GMT 0:05 2017 الأحد 29 أكتوبر GMT 7:12 2017 الأحد 29 أكتوبر  :آخر تحديث

كان في وطني ممنوع أن نضحك

الوطن السعودية

علي سعد الموسى

هناك في ذهنية المصطلح فارق طفيف ولكنه واضح ما بين الغلو والتطرف. الغلو درجة أدنى ومرحلة استباقية ومع هذا ليس كل متغال بالضرورة أن يصل إلى مرحلة التطرف. وأعتقد جازماً أن اللغة الإنجليزية استطاعت أن ترسم الفارق الطفيف بين المصطلحين عندما اخترعت لهما على التوالي: «Fundamentalism» في مقابل «Radicalism». أقرب ترجمة لهما هما الأصولية والتطرف. وفي إسقاط حصاد هذين المصطلحين على الحالة السعودية سنجد أننا وبلا أدنى شك كنا نعيش حالة الغلو أكثر مما كنا في حالة التطرف، ولو أن الحالة الأخيرة ثمرة تلقائية للأولى.
ولأنني أكتب مقالة عابرة لا بحثاً تأصيلياً عن الفارق ما بين الحالتين وعن إسقاط نتائجها على المجتمع، فسأكتفي هنا بسرد الشواهد: أنا من الجيل الأوسط الذي عاش مرحلة المجتمع الطبيعي المعتدل الملتزم في طفلوته وشبابه، ثم امتدت به رحلة الحياة ليشاهد كل مظاهر الغلو في أبشع صورها القاتلة.

خذوا من تجربتي هذه الحكايات الوصفية. ليلة عودتي من رحلة البعثة الطويلة أخذت زوجتي إلى أحد «المولات» التجارية في مدينة جدة. وبعد هرولة طويلة نذرع فيها جنبات ذلك السوق استوقفنا شخصان بتهمة الشك الأعمى في العلاقة ما بين اثنين. أحدهما يقول بالحرف الواحد إنني كنت أضحك مع هذه «الطريدة» أكثر مما ينبغي للمقام أن يكون. وحين أقسمت لهما أنها زوجتي ذهب فوراً إلى السؤال عن أطفالنا وكأنهم إثبات عقد زواج، أو كأنه ممنوع على كل أبوين أن يذهبا للحياة العامة قبل ولادة الطفل الأول. لم يجدا أي حجة لهذه التهمة الخطيرة إلا أن يقولا لي: اذهب ولكن لا تضحك. أوشك وطني مع هؤلاء أن يصدر فرماناً بمنع البسمة والضحك حتى بصحبة العائلة. في ذات الفترة من منتصف التسعينات أخذت والدتي من بيتها القروي إلى السوق البسيط في شارع بسراة عبيدة. أجلستها على كرسي الدكان لتختار ما تحب من الحبوب وأدوات قهوتها العربية، عندما طلب مني بأدب أحد الشباب الصغار حديثاً جانبياً كان يناصحني حول جريمة نزول امرأة إلى السوق، وللحق ربما كانت أمي الوحيدة. شاب في العشرين يرى في نزول سبعينية إلى الدكان المتواضع كبيرة وجريمة.


أختم: في قريتنا رأيت إحدى قمم الغلو حين تقدم شاب آخر في حفلة زواج بفتوى شيخه التي تحرم فلكلورنا القديم «القزوعي» بحجة أن الرجال يتمايلون فيه تشبهاً بالنساء، فلا أعلم مع هذه الفتوى كيف نستطيع ممارسة كل ما تبقى من حياتنا الفلكلورية. ولو أنني اعترضت عليه لمجرد الضحك لربما أجاب نفس جواب محتسب السوق: اذهب ولا تضحك. كادت أن تكون الابتسامة في وطني جريمة وكبيرة.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار