن عبر برنامج تلفزيوني استعراضي على شاشة «دي أم سي»، بدت جميلة وأنيقة كأنما الزمن والمرض لم يسرقا منها بريقها. ولكن هل اسمها يكفي كي يضمن نجاح التجربة؟ هل يمكن شريهان الخمسينية أن تجيد مهارات شريهان العشرينية؟ هل سيتقبّل المشاهد عودة الفنانة «اللهلوبة» بصورة المرأة الرصينة؟ كيف يمكن أن تشدّ انتباه الجيل الجديد بمتطلباته المختلفة؟ وهل تنجح في اختطاف أنظار الجمهور العربي كلّه عبر محطة مصرية خاصة في حين كانت تُعرض فوازيرها على التلفزيون المصري الرسمي، الأهمّ عربياً؟

لا شكّ أنّ قرار شريهان خطير. ولعلّ خطورته كامنة في حجم اسمها وبما حفرته طويلاً في ذاكرة المشاهد، هي التي قيل إنها حلّت أزمة المرور في مصر كلّما أطلّت على الشاشة.

وعلى قلّة ثقتنا بالمحطات التلفزيونية اليوم، تبقى ثقة المشاهدين كبيرة بفنانة لم تستغلّ يوماً حبّهم كي تفرض نفسها عليهم، بل ظلّت انتقائية في أعمالها حتى آخر لحظة. «لن أدخل في عمل يُطبخ سريعاً. الفترة التحضيرية يجب أن تتساوى عندي مع الفترة التنفيذية. أفضّل أن أبقى بعيدة على أن أخذل الناس». هكذا قالت شريهان مرّة. وهذا ما ينتظره الجمهور منها. أمّا الجواب فيُحسم بعد انطلاق البرنامج.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار