GMT 0:00 2017 الجمعة 27 أكتوبر GMT 1:54 2017 الجمعة 27 أكتوبر  :آخر تحديث

سورية بين حلول التقسيم و «الفدرلة» الروسية

الحياة اللندنية

سميرة المسالمة

تتطور لغة الوسيط الدولي ستيفان دي ميستورا من جلسة إلى أخرى في مجلس الأمن، خلال تقديم إحاطته حول العملية التفاوضية بين الأطراف السورية، فقد انتقلت من الآمال العائمة بداية، إلى وضع السيناريوات لاحقاً، ومن ثم بعد تسليم واشنطن الملف السوري إلى موسكو أصبحت لغة تقرير واقع واستحقاقات مستقبلية، قد تتأخر أحياناً في الظهور إلى حيز التنفيذ، لكنها في وقت لاحق تصبح أهم البنود التي على الطرفين السوريين مناقشتها، وإيجاد الآلية لتنفيذها.

مثال ذلك ما طرحه دي ميستورا بداية توليه الملف السوري (2014) عن تقسيم العمل إلى ورشات، ثم أصبحت سلالاً، انشغلت جولات جنيف التفاوضية بها، وهي تعالج قضايا الحكم غير الطائفي والإرهاب والدستور والانتخابات، بعد الاستفادة من هدنات محلية اقترحها ولم يوفق في الحصول على الموافقة عليها، إلا أن النظام استفاد من اقتراح الوسيط الدولي، وعمل مع إيران على عقد تلك الهدنات التي أنتجت توسعاً للنظام في أكثر من مكان، منها منطقة الريف القريبة من دمشق وحمص.

وفي خطوات لاحقة، وبعد إعلان «الهيئة العليا للمفاوضات» من لندن، رؤيتها للحل في سورية، سارع دي ميستورا إلى طرح اقتراح جديد، مرة عبر المفوضية الأوروبية، ومرة من خلال لقاءاته المباشرة مع قيادات المعارضة، وهو ينقلب على رؤية لندن من حيث شكل الحكم من رئاسي إلى برلماني، ومن لا مركزي إلى حكم المجالس المحلية (فيديرالية مخففة).

واليوم بعد تحرير الرقة من «داعش» على يد «قوات سورية الديموقراطية»، المدعومة أميركياً، وذات الصلات الوثيقة بروسيا، يعود الحديث عن المجالس المحلية لحكم المناطق، عبر تصريحات من أعلى المسؤولين الدوليين، مثل الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين.

وعلى رغم أن مقدمات دي ميستورا للمعارضة كانت واضحة بضرورة إعادة النظر في ما قدمه رياض حجاب المنسق العام لهيئة التفاوض في لندن، (وتم الاعتراض عليه رسمياً من المجلس الوطني الكردي المنضوي في الائتلاف وفي الهيئة العليا للتفاوض التي صاغت الرؤية)، فإن المعارضة مضت في تقديم نفسها من خلال مشروعها الذي يتناقض مع مبدأ تغيير النظام، لتكون شريك النظام في الاستراتيجية الحاكمة ذاتها، من حيث تدري أو لا تدري.

وتشير اليوم نتائج الاتفاقيات التي عقدتها روسيا من خلال مفاوضات آستانة، أو عبر اتفاقيات منفصلة للغوطة، تحت مسمى «المناطق المنخفضة التصعيد»، وكذلك المعارك التي أدارتها الولايات المتحدة في الشمال ضد تنظيم «داعش»، من خلال كرد سورية، إلى أن مرحلة العمل بدستور النظام 2012، أو وفقاً لرؤية المعارضة (أيلول- سبتمبر 2016)، قد انتهت حيث لا يمكن العمل بنظام المركزية المتشدد للنظام، ولا بإقصاء مكون الكرد من معادلة سورية الجديدة للمعارضة. ولعل هذا يستدعي إيجاد رؤية سياسية جديدة، متوافق عليها بين كل الخصوم، ومتحللة في الوقت ذاته من مركزية العاصمة لمصلحة مناطق حكم ذاتية، تحت مسميات لا يزال كل من النظام والمعارضة يستصعب الاعتراف بها، وهي في شكل أو آخر تندرج في مستويات وأشكال متعددة من النظم الفيديرالية المعمول فيها في دول عدة.

لا شك في أن ما قامت عليه اتفاقيات آستانة من حلول جزئية، وتقسيم سورية إلى مناطق نفوذ دولية (روسيا- إيران- تركيا- الولايات المتحدة الأميركية) لم يكن بعيداً من رؤية متكاملة للحل في سورية، كانت وضعته الديبلوماسية الروسية، وحاولت فرضه مراراً، قبل آستانة من خلال دخولها في الصراع المسلح رسمياً في سورية (في أيلول 2015)، أو من خلال جملة لقاءاتها مع مسؤولين أميركيين وأوروبيين، وصاغته عبر دستور أعدت نسخته في موسكو، وتم الترويج لرفضه من فصائل المعارضة في آستانة، علماً أن مضامين الاتفاقات الحاصلة تؤسس قاعدة لقبول سورية فيديرالية غير مركزية، وأن الآليات التي تعتمدها الفصائل العسكرية المعارضة في سيطرتها في مناطق نفوذها («المناطق المحررة») تتوافق مع ذلك.

هكذا فإن خشية روسيا من تقسيم سورية، التي عبر عنها بوتين، هي مقدمة للعمل على الحل الذي يتوافق مع إرادة ترامب في دعم مناطق الحكم المحلية، والتي تتساوى في الفهم مع المطلب الأوروبي في «فدرلة سورية»، أو «حكم المجالس المحلية»، وهو ما يعبر عنه بوضوح مصطلح «سورية المفيدة» للنظام، وما تنفذه فعلياً الفصائل المسلحة التي تسيطر على مناطق متفرقة من سورية، حيث تتخذ قراراتها كسلطة مفوضة غير مرتبطة ببقية المناطق المحررة، بينما تصرخ في بياناتها رافضة الفيديرالية، تحت ذريعة أنها مطلب أكراد سورية، وأن هدفها انفصالي، في الوقت الذي ترفض هي العودة إلى مرجعيتها السياسية في الهيئة العليا للتفاوض، والتي أصبح عملها لاحقاً لعمل الفصائل وليس متكاملاً معها.

وأمام استحقاقات مفاوضات آستانة، أي المسار الموازي الذي ابتدعته موسكو منذ مطلع هذا العام، ومفاوضات جنيف، التي مهد لها الوسيط الدولي بخريطة طريق وفق المفهوم الروسي- الأميركي للحل السوري، يبقى استحقاق المؤتمر الوطني للمعارضة السورية، الذي ترحب به موسكو، وتتجاهله واشنطن حالياً، وتحتفظ به كخط رجعة لها إلى الملف السوري عبر مفاوضات جنيف. يبقى هو خط النهاية الذي يجب أن تقف المعارضة عنده، لتحدد هويتها ومطالبها وخريطة الطريق إليها بعيداً من الدعاية الإعلامية التي عودتنا عليها.

وبينما تقدم روسيا من خلال جولة آستانة المقبلة بادرة حسن النية، بفتح ملف المعتقلين ولو نظرياً، للتلويح بقدرتها على فرضه على النظام السوري، تبدو مناطق خفض التصعيد في أسوأ حالاتها، حيث الاختراقات من جهة والجوع يحاصرها من جهات عدة، والغوطة مثال، وتقدم روسيا للتداول مساراً آخر تستثمر فيه جهودها في العامين الماضيين في إنشاء «الهيئات المحلية»، التي قامت عبر قاعدة الهدنات التي عقدتها في بعض مناطق المعارضة، وتضعه كفزاعة أمام المعارضة الحالية تحت مسمى «مؤتمر الشعوب السورية».

مع الانتباه إلى توقيت إطلاق هذا التصريح وفي خضم كل التعقيدات، لا بد من الاعتراف أولاً أنه بات من الصعب تجاوز واقع تقاسم مناطق النفوذ في سورية. ثانياً، أن المعارضة السياسية والعسكرية هي الطرف الأضعف في هذه المعادلة، وأن عليها أن تدرك ذلك وتواجه واقعها الذي تتحمل مسؤوليته. وثالثاً، وهو الأهم أن الولايات المتحدة لم تقل كلمتها بعد، لذا فلا شيء محسوماً، لكن أيضاً لا شيء حتى الآن يخالف إرادتها. رابعاً، لم يعد ترقيع النظام مجدياً، بعد فقدانه سيادته وتآكل قدرته على السيطرة واستنزاف موارده، لذا لا بد من تغيير سياسي في سورية حتى ولو كان بهذا القدر أو ذاك، لاستعادة الاستقرار السياسي والاجتماعي واستعادة السوريين بلدهم، ومن ثمّ استعادة مقاصد ثورتهم والعمل عليها في مساحة من الأمان والاستقرار.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار