GMT 0:00 2017 الأربعاء 25 أكتوبر GMT 8:53 2017 الأربعاء 25 أكتوبر  :آخر تحديث

التعصب.. والمواجهة بالِحلْم!

الإتحاد الاماراتية

ديفيد بروكس

مررتُ بتجارب خلال الأسبوعين الماضيين تركتْ لدي انطباعاً بأن جميع من يعيشون على وجه الأرض لديهم السؤال ذاته: كيف يمكن التعامل مع المتعصبين؟ في البداية حضرت مباراة فريق البيسيبول «واشنطن ناشونالز»، وكان أمامي في الصف أحد مؤيدي ترامب، وجّه خطبة استمرت عشر دقائق يتانثر منها السباب والشتائم لي ولزوجتي وابني. ثم ذهبت إلى جامعة «نورث كارولينا» في «أشفيل»، وشاهدت طلاباً يتبادلون نقاشاً حامياً حول ما إذا كان ينبغي السماح للمتطرفين بالحديث في الحرم الجامعي. وبعد ذلك توجهت إلى مدريد، حيث أخبرني بعض الإسبان أن قادة حركة الاستقلال في كاتالونيا متطرفون إلى درجة يستحيل التعامل معهم. وسافرت إلى لندن، حيث حاول نشطاء مؤيدون وآخرون معارضون لـ«البريكست» إجراء محادثة متمدنة مع بعضهم البعض.

في هذه التجارب كنت أتدرب على الأسباب المنطقية للاعتقاد بأنه من العبث إجراء حوار متحضر مع شخص متعصب، وأنه من الأحرى نفيهم أو مواجهتهم بقوة مضادة ومساوية.

فمثلاً لا يمكنك عقد محادثة متمدنة مع أشخاص ينوون تدمير القواعد الحاكمة للحوار ذاته. ومن غير المثمر مسايرة أشخاص لا يكترثون للحقائق. وهناك أفكار مشينة، مثل العنصرية، تستحق نبذها في أي مجتمع متحضر. وهناك أشخاص مفعمون بالعداء لدرجة أن الشيء الوحيد الذي يستحقونه هو الازدراء. وعلى أية حال، يصعب تغيير آراء هؤلاء. وإذا ما تفاعلت معهم، فإنك تمنحهم فرصة لتدمير اللباقة والأسلوب المتحضر للمجتمع. ومثلما يشير «بينايمين ديموت» في مقاله الشهير المنشور عام 1996 في مجلة «ذا نيشن»: «إن التمدن ليس ميثاق انتحار، وعندما تكون في عراك مع قاطع طريق، فهناك أمور كثيرة أهم من التمدن».

ورغم ذلك، كلما فكرت في الأمر أكثر، اتفقت مع وجهة نظر «ستيفن إل كارتر»، أستاذ القانون بجامعة «يال» في كتابه «التمدن»، المنشور في عام 1998، والذي يؤكد فيه أن الطريقة الوحيدة لمواجهة التعصب هي بالحِلْم، فعلينا أن نسأل المتعصبين أسئلة حقيقية، ونعيد صياغة أقوالهم، ليعرفوا أننا أنصتنا إليهم، وأن نبدي الاهتمام بمصيرهم، حتى وإن كنا نبغضهم.

وعلينا التعامل مع التعصب بالحِلْم من أجل أنفسنا أولاً. فإذا ما أسلمنا أنفسنا للإغراء الطبيعي لمواجهة ذلك الغضب بغضبنا، فسنقضي أيامنا تأكلنا المرارة والرغبة في الثأر. وسنصبح أشخاصاً سيئين في كل الأحوال.

ومن ناحية أخرى، إذا ما واجهنا غريزتنا الطبيعية المولعة بالمواجهة، وميلنا الطبيعي للأب للإسكات، وبدلاً من ذلك احترمنا الشخص المتعصب كما هو على اعوجاجه.. فقد يكون لذلك مردود إيجابي علينا، وعندئذ سنهزم «حماستنا الظلامية» ونستبدلها بـ«إحساس أفضل». وسنُعلّم العالم درساً بشأن الطريقة التي ننصت بها. وربما أيضاً نتعلم شيئاً، فليس من الضروري أن يكون الشخص مصيباً ليعلمنا أن بعض أساليبنا خاطئة.

وعلينا، ثانياً، مواجهة الشخص المتعصب بالإنصات المرهف بالعواطف، كطريقة لمنحه هدية غير مكتسبة. فالآن، لا يبدو معظم «المتعصبين أشخاصاً خارقين»، وإنما أشخاص منعزلون وينتابهم الحزن، وتعصبهم نابع من «كبريائهم الجريح»، والإحساس بأنهم غير مرئيين. وإذا ما جعلنا أولئك الناس يشعرون بأن صوتهم مسموع، فلربما بطريقة ما، ولو محدودة، يمكننا أن نعالج خللاً عاطفياً هو في جوهر موقفهم السياسي.

وأخيراً من الأفضل أن نجابه التعصب بالحِلْم من أجل بلادنا. ومثلما يشير «كارتر»، كبح أفضل المدافعين عن التحرر من العبودية كراهيتهم الطبيعية لمن يستعبدون البشر، لأنهم اعتبروا أن إصلاح السلوكيات وتحرير العبيد، جزء من القضية ذاتها المتمثلة في استعادة الكرامة لكل إنسان.

إننا جميعاً نتقاسم المعضلة ذاتها، وربما يمكننا طرد المتعصبين والكارهين من قاعات طعامنا أو رابطة تشجيع أي فريق، لكن عندما يتعلق الأمر بالحياة السياسية، فلا مكان آخر ليذهبوا إليه.

الآن.. أعترف بأنني لم أردّ على ذلك المؤيد لترامب في مباراة «البيسبول» بالمشاعر الطيبة التي دعوت إليها هنا، لكني متأكد بأن ثمة فرصة لأحسّن من نفسي قريباً. ولعل فعل الصواب في هذه الأوقات العصيبة أمر صعب، لكن الحل ليس بذلك التعقيد!

ديفيد بروكس

«نيويورك تايمز»


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار