GMT 0:00 2017 الأربعاء 1 نوفمبر GMT 8:37 2017 الأربعاء 1 نوفمبر  :آخر تحديث

الثقافة الوطنية ... المفهوم الذائب

الحياة اللندنية

زياد الدريس

يروق لي كثيراً الانحياز في تعريف (الثقافة) إلى الخيار الذي لا يحبذه المثقفون بالطبع لأنه يفقدهم شيئاً من فخامتهم(!)، وأعني به التعريف الواسع والرحب للثقافة بأهازيج الإنسان وفنونه ورقصاته وتقاليده ولهجاته وطبخاته ورسوماته وأزيائه. وهذا للمناسبة هو التعريف الذي اختاره وأشاعه الباحث الفرنسي كلود ليفي ستراوس، واعتمدت عليه منظمة اليونيسكو تعريفاً للثقافة عند إعدادها لائحتي صون التراث العالمي: المادي وغير المادي (الشفوي).

بذا، لا يعود إنتاج (الثقافة الوطنية) حكراً على فئة محددة من المجتمع، تصنعها وتنتجها وتحميها من (الاختلاط) الشعبوي، بل تصبح تمثّلات الثقافة الوطنية مشاعة (لا أريد أن أقول: لمن هبّ ودبّ، فهذه لغة استعلاء ثقافي مجردة من السلاح الآن!)، بل مشاعة لكل من يصنع نتاجاً يندرج تحت التعريف الثقافي الفضفاض.

لأجل هذا، فإن الحدود بين الثقافات الوطنية للشعوب في هذا العالم الجديد قد تضاءلت، وستزداد تضاؤلاً مع الأيام بسبب التقارب الرقمي بين الشعوب، ما يخلط السمات الثقافية بين الشعوب بعضها بالبعض الآخر، فلا تعود الحدود الجغرافية حامياً لخصوصيات الثقافة الوطنية. وعندها سيُصبِح الحديث عن (ثقافة وطنية) أشبه ما يكون بعزلة أو غيتو نشاز.

في نظرةٍ أخرى، لا شيء يمكن أن يحمي خصوصية الثقافات الوطنية من الانقراض سوى النزوع المتنامي والمفاجئ لدى الشباب الجديد، بالأصح لدى بعضهم، إلى العودة إلى (الهويات الصغرى) والانغماس في ما تبقى واستُعيد من سمات الشخصية الوطنية، زيّاً ومأكلاً وأهازيج، عناداً لديكتاتورية العولمة في جعل العالم والنَّاس متشابهين!

هل سينجح المعاندون للعولمة من الشباب في مهمتهم غير اليسيرة هذه لمقاومة (وباء التشابه) الذي يغزو العالم ليجعله قرية كونية صغيرة، كما كان الإنسان يتمنى ويبشّر في عقود مضت، وبدا أنه قد تراجع الآن عن تلك الأماني حين ذاق طعم التشابه غير اللذيذ؟!

أم إن الغلبة ستبقى للشباب المنخرطين في سياقات العولمة وسباقاتها، في مهمتهم الأسهل، إذ إنهم لا يبذلون جهداً ثقيلاً للمقاومة بل جهداً ضئيلاً للبقاء في القطار؟

العالم يعيش صراعاً محتدماً بين هُويّتين: الهوية العولمية التي تريد للأشياء أن تكون متشابهة، والهوية الوطنية التي تريد للهويات الصغرى أن تبقى متمايزة.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار