GMT 0:00 2017 الأحد 12 نوفمبر GMT 9:01 2017 الأحد 12 نوفمبر  :آخر تحديث

هل انطوت صفحة «داعش»؟

الإتحاد الاماراتية

خليل علي حيدر

هزيمة «داعش» النكراء في الموصل والرقة، وفي عموم العراق وسوريا، «فضيحة عقائدية» جديدة للجماعات المتطرفة والقوى التكفيرية، التي زعمت عبر التاريخ، أنها بصدد بناء الخلافة الإسلامية وتطبيق الشريعة وإقامة الدين على أساس قويم. فإذا بها تذيق الناس العذاب في كل مكان تتمكن منه، وتستخدم أعلى درجات العنف والوحشية، وتغتصب الأموال وتصادر الممتلكات وتغتصب النساء، وتقتل آلاف الناس لأتفه الأسباب، وبأشد الطرق بشاعة.

كانت الفكرة خطأ قاتلاً من الأساس! ولم يكن من المتوقع سياسياً وعسكرياً لدويلة «داعش» الدموية الظلامية أن تعمر طويلاً في هذه المنطقة. فالإرهاب، كما يقول الإعلامي «غسان شربل»، «يرتكب خطأ قاتلاً حين يصبح له عنوان معروف يمكن الانقضاض عليه، فقوة الإرهاب أصلاً أن يكون متخفياً ومفاجئاً.. لا يملك عنواناً».

ما هزم «داعش» فوق ذلك لم يكن إدراج عنوان سكنه فحسب، بل كذلك سلوكه المشين الذي لم يعرف له التاريخ العربي الحديث مثيلاً بهذا الحجم، رغم أن سفاحي الجزائر قبل ثلاثة عقود كانوا ربما المبشرين بميلاد الزرقاوي ودموية البغدادي وغيره. وإذا كان من السهل إدراك جذور الروح الانتقامية لدى شيوخ الإرهاب وممارسيه في الجزائر في تسعينيات القرن العشرين، فإن من الصعب أن يتفهم أي متابع وحشية «داعش» المستمرة والمتصاعدة، رعباً من أجل الرعب، وإرهاباً من أجل الإرهاب، وباختصار «إجرام صافي نقي» خالٍ من نقطة رحمة أو اعتدال، آتٍ من صميم ظلمات أعتم مراحل التاريخ، يبتلى به كل من يكتب له حظه العاثر الوقوع بين براثن دولته. ولم يحاول المنضوين في «داعش» منظرين وقادة، حتى مهادنة جيرانهم، أو استمالة المترددين لتعزيز دولة الخلافة وكسب الرأي العام فيها. بل قام «الدواعش» بعكس ذلك تماماً، وبلا مبرر في الأعم الأغلب، لعل أبرزها كمثال فردي ما فعلوه بالطيار الأردني الذي أحرقوه داخل قفص حديدي!

شهد أكتوبر وما بعده 2017 تغطية الإعلام لظاهرة استسلام «إرهابيي» داعش في العراق بأعداد غفيرة، وبخاصة بعد انهيار بلدة «الحويجة»، حيث لم يبق أمام المسلحين سوى الاستسلام والتوجه إلى مراكز الاستجواب الكردية ليسلموا على حياتهم، بدلاً من الوقوع بين قوات «الحشد الشعبي»، التي قالت الشرق الأوسط، «عرف عنها قتلها لأسرى تنظيم داعش ولأسرهم أيضاً». ربما انتقاماً مما كان يفعله داعش في أحيان كثيرة بأسراه من السُنة والشيعة، عسكريين ومدنيين، استجابة لفتاوى شيوخ التنظيم وتيار «السلفية الجهادية»، التي تُكفر خصومها، وتُكفر من لا يكفرهم، من تركي البنعلي وأبو الحسن الأزدي وأبي منذ الشنقيطي وأبي بصير الطرسوسي وأبي ماريا القحطاني وعبدالله المحيسن وأبي محمد المقدسي وأبي قتادة الفلسطيني وأحمد بن عمر الحازمي، ومئات آخرين من الفقهاء وأمراء الجهاد وفرق وجماعات الإرهاب، وكذلك جماعات الإسلام السياسي «المعتدل»، الذي أينع فكر هؤلاء جميعاً وأثمروا من «بستانه».

تقول الصحيفة في وصف مشهد استسلام مجاهدي «داعش» للبشمركة الكردية: «وقف الأسرى في مواجهة الحائط، وكان واضحاً من أثواب بعضهم من الخلف أنهم لم يدخلوا المرحاض منذ أيام. وكانت رائحة أحدهم منفرة لدرجة أنه روّع المحققين، بعدما نقل إلى غرفة التحقيق الصغيرة». وكان عدد المستسلمين في «تلعفر» 500 مقاتل، وتخطى عددهم هذه المرة الضعف في «الحويجة».

زعم الكثير من المقاتلين بأنهم كانوا إما طباخين أو كتبة، وأنهم انضموا إلى تنظيم «داعش» منذ شهر أو شهرين فقط، ونفوا علاقتهم بأعمال القتل وجز الرؤوس وارتكاب الفظائع. اعترف أحدهم وكان عراقياً باسمه الحقيقي «ميثم محمد مهيمن»، وكانت يداه مكبلتين خلف ظهره كما قال المراسل في تحقيقه. «أفاد مهيمن بأنه كان من سكان الحويجة وأنه انضم إلى التنظيم بعد أن آمن بقضيتهم، ولأن مبلغ 100 دولار التي كان يتقاضاها شهرياً كانت أفضل من لاشيء». كان «مهيمن» من كتيبة الصفوة الانتحارية، المعروفة باسم «الباحثين عن الشهادة»، غير أنه أنكر أن يكون قد حضر أي عملية قطع رؤوس. وقال إن «والي» مدينة الحويجة طالبنا بعد الهزيمة، «بأن نحل مشكلتنا بأنفسنا»، ولكنه نصحنا بالتوجه إلى البيشمركة. الخبير العراقي «عصام المحاويلي» يقدر أن إعمار الموصل قد يكلف 250 مليار دولار، وهناك بالطبع مدن ومناطق لا تقل دماراً من الموصل في العراق وسوريا.

الكثيرون لا يرون في مثل هذه الهزيمة نهاية لـ«داعش». إن قيادات «داعش» الحالية تركت أتباعها لمصيرهم، غير أن الهاربين ربما يختبئون لبعض الوقت في بادية العراق والشام. ويقول الباحث «كريم بيطار»، من فرنسا، إن «الطابع الصحراوي لتلك المناطق سيجعل تأمينها أمراً صعباً، ويمكن لفلول تنظيم «داعش» أن يبقوا ناشطين حتى بعد الهزيمة». وهناك من يحذر بقوة من احتمالات تجدد محاولات داعش، أو ولادة تنظيم مماثل. ويؤكد البعض أن «داعش» إما موجودة بشكل ما في العراق وسوريا، أو أنها منهمكة في بناء نفسها من جديد. ولكن هل قوى الجيش والأمن العراقية اليوم.. هي نفسها عام 2014؟


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار