GMT 0:05 2017 الأحد 29 أكتوبر GMT 6:10 2017 الأحد 29 أكتوبر  :آخر تحديث

السعودية... مشروع مستقبلي غير مسبوق

الشرق الاوسط اللندنية

عبدالله بن بجاد العتيبي

مبادرة مستقبل الاستثمار، إعلان ولي العهد السعودي عن مشروع «نيوم» ومقابلة الأمير محمد بن سلمان مع رويترز، وإعلانه أن تخصيص جزء من شركة أرامكو عملاق النفط العالمي ماضٍ في طريقه المرسوم بحسب لقاء وكالة رويترز مع الأمير محمد بن سلمان.


حجم التطوير ومدى تسارعه فاق أحلام كثيرٍ من السعوديين أنفسهم فضلاً عن المراقبين في الخارج، لقد بدأ السعوديون يعتادون على رتمٍ سريعٍ في التخطيط والعمل والتنفيذ والإنجاز، لقد أصبحوا يحاولون ضبط ساعاتهم على ساعة ولي عهدهم الذي فاق جميع أحلامهم وطموحاتهم.
السمة الأبرز لطريقة عمل ولي العهد السعودي هي التفكير العميق في التخطيط ووضع كل القدرات والإمكانيات المطلوبة لتحويله إلى مخطط تنفيذي له ميزانية محددة ورؤية متكاملة وقابلية عالية للنجاح.
يراقب السعوديون هذا التفكير الجديد كلياً الذي يقودهم مباشرة إلى المستقبل بعد التخلص من كل إعاقات الماضي وإكراهاته التي أعاقت التنمية والانفتاح في البلاد لأكثر من أربعين عاماً، وقد ارتفع حجم الفخر الوطني وارتفعت معه الطموحات، وبدأ البعض يعبر بعاطفة مؤثرة أمام أحلامٍ انطلقت من عقالها بعد انتظارٍ طويلٍ وأصبحوا يخشون أن يتهموا بالمبالغة ويجهدون للتعبير عما يجري بكل موضوعية ممكنة، لا لشيء إلا ليفهم الآخرون ما الذي يجري حقيقة في السعودية الجديدة والسعودية المجيدة.
التاريخ لا يسعف كثيراً في فهم خامة مؤسسي الدول، وكيف يكونون رؤاهم ويتجاوزون كل التحديات باستيعابٍ ملهمٍ وقدرة على التحدي وتوازنٍ يذهل الجميع بنفاذ بصيرة ووعي متقدمٍ يتزامن مع شجاعة في اتخاذ القرار وعزمٍ وحزمٍ لخلق واقعٍ جديدٍ يزيد البلاد قوة ومنعة ثم يمضون بجدٍ لتطويع الواقع وتغييره وتطويره بل لترويض المستحيل خدمة للحلم والمستقبل المشرق الذي يجب بناؤه واستهدافه.
ما يجري في السعودية اليوم هو أشبه بتأسيسٍ جديدٍ للدولة، يقوده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان تحت توجيه ورعاية الملك سلمان، والمقارنات قد تبدو ظالمة في بعض الأحيان تجاه لحظات التأسيس الأولى ولحظات التأسيس الجديدة، لأي منهما، ذلك أن الماضي المجيد يبقى دائماً برسم التمجيد بينما المستقبل الجديد هو دائماً برسم التحدي والبناء.
في مبادرة مستقبل الاستثمار التي عقدت في الرياض الأسبوع الماضي التي استضافها صندوق الاستثمارات العامة السعودي، أعلن ولي العهد السعودي عن مشروع «نيوم» ومعه على المسرح بعض أنجح رجال الأعمال حول العالم وبحضور أكثر من ألفين وخمسمائة من أنجح رجال الأعمال والمديرين التنفيذيين من أكثر من ستين دولة، ووصف الأمير المشروع بأنه مشروع الحالمين، وهل يبني الدول إلا الحالمون الواقعيون الذين ينظرون من سجف الغيب للمستقبل فلا ينتظرونه مع المنتظرين بل يشاركون في بنائه وتشكيله بالعمل والتخطيط والإنجاز.
لقد أصبح العالم يتعامل بكل الجدية المطلوبة مع السعودية الجديدة، فمشاريعها الكبرى في التعدين والمشتقات النفطية والترفيه والاستثمارات الكبرى محل تطلع للمشاركة، مشروع «القدية» في الرياض، ومشروع البحر الأحمر والآن مشروع «نيوم» بخمسمائة مليار دولار، كلها مؤشراتٌ كبرى على نوع المستقبل الذي يبنى وطبيعة الاستثمارات القادمة.
سألت رويترز الأمير محمد متعجبة من فكرة مشروع «نيوم» بالقول: لا أعتقد بأن هذا حدث في التاريخ من قبل، فأجاب: بلا ريب، أول مدينة رأسمالية في العالم، هذا هو الشيء الفريد الذي سيحدث ثورة في المدينة ونموها.
في الجانب السياسي فإن السعودية الجديدة تحمي مصالحها بشكل قوي وأصبحت فاعلة على المستوى الإقليمي والدولي، وهي شريكٌ يدعم الاستقرار في المنطقة على كافة المستويات، علاقاتٌ تتجدد مع الدولة العراقية، وتواصل مع كافة أطياف الشعب العراقي، ودورٌ مهمٌ في الأزمة السورية، ودعم للدولة اللبنانية ورفض قاطع لحزب الله اللبناني وأدواره الإرهابية في لبنان وسوريا وحول العالم، وعلاقاتٌ تتعزز مع مصر، وبحث عن السلام في ليبيا، وقيادة تحالفين عسكريين ودور فاعلٌ في تحالفٍ دولي ثالث.
انطلاقاً من هذا كله وغيره، سألت رويترز عن الأزمة القطرية فأجاب الأمير صادقاً: «قطر قضية صغيرة جداً جداً جداً» وعن الحرب في اليمن قال صراحة: «إذا أردنا حزب الله آخر في الشرق الأوسط، فلنغير إذن سياستنا في اليمن» وأضاف: «سنمضي إلى أن نتأكد أن شيئاً على غرار حزب الله لن يحدث هناك مجدداً، لأن اليمن أشد خطورة من لبنان».
ما تمّ توفيره من سبل النجاح لمشروعٍ ضخمٍ بحجم «نيوم» أمرٌ يفوق الوصف، ومع كل الإبداع والاستثمارات الضخمة من الشركات والاستقطاب المتوقع للمواهب والمبدعين الأفراد، فمنطقة «نيوم» فيها نفط وغاز وتعدين ويمكن دعمها بصناعاتٍ بتروكيماوية والدولة بثقلها الكبير تدعم المشروع، ومع كل ذلك فقد عبر الأمير عن قلق معينٍ تجاه المشروع المستقبلي غير المسبوق في التاريخ والعالم، فمم قلق الأمير؟ إنه قلقٌ كما عبر أثناء مشاركته في مبادرة مستقبل الاستثمار من أن يفوتنا شيء جديد يخرج بعد تنفيذ المشروع لم نفكر فيه، والعظماء يقلقون بحجم ضخامة الحلم وطموح الحالمين، وقد أثبت الأمير في كل خططه مرونة في اتخاذ القرار وتصحيح الرؤى ومراجعة أي خطأ وتعديل أي قصور واستدراكه.
وفي كلمة للتاريخ قال الأمير إن السعودية لن تبقى رهينة لحقبة ما بعد 1979 «بل سنعود إلى الإسلام الوسطي المعتدل والمنفتح على جميع الأديان» وأضاف: «بكل صراحة لن نضيع 30 سنة من حياتنا في التعامل مع أي أفكار متطرفة. اتخذنا خطوات واضحة في الفترة الماضية بهذا الشأن، وسنقضي على بقايا التطرف في القريب العاجل، ولا أعتقد أن هذا يشكل تحدياً، فنحن نمثل القيم السمحة والمعتدلة والصحيحة، والحق معنا في كل ما نواجه، وسندمرهم اليوم فوراً».
ليس أبلغ من هذا الكلام في وصف مرحلة كانت مظلمة من تاريخ البلاد حيث كانت «الصحوة» لأكثر من ثلاثة عقودٍ معوقاً للتنمية والحضارة والتسامح والسلام الذي كان موجوداً في السعودية قبلها، وقد عبّر الأمير عن أولوية للقضاء على التطرف من أجل بناء مستقبل جديد للدولة والمواطنين.
أخيراً، فالسعودية الجديدة يبنيها ولي العهد السعودي تحت رعاية الملك سلمان وبرؤية معلنة هي رؤية السعودية 2030 ومشروع التحول الوطني 2020 وعشرات المشاريع الكبرى والصغرى، وسيرتفع صيت السعودية أكثر فأكثر وستزداد قوتها يوماً بعد يومٍ.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار