GMT 0:05 2017 الأربعاء 25 أكتوبر GMT 0:34 2017 الأربعاء 25 أكتوبر  :آخر تحديث

الخلاص... هنا وهناك

الشرق الاوسط اللندنية

توفيق السيف

في 2005 حلّت الذكرى المئوية لصدور كتاب ماكس فيبر «الأخلاق البروتستانتية». ولهذه المناسبة، كتب المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما أن ذلك الكتاب جعل كارل ماركس يقف على رأسه غضباً. نعلم طبعاً أن ماركس لم يكن حياً يومها كي يقف على رأسه. لكن طروحات فيبر كانت نقيضة لموقفه من الدين، ولا سيما مقولته الشهيرة «الدين أفيون الشعوب»، وقد خدمت الاتجاه المتشكك في الفلسفة الماركسية بمجملها.

جادل ماركس بأن غرض الأديان هو تبرير الوضع الراهن للطبقات الدنيا التي هي – في الوقت نفسه - أكثر الطبقات تديناً. ومن هنا فهو يخدم الأثرياء والنافذين، الذين يضاعفون قوتهم وثرواتهم، باستغلال جهل الفقراء وقناعتهم بما هم فيه.
خلافاً لهذا، فقد ميز فيبر بين رؤيتين للعالم، رؤية انسحابية تميل إلى تضخيم قيمة الحياة الآخرة وإنكار قيمة الحياة الدنيا، وأخرى تعتبر الآخرة امتداداً للدنيا: من ينجح هنا يفوز هناك، ومن يفشل هنا يخسر هناك. أطلق فيبر على الرؤية الأولى اسم «النمط الكاثوليكي»، بينما رأى الثانية متجسدة في العقيدة البروتستانتية، ولا سيما في النسخة المنسوبة للقسيس الإصلاحي جون كالفين.
جوهر المسألة الدينية في رأي فيير هو «الخلاص». الأكثرية الساحقة من المؤمنين، إن لم نقل جميعهم، يؤمنون لأنهم يريدون الفوز بالجنة والخلاص من النار. في «النمط الكاثوليكي»، بحسب رؤية فيبر، يتحرك المؤمن بين الخطيئة والندم على ارتكابها، ثم التوبة منها، ثم الاعتقاد بنيل الغفران، ثم تكرار الخطيئة، وهكذا. من شأن هذا المسار أن يشحن الإنسان بقلق دائم على مصيره. وحين يسائل نفسه عن سبب ارتكابه الإثم، يخبره التراث المقدس بأنه الاغترار بالمال وزينة الدنيا، أو السعي للقوة والنفوذ. وهي من العناصر الرئيسية المحركة لحياة البشر. وهنا تتحول الدنيا في ذهنه إلى رمز للفساد والانحطاط الأخلاقي، ويظهر الساعون للتفوق فيها كمن يسعى وراء السراب في صحراء لا متناهية.
تقدم البروتستانتية الكالفينية – في المقابل – تصويراً مختلفاً، يربط الخلاص في الآخرة بالنجاح الدنيوي. من أراد الجنة فعليه أن يستحقها بالنجاح في دنياه. من يتعلمون كي يتقنوا عملهم، ومن يتعلمون كي يكسبوا المال، يسهمون مباشرة في الارتقاء بمستوى حياة المجتمع ككل. العلماء والباحثون يعلّمون الناس كيف يستثمرون الطبيعة التي سخرها الله لهم. والأثرياء يستثمرون أموالهم فيولدون وظائف جديدة تنقذ الناس من ذل الفاقة. أولئك وهؤلاء يسعون لمنفعتهم الخاصة، لكنهم أيضاً يجعلون حياة خلق الله أيسر وأكثر نفعاً لبعضهم بعضاً. العمل في رأي كالفين عبادة، ولو كان هدفه جمع المال. وإتقان العمل سبب لمرضاة الله، وانتفاع الآخرين بنتائج العمل وسيلة لضمان الجنة.
يعتقد فيبر أن المبادئ البروتستانتية لعبت دوراً مهماً في تعزيز الرأسمالية والنمو الاقتصادي. وقد رحب كثيرون بهذا الاستنتاج. لكن باحثين آخرين عارضوه بشدة. ما هو مهم في المسألة – وهذا أيضاً رأي فوكوياما – ليس تصوير فيبر للفارق بين نموذجي الإيمان، بل تسليطه الضوء على دور الثقافة الدينية الشعبية في تعزيز العقلانية الجمعية وتمهيد طريق التقدم، أو العكس، أي ترسيخ صورة أسطورية للعالم، تحيل قضاياه جميعاً إلى الآخرة وتضع المؤمن في موقف المنفعل القلق على مصيره.
أظن أن هذا التصوير الفيبري صالح للتطبيق على كل النماذج الدينية. فهو يقدم جواباً مبدئياً على السؤال الأزلي: هل نؤمن بالدين كي نحظى بحياة كريمة، أم لمجرد الحصول على حياة أفضل بعد الموت؟


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار