GMT 0:00 2017 الجمعة 20 أكتوبر GMT 11:26 2017 الجمعة 20 أكتوبر  :آخر تحديث

ترامب يستثني «الحشد الشعبي» من الحملة على إيران

الحياة اللندنية

راغدة درغام

لافت استثناء إدارة ترامب العراق عندما تُدرج الانتهاكات الإيرانية في الجغرافيا العربية وتشن الحملات على أدوار «الحرس الثوري» الإيراني في سورية واليمن ولبنان. يبدو العراق وكأنه في مرتبة مميزة لدى الرئيس دونالد ترامب بعدما أفلح رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي في كسب ثقته الى درجة تصدّره الأولوية في تلقي الدعم الأميركي حتى على حساب الأكراد الذين كانوا الحليف التقليدي لواشنطن لسنوات.

لافت تعمّد إدارة ترامب غض النظر عن مشاركة قوات «الحشد الشعبي» في المعارك الى جانب الجيش العراقي لاستعادة كركوك من حكم الكرد والسيطرة على مناطق أخرى شمال العراق علماً أن لإدارة ترامب إجراءات في وزارة المالية صنّفت «الحرس الثوري» في قائمة الإرهاب ووضعته تحت المزيد من العقوبات.

الواضح هو أن حال الانقسام داخل الصف الكردي وإطلاق تُهم «الغدر» و «الخيانة» عامل رئيسي في ما آلت اليه الأمور في كردستان العراق الى جانب غطرسة القيادات المتقاتلة. الواضح أيضاً أن إدارة ترامب غضبت من رفض مسعود بارزاني صفقة تأجيل إجراء الاستفتاء لسنة التي افتخرت بإبرامها واعتقدت انها أفضل الخيارات لأنها قنّنت العملية في مشروع قرار في مجلس الأمن – فقررت أن تتركه ليتحمل مسؤولية أخطائه بمفرده.

المشهد العراقي اليوم يفيد بأن سرّاً ما يمتد كخيط خفي ليس فقط في كردستان وإنما في كل أنحاء العراق حيث تتداخل علاقة حيدر العبادي مع إيران و «الحشد الشعبي» مع علاقاته مع دولٍ خليجية وتتقاطع مع علاقاته بدونالد ترامب. ثمة ما يثير الفضول في تعمد إدارة ترامب عدم التطرق بأي انتقاد إلى سياسات العبادي لدرجة أنها تحجب وضع «الحشد الشعبي» العراقي المدعوم ميدانياً من
«الحرس الثوري» ضمن قائمة الانتهاكات الإيرانية مع أن قاسم سليماني يتعمد الجهر بأدواره ورحلاته في مختلف أنحاء العراق. والفضول ينسحب على آفاق النقلة النوعية في العلاقات العراقية – الخليجية (العسكرية منها والمدنية) نحو التطبيع والتنسيق بعد قطيعة لربع قرن بقرار مسبق للقفز على واقع التوغل الإيراني في العراق. وفي هذا تتقاطع الإستراتيجية الأميركية مع الإستراتيجية الخليجية في العراق بصورة لافتة علماً أن ما أعلنه ترامب عن استراتيجيته نحو إيران لقي استحساناً واسعاً في السعودية والإمارات ودول عربية أخرى، ولقي أيضاً مخاوف من قِبل بلدان تخشى انعكاس صراع الفيلة على عشبها، مثل لبنان.

الرهان على استراتيجية ترامب ليس خالياً من المغامرة لأن ما أعلنه من توعّد للنظام في إيران ومغامراته خارج أراضيه يتطلب أن يُرفق بآليات تنفيذ وبرامج زمنية وبخطة «أ» و «باء» وباستعداد لتحمل التبعات. هناك خطر على الرئيس الأميركي نفسه ان لم يكن قد اتخذ كامل الاستعدادات لتنفيذ توعداته فيقع هو في فخ الوعود غير القابلة للتنفيذ.

وعلى سبيل المثال، ليس سهلاً تنفيذ الشق المتعلق بالنظام في طهران كما تطرق اليه ترامب. فهو حرص على الإشارة تكراراً الى الحكومة الإيرانية بتعبير «النظام» عندما كشف عن استراتيجيته الجديدة نحو ايران. فعل ذلك عمداً ليسحب تلك «الشرعنة» التي قدمها سلفه باراك أوباما للنظام الحاكم في طهران من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة تلبية لمطلب إيران بأن يعترف الرئيس الأميركي بشرعية الحكم في طهران ويتعهد ضمناً بأنه لن يمد العون للمعارضة الإيرانية الداخلية، إصلاحية كانت او انقلابية.

الآن، انقلب ترامب على العهد الذي قطعه أوباما وباتت كلماته تلاحقه لأنه أوحى بأن في ذهنه تمكين المعارضة الإيرانية من الإطاحة بالنظام الذي وصفه بأنه يتبنى الإرهاب. فماذا في وسع الرئيس الأميركي أن يفعل ليقرن الأقوال بالأفعال؟ وهل يستطيع أن ينفذ ما في ذهنه وسط الأمواج والرياح التي تعصف به داخلياً؟

ثم هناك عنصر «الحرس الثوري» الذي لم يذكر الرئيس ترامب في عرضه لاستراتيجيته أنه يدرجه على قائمة الإرهاب واكتفى بالقول انه يعتزم تشديد العقوبات عليه. ولكن، أصدرت وزارة المالية بياناً صحافياً في اليوم نفسه تصنف بموجبه «الحرس الثوري» في قائمة الإرهاب، وتقرر استهدافه – مع العناصر التي تدعمه عسكرياً – تحت سلطة مكافحة انتشار الأسلحة المحظورة باعتباره المسؤول عن تحويل إيران «الدولة الأولى التي تدعم الإرهاب». أدرجت وزارة المالية دعم الرئيس بشار الأسد، و»حزب الله»، و «حماس» و «طالبان»، كسبب وراء تصنيف «دعم الإرهاب» الى جانب تصدير الميليشيات الباكستانية والأفغانية الى سورية.

فماذا سيفعل الرئيس ترامب إذا انتفضت الدولة الإيرانية ضده لأنه، عملياً، يستهدف ذراعاً أساسية ورئيسية من النظام الحاكم في طهران؟ هل لدى ترامب خطة متكاملة وخطوات ملموسة استطراداً لهذا التصنيف والاستهداف لـ «الحرس الثوري» الذي يبسط سلطته ليس فقط داخل الأراضي الإيرانية، وإنما في لبنان واليمن وسورية والعراق، علناً، ويستولي على الأراضي التي يتم تحريرها من «داعش» على يد التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة؟ الجواب ليس واضحاً بل هناك نوع من التناقض بين التعهدات اللفظية وبين ما يحدث ميدانياً. فالرئيس أوباما مكّن «الحرس الثوري» مادياً وجغرافياً بموجب القرارات الدولية التي رافقت الاتفاق النووي. والرئيس ترامب ورث «الحرس الثوري» الأقوى الذي يبسط سلطته في سورية والعراق ويتباهى نجمه الجنرال قاسم سليماني بأنه انتصر – فماذا سيفعل ترامب بذلك الانتصار وبتوعداته لـ «الحرس الثوري»؟

يقول أقطاب إدارة ترامب إن تولي وزارة المالية مهمة تقليم أظافر «الحرس الثوري» وأتباعه عبر عقوبات موسّعة بناءً على تهمة دعمه الإرهاب هو عبارة عن انقلاب على ما قدمه أوباما إليه كإفراز للاتفاق النووي. أوباما وافق على ضخ الأموال مسبقاً مع أنه كان يعلم أن «الحرس الثوري» هو المستفيد الأول، ووافق على إبطال قرارات مجلس الأمن التي حظّرت على إيران أن تتوسع خارج أراضيها عسكرياً، إما عبر جيشها أو قواتها غير النظامية أو الميليشيات التي تدعمها.

دونالد ترامب يعتقد أن في وسعه قلب المقاييس الآن عبر إجراءات كتلك التي يتخذها ضمن استراتيجيته الجديدة نحو إيران. إنما السؤال هو ماذا في ذهنه ميدانياً؟ هل يعتزم تشجيع المعارضين المحليين واللاعبين الإقليميين على الانخراط ميدانياً لقلب المقاييس؟ وهل لم يفت الأوان في سورية بالذات؟ هذه أسئلة قد يملك الرئيس الأميركي الإجابة عنها ويحتفظ بها في جيبه. وقد تكون الاستراتيجية وُضِعَت أساساً بمفاتيح لتنفيذها تفرض اللعبة السياسية اخفاءها.

السفيرة الأميركية نيكي هايلي تحدثت في مجلس الأمن هذا الأسبوع داعية الى محاسبة إيران على انتهاكاتها مجموعة من القرارات لا تتعلق حصراً بالاتفاق النووي وإطلاق الصواريخ الباليستية وإنما أيضاً بإرسال طهران الأسلحة الى اليمن وسورية ولبنان وتجاهل قاسم سليماني حظر السفر المفروض عليه بموجب قرارات دولية. قالت ان القرار 2231 يحظّر على إيران نقل الأسلحة خارج أراضيها «وعلى رغم ذلك هي تقوم بنقل الأسلحة الى اليمن ولبنان وسورية»، وإن النظام الإيراني «ممول وداعم أساسي بالسلاح للحوثيين في اليمن، اما مباشرة أو عبر عميله حزب الله» في انتهاك للقرار 2216 الذي يحظّر الأسلحة عن الحوثيين والقرارين 1701 و1559 المتعلقين بنزع سلاح الميليشيات في لبنان. و «يدعوان حزب الله الى نزع سلاحه».

وأضافت «إلا إن قائد الحزب يعلن صراحة أن كل موازنة الحزب وأسلحته مصدرها إيران». وأعلنت ان «علينا أن نتناول كل التحركات الهدامة التي تقوم بها إيران، لا الاكتفاء بتناول عنصر واحد».

بين أقوى المعارضين للتوجهات الأميركية نحو إيران كما يعبر عنها دونالد ترامب ونيكي هايلي هم الحلفاء الأوروبيون الذين يتمسّكون بالاتفاقية النووية مع إيران ولا يريدون إصلاحها كأمر واقع ولا الاعتراف بأنهم هم شركاء إدارة أوباما في تمكينهم «الحرس الثوري» في سورية والعراق واليمن ولبنان. ولكن مدى معارضتهم مستقبلاً سيعتمد على مدى جدية إدارة ترامب بما يتعدى التوعدات اللفظية. أما الآن فإنهم في خندق واحد في موضوع العراق، وفق المؤشرات حيث تبدو الأسرة الدولية جاهزة للاحتفاء بإلحاق الهزيمة بتنظيم «داعش»، ومستعدة لهزّ الرأس حزناً على إحباط الكرد أحلامهم بأيديهم، ومتأهبة لدعم رئيس الوزراء حيدر العبادي مع غضّ النظر كلياً عن أدوار إيران داخل العراق – أقله حتى إشعار آخر.

وهذا في حد ذاته يلقي مسؤولية كبيرة على عاتق العبادي الذي يوحي بأنه يصدر الأوامر لـ «الحشد الشعبي» للانسحاب عسكرياً من المدن الشمالية التي يستعيدها الجيش النظامي من الكرد وأهمها كركوك الغنية بالنفط، وإن «الحشد الشعبي» يلبي. فإذا تعثّر العبادي أمام «الحشد الشعبي» القوي وصاحب السلطات العسكرية الكبرى في العراق، تكون إيران هي المنتصرة في نهاية المطاف. وليس سهلاً على العبادي الاّ يتعثّر لأن إيران لن تتخلّى عن كعكة العراق مهما أوحت بعكس ذلك ولأن «الحشد الشعبي» في العراق هو مرآة «الحرس الثوري» في إيران و «حزب الله» في لبنان.

إدارة ترامب تتجنّب ذكر «الحشد الشعبي» أو العراق حرصاً على أولوية إلحاق الهزيمة بـ «داعش»، كما تقول. إنها تتخلى عن الأكراد وتتوافق مع طهران وبغداد وأنقرة حول الموقف من الاستفتاء الكردي. واليوم تدعم إدارة ترامب الإجراءات العسكرية التي قامت بها حكومة العبادي لاستعادة كركوك وإثبات قوتها لأن إدارة ترامب – ومعها دول خليجية – تعتقد بأن في الوسع استعادة العراق من إيران عبر حكومة مركزية قوية يرأسها العبادي.

باكر جداً الرهان على وهن «الحشد الشعبي» العراقي أو «الحرس الثوري» الإيراني أو «حزب الله» اللبناني. الخاسر الواضح في العراق اليوم هم الكرد الذين أفرطوا في الثقة بالنفس والثقة بالغير – والغير هو الولايات المتحدة، أولاً، ثم إيران بين الحين والآخر، وكذلك إسرائيل. الكل تخلى عنهم. الأسوأ ان الكرد هم ألد أعداء بعضهم بعضاً. والمؤسف أن كل هذا حدث لأن شعباً أراد الاستفتاء لاختيار مصيره فلقي الحلم حتفه بإرادات إقليمية ودولية وبقرارات كان يمكن تأجيلها لولا كل ذلك العناد.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار