GMT 0:00 2017 الجمعة 20 أكتوبر GMT 2:04 2017 الجمعة 20 أكتوبر  :آخر تحديث

كردستان: كلّما تجسّد الحلم تبخّر

الحياة اللندنية

عصام الخفاجي

سبق الشاعر الكردي أحمدي خاني عصره بأربعة قرون، إذ استهل ملحمة «مه م وزين» التي كتبها في القرن السابع عشر، وتُعدّ أول عمل أدبي كردي، بقسم عنوانه «أمراضنا» يتأسّى فيه على انقسامات الكرد التي تسبّبت في إخضاعهم للعثمانيين أو الصفويين. «لو نهض ملك واحد من بين صفوف الكرد، لو ساد التناغم بيننا، لو أبدينا الطاعة لواحد منّا لكان في مقدوره إخضاع الترك والعرب والفرس جميعاً».

نصّ أحمدي خاني عبقري في سبقه الزمني، لكن تطبيقه من جانب زعماء الكرد منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم يلخّص الكوارث التي لحقت بشعبهم والتي ألحقوها به. لا يزال القادة الكرد، وتجسيدهم المعاصر هو السيد مسعود بارزاني، يتظاهرون بأن ليس ثمة انقسامات تمتد جذورها إلى التاريخ والثقافة والجغرافيا والاقتصاد، بل إلى خلافات سياسية لا بد من الحوار أو القسر أو تقديم الإغراءات لكي يتم تجاوزها. ولا يزال كل قائد كردي من بارزاني إلى أوجلان يوهم نفسه بأنه الملك الواحد الذي بمقدوره تحقيق ما يراه مصلحة قومية لو أبدت الرعية الطاعة له.

لأؤكد، استباقاً لتصفيق من شوفيني عراقي أو تصفير من قومي كردي: تعرّض الكرد لجرائم لا حصر لها. ليس من حق الكرد المطالبة بالاستقلال فقط بل عليهم الإصرار عليه. تعرّض الكرد لبشاعات لا حصر لها. بحسبة بسيطة تستند إلى افتراض أن عدد سكان كردستان العراق كان ثلاثة ملايين أيام مجازر الأنفال التي شنها نظام البعث عامي 1987-1988، تتجاوز نسبة من أبيد منهم إلى مجموع سكان كردستان نسبة ضحايا القنبلتين النوويتين على اليابان إلى سكانها.

مأساة الشعب الكردي هي أن قادته يبدون وكأنهم يعيشون في كوكب آخر، على رغم حديثهم المتكرر عن الضغوط والمؤامرات الإقليمية والدولية التي تعرّضت وتتعرّض لها كردستان. مأساته هي أن قادته الساعين إلى تحقيق النصر السريع (أو الوصول إلى الزعامة) لا يأبهون بما قد يجرّه هذا السعي من كوارث، ذلك أن سردية المظلومية جاهزة على الدوام لتبرير مغامراتهم من دون أن يتعرّضوا للمساءلة من شعبهم عن أسباب خوض المغامرة، وهم يدركون أن ثمة أعداء لهم ثقلهم القادر على تبديد أحلام شعبهم المتعطّش لنيل استقلاله.

يتذاكى القائد الكردي متباهياً بأنه استطاع استمالة هذا الطرف الدولي أو الإقليمي أو ذاك. ويتذاكى بأنه تحالف مع هذه القوة أو تلك عن غير قناعة لأنه يسعى لتحصيل حقوق الشعب الكردي. ولا يرى أنه الطرف الأضعف في معادلة العلاقة بين الدول وبين شعب لا يزال يسعى لتحقيق مصيره. ويعود القائد بعد الخيبات ليعلن أنْ ليس للكردي صديق غير الجبل. ثمة جهل مفهوم، وثمة انتهازية غير مبرّرة.

في 1946 قامت أول جمهورية «مستقلّة» للأكراد في إيران. كانت القوات السوفياتية تحتل القسم الشمالي من إيران وقررت قبل أن تنسحب أن تدعم نشوء جمهوريتين «شعبيتين»: جمهورية أذربيجان (غير أذربيجان السوفياتية) و «الجمهورية الكردية الشعبية» إلى الجنوب منها التي أسست جيش الشعب الكردي ومحطة إذاعة واختارت القاضي محمد لرئاستها. حظيت جمهورية مهاباد بدعم شعبي واسع بفضل تأييد بطل قومي كردي هو عمّار خان وعشيرته «الشكاكي» لها.

فماذا كانت الخطوات الأولى للجمهورية الكردية الشعبية؟ رفضت الجمهورية الحدود المرسومة لها وأعلنت أن كل الأراضي الممتدة إلى حدود الاتحاد السوفياتي الجنوبية تعود لها واتّهمت السوفيات (وهم من أنشأ جمهوريتها) بالانحياز إلى الأذربيجانيين. لا يذكر التاريخ الرسمي الكردي اسم عمّار خان الذي أصيب بالإحباط فسحب دعمه للقاضي محمد.

تقول وثيقة أرسلتها محطة السي آي أي في تبريز إلى واشنطن عام 1948 ولم ترفع عنها صفة السرية إلا بعد خمسين عاماً: «لم نتدخل في الصراع لأنه أنهك الجمهوريتين». لم يكن سقوط جمهورية مهاباد محتّماً فقد كانت إيران منهكة وخارجة من الاحتلال للتو. لا يذكر التاريخ الكردي الرسمي اسم عمّار خان. استسلم القاضي محمد للقوات الإيرانية فتم إعدامه في ساحة جوار جار (الأعمدة الأربعة) في مهاباد.

برزت فرصة أخرى للكرد لتحقيق بعض من طموحاتهم حين أقر دستور الجمهورية العراقية الوليدة عام 1958 لأول مرّة بأن «العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن». أتجنّب هنا الحكم على صحّة رفع الملّا مصطفى بارزاني السلاح وإعلان الثورة ضد بغداد في أيلول (سبتمبر) 1961 من دون أن يسبق ذلك أي استفزاز حكومي، إذ لم أطّلع على وثائق أو شهادات من معاصري تلك الفترة تشير إلى مطالب قدّمها الملّا مصطفى بارزاني ولم يتم تنفيذها.

كان واضحاً للجميع أن نظام حكم عبد الكريم قاسم بات يواجه تهديدات جدية من حزب البعث وحلفائه منذ النصف الثاني من 1962. فماذا فعلت القيادة الكردية؟ وجهت رسائل إلى البعث بأنها ستدعمهم إن ضمنوا حقوق الشعب الكردي. يومذاك كان البعث يتبنى دستور 1943 الذي يفتتح بفصل «أهداف وغايات» ترد فيه الفقرة التالية: «غير العرب من الأقليات القومية التي لا يمكن أن تندمج في المجموع العربي وتتعرّب بصورة تامة تخضع لقوانين خاصة تحدد حقوقها وواجباتها بصورة تمنعها من الإضرار بمصالح العرب، وهي تظل معتبرة أجنبية يحق للدولة العربية في كل حين أن تخرج من يضر بمصلحتها منها. ويحظر عليها تشكيل مدارس وإنشاء منظمات وصحف بلغتها». وكانت المادة 11 من الدستور تنص على أنه «يجلى عن الوطن العربي كل من دعا أو انضم إلى تكتّل عنصري ضد العرب».

لا مفاجآت: جاء البعث إلى السلطة في انقلابه الوحشي عام 1963 ليشن حرب أرض محروقة ضد الأكراد. فماذا كان ردّه؟ أنقل من جديد عن مذكّرات سرية متبادلة بين محطة السي آي أي في تبريز ورئيسها المؤسس والمخضرم آلان دالاس. بعث بارزاني برسالة عبر مسؤول المحطة في تبريز يطلب فيها أن يطّلع عليها «قائد العالم الحر» الرئيس كينيدي ويطلب المسؤول نصحاً: لا شك في أن الرئيس كينيدي ليس في وارد قراءة كهذه، فبمَ نجيب بارزاني؟

والسؤال الأهم: هل بارزاني عميل شيوعي؟ آخذين بنظر الاعتبار أنه لجأ إلى الاتحاد السوفياتي لمدة ثلاث عشرة سنة منذ سقوط جمهورية مهاباد حتى قيام الجمهورية في العراق؟ وجّه دالاس بأن يقدّم المسؤول إجابة عامة عن السؤال الأول: «نحن نتّبع القنوات الرسمية، وقد أوصلناها إلى المعنيين»، وأن يؤكدوا لبارزاني «أن أميركا تؤيد سعي العراق إلى حل مشكلاته».

الجواب عن السؤال الثاني يلخّص التباس علاقة الكرد مع العالم الخارجي «الأكراد ليسوا عملاء للسوفيات. هم مع كل من يقف ضد أي حكومة في بغداد». والجواب عن مذكّرة جديدة بعد ربع قرن هو الأكثر إثارة للدهشة وللأسف على جهل قادة الكرد بالعالم الخارجي وجهل العالم الخارجي بهم. المذكّرة موجّهة إلى مستشار الأمن القومي الأميركي زبغنيو بريجينسكي (4 أيلول/سبتمبر 1979).

كانت الحركة المسلّحة الكردية قد انهارت عام 1975 بعد اتفاق شاه إيران وصدّام حسين على تخلّي الأول عن الحركة التي دعمتها أميركا مقابل تنازل العراق عن نصف شط العرب لإيران. ومن جديد يتساءل مكتب العراق في الخارجية الأميركية عن أدلّة على علاقة الكرد بالسوفيات. المذكرة مثيرة للدهشة لأنها كتبت حين كان الملا مصطفى بارزاني يقضي أيامه الأخيرة لاجئاً في الولايات المتحدة، بعد أن رمى بكل ثقله لإنجاح المشروع الأميركي بزعزعة نظام البعث.

محنة العلاقة الكردية بالعالم الخارجي تكمن في أن الدول المؤثرة، منذ نهاية عشرينات القرن الماضي وحتى أوائل تسعيناته (وربما حتى اليوم)، لم تنظر إلى كردستان ككيان تجدر دراسة مشاكله ورغبات شعبه لتتّخذ بالتالي موقفاً حول مصائره. كانت كردستان على الدوام «مشكلة عراقية» أو «إيرانية» أو «تركية» تتم معاينتها من خلال مؤشر العلاقة مع بغداد أو طهران أو أنقرة ويتم اتّخاذ موقف في شأن «المشكلة الكردية» تناسباً مع الموقف من الحكومات المركزية.

وحين حانت اللحظة الذهبية لكي تنهض كردستان ككيان مستقل نسبياً، تكفّل القادة الكرد بإضاعتها. عهد كردستاني مشرق بدأ عام 1992: فرض التحالف الدولي حظراً على الطيران العراقي على كردستان، انسحبت أجهزة البعث والمؤسسات القمعية، صدر عفو عن كل من تعاون مع نظام البعث، انتخابات برلمانية، انفتاح اقتصادي مع تركيا وإيران. ها إن دولة حلمت بأن يقيمها الكرد تتبرعم.

صيف 1996 كنت أحمل رسالتين أحرص على تذكّر أي من الرسالتين وضعت في كل جيب. كل من الرسالتين تشير إلى أن «الرفيق الدكتور... صديق وفي للشعب الكردي ويرجى تسهيل مروره». إحدى الرسالتين كانت موقّعة باسم السيد مسعود بارزاني تسمح لي بالدخول إلى المنطقة الصفراء، والأخرى موقعة باسم الراحل جلال الطالباني تسمح لي بالدخول إلى المناطق الخضراء. وحين اختل التوازن بين الصفر والخضر، لم يجد الصفر مشكلة في الاستنجاد بالحرس الجمهوري العراقي الذي برروا كل نضالهم التحرري بمحاربته لكي لا يسيطر خصمهم الكردي على مواقعهم.

ومن جديد، قد لا يرى الشوفيني العربي في ما سبق غير تدليل على ضرورة «انصياع» الكرد لهم، وقد لا يرى القومي الكردي فيه غير تبرير لحرمان كردستان من حقها في الاستقلال.

ليكن! أردت ممّا سبق أن أثير سؤالاً أتمنّى على العقل التنويري، لا الغوغائي، الكردي (والإنساني) أن يغوص بحثاً في الإجابة عنه: أين تكمن مسؤوليتنا؟

أم لعلنا لا نزال نعيش في عصر الخالد أحمدي خاني ننتظر ملكاً نركع له جميعاً؟


* كاتب عراقي


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار